الصفحة الرئيسية » إصدارات جديدة
الإرتقاءُ العاطفيُّ

2015/11/16 | الکاتب : أسرة البلاغ


 

الإرتقاءُ العاطفيُّ

من العاطفة المجرَّدة إلى الذكاء العاطفي

 

لجنة التأليف - مؤسسة البلاغ

 

موقف لا يُنسى!

كنّا في دورة تعليمية متقدّمة، أكثرنا كبار في السنّ ومن اتجاهات واختصاصات مختلفة، وكانت المسافة بين المعهد والفندق الذي كنّا ننزل فيه بعيدةً، وقد هيأت اللجنة المشرفة على الدورة سيّارة لنقل الطلاب تقف كلّ صباح في باب الفندق بانتظارهم للانطلاق نحو المعهد. وكان من بين الطلاب شخص مواظب على الاستيقاظ مبكراً، ومن أوائل الخارجين من الفندق نحو السيّارة المخصّصة للنقل. وفي يوم من أيام الدورة، غيَّر المعهد موعد الدوام، وقد نسي الشخص المواظب ذلك فبقي نائماً وزملاؤه ينتظرونه حتى طال بهم الانتظار، فقرّرَ أحدهم أن ينزل من السيّارة ويذهب إلى غرفته في الفندق ليطلع على حقيقة الأمر، فقد يكون الزميل مريضاً أو لا يريد الحضور في ذلك اليوم لسبب أو لآخر. وبعد قليل عاد الاثنان: الذاهب للتأكّد من سبب تأخر الزميل، والزميل نفسه، وكان بعضنا قد تَأفّف من تأخّره.

صعد الزميل المتأخّر إلى السيّارة ووقف أمام زملائه مبتسماً ابتسامته العذبة، حيّاهم بتحية طيّبة، وقال: أعتذر لكم جميعاً، فلقد نسيت أنّ الموعد قد تغيَّر ولم أضبط ساعتي على التوقيت الجديد، وآسف لأنّني كنت سبباً في إزعاجكم، وأشكركم على طول صبركم، ولأنّني تأخّرت عليكم كلّ هذا الوقت فإنّ قهوتكم الصباحية التي تتناولونها في المعهد مدفوعة الثمن من قِبَلي سلفاً!!

لم نسمع من أولئك المتأفّفين تعليقة واحدة، فلقد استطاع زميلنا بذكائه العاطفي ورشاقة أسلوبه الإنساني أن يمتصّ حالة الاستياء من تأخّره غير المعتاد. وقد لاحظنا أنّه لم يقل في اعتذاره: هذه أوّل مرّة أتأخّر فيها فسامحوني لأنّها الأولى. (لم يذكر حسناته السابقة في التبكير) ولم يقل: كلّكم يتأخّر، ونبقى في انتظاره وهو على علم بالموعد المحدد للانطلاق (لم يذكر سلبيات الآخرين في التأخير لمرّة أو لأكثر من مرّة).. ولم يعتذر اعتذاراً شفوياً فقط بأن قال آسف لإزعاجكم مبيّناً السبب وكفى، وإنّما شفع ذلك وقرنه باعتذار عملي جميل بأن دعا زملاءه لشرب القهوة على حسابه الخاص ليزيل ما تكدّر من خواطرهم بسببه.

لقد تصرّف صاحبنا بذكاء عاطفي، أي بحُسن معاشرة ودماثة أخلاق ولين جانب مع زملائه من غير أن يُبرّر موقفه بتعنُّت، ولا خدش لمشاعر الآخرين، بل تعامل مع الموقف بلباقة أزال التوتُّر بحسن التصرّف والكياسة، علماً أنّه لم يخطأ خطأً متعمّداً، ولعلّك وأنت تقرأ هذا الموقف تتذكّر وصية رسول الله 6: «جاملوا الناس بأخلاقكم تسلموا من غوائلهم وزايلوهم بأعمالكم لئلّا تكونوا منهم»[1].

والغوائل ما يلحق بك من أذى الآخرين، والمزايلة المخالفة لأعمال السوء والقبح والمنكر التي قد تصدر عنهم. فبالمسايرة والمجاملة بالأخلاق الحسنة، والمخالفة بالأعمال السيّئة يمكن أن تكون ذا ذكاء عاطفي.

 

العاطفة الإنسانية:

استطاع النفساني الأميركي (البورت) أن يستخرج أكثر من خمسين تحديداً مختلفاً لمفهوم الشخصية، وأقرب التعريفات هو:

الشخصية: مجموعة الخصائص (الجسمية) و(النفسية) التي تُميّز الفرد عن غيره من الأفراد تميُّزاً بيّناً، وتُحدّد طريقته الخاصّة للتكيُّف مع البيئة المادّية والمعنوية.

وللشخصية -كما في الموسوعة الإسلامية الميسّرة، ج7، ص1391- جانبان:

الأوّل: ذاتي: أي شعور الشخص بذاته، ويتكوّن تدريجياً مارّاً بثلاث مراحل رئيسة:

1- الشعور بالذات (الجسمية)

2- الشعور بالذات (النفسية)

3- الشعور بالذات (الاجتماعية)

الثاني: موضوعي: ويتكوّن من مجموعة السمات التي تُتيح للفرد أن يسلك إزاء الآخرين سلوكاً موسوماً بطابعه (أي بخلفيّته الثقافية والمهنية والسلوكية).

ولما كان للمبدأ أكبر الدور في صياغة الشخصية، فقد أُضيفت إليه فيقال -مثلاً- الشخصية المسلمة، ويراد بها المقوَّمات الثلاثة الآتية:

1- الفكر

2- العاطفة

3- السلوك

ولأنّ حديثنا في هذا الكتاب منصب على الذكاء العاطفي، فإنّنا سنركّزه في التعريف بالمقوَّم الثاني الذي يُعبَّر عنه بتعبير أشمل وهو (الوجدان الإنساني) الذي يتفرّع بدوره إلى (العاطفة): حُبّاً وبُغضاً، وإلى (الانفعال) غضباً وفرحاً وخوفاً ورجاءً، ذلك أنّ الإنسان -كما يرى صاحب (الإعداد الروحي)- ليس مركباً آلياً يتحرّك بسبب الإثارات والحركات الخارجية، ولا كائناً عقلياً صرفاً يتحرّك بسبب رؤيته العقلية فقط، أو يتصرّف بإرادة محضة لا يشاركها (لا يمازجها) حُبٌّ ولا بُغض، ولا غضب ولا سرور، وإنّما هو (وجدانٌ) أيضاً، أي عاطفة وانفعال.. وللحياة الوجدانية في التربية الإسلامية لبناء الشخصية مبدآن:

1- تكوين وجدان إسلامي خاص بالإنسان المسلم. (هذا لا يعني أنّ وجداننا الإسلامي قماشة خاصّة أو طراز بعيد عن الوجدان الإنساني، وإنّما هو على الرغم من خصوصيّته إنسانيٌّ بامتياز).

إنّ الشخصية الإنسانية وحدة متكاملة، يؤثّر كلُّ جانب منها وكلُّ جزء في الجانب الآخر والأجزاء الأخرى.. فليس من الممكن للإسلام أن يحكم السلوك الاجتماعي والسياسي للناس، دون أن يُغيّر من مضمونهم العاطفي، والانفعالي، والوجداني، ودون أن يُغيّر من مفاهيمهم الحياتية ورؤاهم الفكرية حول الكون والحياة، كما لا يمكنه أن يؤكّد على جوانب الفكر والوجدان في شخصية الإنسان المسلم، دون أن يؤكّد على جانب السلوك والنظام الاجتماعي، والسلطة الحاكمة.

2- تحكيم (العقل) و(الدين) على (العاطفة) و(الانفعال)، فمهما كانت العواطف والانفعالات رسالية وإنسانية عامّة، أو منحرفة، فهي محكومة -في شخصية الإنسان المسلم- لإرادة الله تعالى التي يعرفها العقل. غير إنّ ارتباط الغريزة والعاطفة والانفعال (كطاقة نفسية) ليس ارتباطاً حتمياً وإنّما هو ارتباط اقتضائي، إذ يمكن للإنسان أن يحول بين العاطفة والانفعال وبين نتائجهما العملية. وإنّ العواطف -حتى ولو كانت دينية- لا تقتضي دائماً الفعل الذي ينسجم مع إرادة الله تعالى، بل قد تختلف مقتضياتها مع مقتضيات الإرادة الإلهية. فقد يَسبُّ المؤمن -لعاطفته الدينية- الذين كفروا فيسبّوا الله تعالى. وقد ينفعل -غاضباً لله تعالى- فيتعجَّل بموقف يعود بالضرر على الدين، وعلى هذا أناط الإسلام (الفعل) بتدبُّر عاقبته.. فعن النبيّ 6: «إذا هممت بأمرٍ فتدبَّرَ عاقبته، فإنْ يكُ رشداً فامضه، وإن يكُ غيّاً فدعه»[2].

من هنا يعلن الإسلام عن ضرورة ازدواج الفكر والعاطفة واجتماع العقيدة والإحساس حتى تدبُّ حياة المشاعر الدافئة والعواطف في العقيدة وتصبح مصدر حركة وقوّة دفع لا مجرّد فكرة عقلية باردة لا يخفق لها الحسّ ولا تتدفق بالحياة.

يقول (السيد محمّد باقر الصدر) في كتابه (رسالتنا): «الإسلام لا يريد المفاهيم والأفكار بمعزل عن العمل والتطبيق، وإنّما يريدها قوىً دافعة لبناء حياة كاملة في إطارها وضمن حدودها، ومن الواضح إنّ الأفكار والمفاهيم لا تُصبح كذلك إلّا حين تتخذ أشكالاً عاطفية، وحين تخلق الانفعالات التي تناسبها والعواطف التي تساندها، تتخذ هذه العواطف موقفاً إيجابياً في توجيه الحياة العملية والسلوك العام. فمفهوم المساواة -مثلاً- الذي هو من أهم المفاهيم التي بشّرَ بها الإسلام، لا يمكن أن يثمر في الحقل العملي الثمر المطلوب ما لم ينبثق من عاطفة كعاطفة الأخوّة العامّة ليصاغ المفهوم في شعور عاطفي دفّاق قادر على الحركة والتوجيه»[3].

والمفكّر الصدر يريد هنا مقولة الإسلام الشهيرة: «مثل المسلمين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحُمّى»[4]!

 

الذكاء الإنساني:

الذكاء -كما في المعجم الفلسفي- سرعة الفهم، وتَوقُّد الذهن واشتداد الفطنة. يُقال ذكا العقل: اشتدّت فطنته، وذكت الشمس: اشتدّت حرارتها، وذكا المسك: فاح.

وللذكاء عدّةُ معانٍ:

1- سرعة الفهم وحدّته وجودة الحدس. يُقال رجل ذكي: أي فطن، سريع الفهم، حاذق، في إدراك المواقف المعقّدة.

2- قدرة النفس على حلّ المسائل النظرية والعملية وإدراك طبائع الأشياء، ومعرفة أسبابها. يُقال فلان ذكي: أي إنّه قوي الحدس، جيّد الحكم، سريع الاستدلال.

3- الفرق بين الذكاء النظري والذكاء العملي، إنّ الأوّل هو المهارة في استخراج المعاني والقوانين العامّة من التجارب الجزئية، ثمّ الاستناد إلى هذه القوانين لاستخراج الحلول الموافقة لها، على حين أنّ الذكاء العملي هو القدرة على استنباط هذه الحلول مباشرةً من التجارب الجزئية نفسها. (ومن هذا النوع من الذكاء، الذكاء العاطفي الذي نتحدّث عنه).

4- الذكاء مختلف باختلاف الناس، ويتفاوت في الكمّ والكيف. أمّا في الكمّ فلأنّ بعض الناس يكون أكثر إحاطة من بعض. وأمّا الكيف فلأنّ بعض الناس أسرع ذكاءً من بعض. وعليه فإنّ الفرق بين (الذكاء) و(العقل) إنّ الذكاء مصحوب بالدوافع الانفعالية على حين إنّ العقل مجرد منها[5].

ونتيجة لهذا الفرق أو التفريق بين العقل والعاطفة، كانت نظرة الناس إلى (الذكاء) مُميَّزة يستحضرون فيها البُعد العاطفي الذي يَشعُّ سحراً وجاذبيةً، حتى قال بعضهم إنّ أصحاب العقول محسودون (أي عرضة للاعتداء والمشاكسة من قِبَل الآخرين الأقلّ عقلاً).. وأمّا أصحاب القلوب، فمحبوبون (أي إنّ الذكاء العاطفي يُشكّل مناعة تحصنك من كيد الآخرين ومغناطيساً يجذبك إليهم).

وهذا الذي دعا (سقراط) الفيلسوف إلى أن يقول: (الذكاء يُحوّل القُبح جمالاً، في حين لا يستطيع الجمال إصلاح الجهل والقضاء عليه). وهو الذي جعل الألمان يعتبرون الذكاء أفضل رأس مال، والصينيين يرون الشخص الذكي على أنّه الذي يُحوّل المشاكل الكبيرة إلى صغيرة، ويحلّ المشاكل الصغيرة.. ومن هنا تنبع قيمة الذكاء ككيمياء اجتماعية.

 

الذكاء العاطفي[6]:

يُعرّف (الذكاء العاطفي) بأنّه القدرة على أن ترصد عواطفك وتفهمها بالتأمُّل الذاتي والسياحة داخل مشاعرك وأحاسيسك، وبأنّه القدرة على (الحُب) و(الفهم) و(العطاء)، وضبط النفس والتحكّم في الغضب والاندفاع، والقاعدة الأخلاقية التي تتكوّن من الصدق والأمانة والعدل والإنصاف والتعاطف والرحمة، والقدرة على تفهُّم وجدان الآخرين ومشاركتهم، وتبنّي وجهة نظرهم حتى وإن اختلفوا معنا، وهو التفاعل والإنصات والتقدير وكياسة الاستجابة للغير.

وخلاصة المعنى أنّ الذكاء العاطفي هو القدرة على التحكّم الإيجابي بالعاطفة، والتعامل بمهارة مع ردود الأفعال المختلفة.

وجاء في بعض الدراسات الخاصة بهذا النوع من الذكاء إنّه يتضمّن فهم خمس أنواع من القدرات، هي:

1- قدرة الشخص على فهم مشاعره الخاصة: (إدراك الذات).

2- القدرة على التحكّم بالمشاعر النفسية: (تنظيم الذات).

3- القدرة على تشجيع النفس على العمل الإيجابي: (تحفيز الذات).

4- القدرة على تفهُّم مشاعر الآخرين واحتياجاتهم النفسية: (التعاطف).

5- القدرة على التحكّم في العلاقات الشخصية: (المهارات الاجتماعية).

ويرى (ستيفن ركوفي) إنّ الذكاء العاطفي هو أحد أربع ذكاءات يحتاجها الإنسان الناجح في حياته، وهي:

1- (الذكاء العقلي) وصفته (الرؤية) ودوره (تحديد المسار).

2- (الذكاء العاطفي) وصفته (الحماس) ودوره (التمكين).

3- (الذكاء الجسدي) وصفته (الانضباط) ودوره (التوفيق).

4- (الذكاء الروحي) وصفته (الضمير) ودوره (القدوة الحسنة).

ويعد ستيفن قارئه بأنّ احترام وتطوير وتكامل هذه الذكاءات الأربعة كفيل بإدراك الإنسان لكلّ طاقاته الدفينة وشعوره بالرضا الدائم عن نفسه[7].

 

ذكاء أم ارتقاء؟

من خلاصة ما تقدّم من تعريفات للذكاء العاطفي حان لنا أن نسأل: هل هو ذكاء فطريّ ينشأ مع الإنسان؟ هل هو كامن في جيناته وينتقل مع باقي الموروثات؟ هل هو هبة إلهية لبعض الناس دون بعضهم الآخر؟ هل هو اكتسابي يمكن تحصيله بالمِران والتجربة؟

الجواب: من خلال مراجعتنا لأهم مضامين الدراسات المتعلّقة بهذا الذكاء لم نجد فيه شيئاً مختلفاً عن اهتمام الإسلام ببناء الوجدان الإنساني لدى الإنسان المسلم من خلال لائحة طويلة من الركائز التي يُبنى عليها الوجدان الإسلامي كتكوين خاص أو منظومة قيم متضافرة ومتعاضدة على إنتاج الإنسان السويّ الطموح الذي يرتقي بفكره وعاطفته وسلوكه نحو الأفضل.

ومن خلال استعراض أبرز العناوين الاجتماعية والأخلاقية، لاحظنا أنّ الإسلام أو المربي الإسلامي تحدّثَ عن تطوير العاطفة الإنسانية وتهذيبها والارتقاء بها إلى مستوى (الإنسان المُحسن) من خلال (ثقافة الإحسان) إلى الذات وإلى الغير، أي إنّه ذكاء اكتسابي يأتي وينمو ويتطوّر بالتعليم والممارسة والتعاطي اليومي مع الآخرين.

على صعيد إدراك الذات، تحدّثت الروايات التربوية عن ضرورة معرفة الإنسان لنفسه، و"إنّ الله يرحم مَن يعرف قدرها فلا يتجاوز بها حدودها"، و"إنّ قيمة كلّ امرءٍ ما يُحسنه"، و"أنّ مَن عرف نفسه فقد عرف ربّه".

وفي بعد (تحفيز الذات)، نرى كمّاً هائلاً من المشجّعات والمحفّزات التي لا ترى للنفس ثمناً إلّا الجنّة، ولأنّها نفيسة فلا يجب أن تُباع بغير هذا الثمن النفيس، وتندرج تحت هذا العنوان الرئيس قائمة طويلة من المرغّبات والمنشّطات التي تنطلق من قَسَمٍ قرآني عظيم بها ﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ (الشمس/ 7-10).

يقول الإمام عليّ 7 في ما روي عنه: «إنّ النفس لجوهرةٌ، مَن صانها رفعها، ومَن ابتذلها وضعها»[8]. وورد عنه 7: «ذروة الغايات لا ينالها إلّا ذوو التهذيب والمجاهدات»[9].

وعلى مستوى تنظيم الذات والتحكّم بها، فقد صُبّ الاهتمام على هذا الجانب كونه القائد إلى الارتقاء بالنفس إلى مصاف الكمال، فكان من بين أهم عوامل إصلاح النفس هو: (مَن أصلح نفسه مَلَكها).

وبخصوص التعاطف الإنساني، فما أكثر ما حثّت التوجيهات الإسلامية على مبدأ اعتبار الآخر إمّا أخاً لك في الدين أو نظيراً لك في الخُلق (في الإنسانية)، وكلاهما يحتاج إلى التعاطف معه بحقّ دين أو حقّ إنساني أو بكلا الحقّين.

إنّنا إذاً نتحدّث عن (ارتقاء عاطفي)، خاصةً وإنّ العاطفة مغروزة في كيان الإنسان وهي أحد أضلاع مثلثه الذي أشرنا إليه مقروناً بالفكر والسلوك، وطالما إنّه لا مُشاحّة في المصطلحات، فسواء اعتبرنا التطوير العاطفي ذكاءً أو ارتقاءً فهو في النتيجة اقتراب وتقارب في المعنى والمراد. غير إنّنا نعتبر إنّ من بين العوامل المهمّة والجديرة بالاهتمام التي أغفلتها الدراسات النفسية والاجتماعية المتعلّقة بالذكاء العاطفي هو (المَعَاد) أو إدراك المصير، فكلّما عرف الإنسان إنّه ليس ابن هذه الدنيا فقط، وإنّما هو مخلوق لحياةٍ أكثر رقياً وخلوداً، وإنّ بإمكانه أن يصنع جنّته الأخروية بصناعته لجنّته الأرضية، من خلال محورين أساسين:

1- بنائه لذاته بناءً سليماً.

2- بنائه لعلاقاته الاجتماعية بناءً صالحاً.

ازدادت حدّة ذكائه العاطفي والاجتماعي، بل واتقاد شحنات ذكاءاته الأخرى أيضاً: العقلية والجسدية والروحية.

إنّ مهاراتٍ اجتماعيةً من قبيل: الابتسامة والمصافحة والزيارة وإدخال السرور على الآخر، وقضاء ما أمكن من حوائجه واحتياجاته المادّية والنفسية، ومشاركته مشاركة وجدانية، والتسامح، وتبادل الهدايا، والمواساة، والضيافة، والتواضع، والحوار بالطرق الحضارية المهذَّبة، والكرم، والشكر، والإنصاف، وغيرها هي ليست مجرّد أدوات يُدخلها المتعامل مع مجتمعه بذكاء عاطفي إلى حيّز الخدمة في بناء علاقات أفضل، بل هي مُدخَلات رصيدية مهمّة تُضاف إلى محصوله الذكائي والاجتماعي ممّا يُحقّق له في الدنيا إمكانية الإلمام بالقدرات الأربع، وقدراً كبيراً من الراحة النفسية، ونوعاً من الجاذبية الشخصية التي تنفع في مجالات العمل والتوظيف والزواج والقيادة، مثلما تُحقّق له كسباً أُخروياً في رضا الله عمّن رضي الناس عنه لأخلاقه الحسنة وتعامله الإنساني المُحسِن.

العاملون في حقل الدراسات الإنسانية والتنموية يفيدون من خلال خبراتهم وتجاربهم إنّنا عندما نبذل كلّ ما بوسعنا فإنّ قدرتنا على الفعل تزداد، وعندما نثابر على فعلٍ ما يصبح أكثر سهولة، ليس لأنّ طبيعة هذا الفعل تتغيّر، ولكن لأنّ قدرتنا على الفعل تزداد. وإنّنا عندما نُخضع أجسادنا لكلٍّ من عقلنا وروحنا، فإنّ السلام والثقة اللذين ينبعان من هذا النوع من الانضباط والتحكّم بالذات لا حدود لهما.

يروي (ستيفن ركوفي) في (العادة الثامنة) تجربة رياضية شخصية عاشها هو بنفسه، فيقول: أتذكّر مُدرّباً كان معي ذات مرّة وأنا أقوم بتمرين رفع الأثقال فوق الصدر. طلب منّي أن استمر في التمرين إلى الحدّ الذي أعجز فيه عن الاستمرار. سألته عن السبب، فأجابني: إنّ معظم الفائدة تأتي في نهاية التمرين عندما تكون الألياف العضلية متعبة وتُصاب بشيء من التشنّج (الألم) وهي تتجدَّد وتقوى خلال ثمانية وأربعين ساعة!!

من تلك التجربة التعليمية الغنيّة خلص ستيفن إلى نتيجة اجتماعية مهمّة مفادها أنّ هناك نوعين من الضغوط: السلبية والإيجابية، تأتي السلبية من جراء العمل والاستياء من ضغوط الحياة والشعور أنّنا ضحايا. أمّا الضغوط الإيجابية، فتأتي من التوتُّر الحاصل بسبب الفرق بينما نحن عليه الآن وما نريد الوصول إليه مستقبلاً: هدفٌ له معنى، أو مشروع، أو قضيّة، أو شهادة تُشعل حماسنا، وهذا النوع من الضغوط يقوّي جهازنا المناعي، ويُطيل حياتنا، ويُؤدّي إلى المتعة.

وتُفيد الدراسات الصحّية الحديثة إنّ معظم السرطانات والأورام الخبيثة يمكن الشفاء منها إذا شُخّصت في مراحلها الأولى وعولجت العلاج البديل (أي بدلاً من العلاج الكيمياوي أو الجراحي). فإذا أجرى الإنسان فحصاً دورياً سنوياً على الأقل أمكن تشخيص الأمراض في بدايتها، والإنسان هو المسؤول الأوّل عن صحّته والوقاية دائماً خيرٌ من العلاج.

نقول هذا بمناسبة الحديث عن الذكاء العاطفي أو تطوير الذكاء الخام إلى ذكاء ارتقائي، لأنّنا عندما نُلزم أنفسنا بأمر أو نقطع على أنفسنا عهداً في الحمية أو التمرين أو الإقلاع عن بعض العادات ثمّ لا نفي بعهودنا، نُصبح أقل حساسية تجاه مشاعر الآخرين لأنّ مستوى شعورنا بالاستقامة ينخفض.. ولعلّ هذا هو الذي دفع المربي الإسلامي إلى التأكيد على ثلاثة مفاهيم متلازمة متكاملة مترابطة ترابطاً عضوياً، وهي: (المشارطة) بأن تقطع على نفسك عهداً، و(المراقبة) بأن ترصد مدى التزامك بما عاهدت نفسَك عليه، و(المحاسبة) بأن تُقيّم تجربتك في المشارطة والمراقبة، وكم كنت (حاكماً) على نفسك (حكيماً) معها، وفيّاً لها بعهودك وتعهُّداتك.

 

تطوير الذكاء العاطفي:

يوم أمر الله تعالى نبيّه محمّداً 6 بأن يرقَّ ويلين في التعامل مع أبناء مجتمعه ويجعل مبدأ الرحمة شعاراً نصب عينيه، كان سبحانه كأنّما يُرشد إلى أمرين: حبّ الناس للإحسان وتقدير نقاط ضعفهم، واحترام خصائصهم وخصوصياتهم، والتلطُّف في التعاطي معهم من جهة، وقدرة القائد على امتلاك زمام القلوب والنفوس قبل امتلاك أزمّة العقول والأجساد من جهة ثانية.

وكان أبلغ ما توسّل به 6 في ترجمة هذا الأمر إلى إجراء عملي هو (الرحمة) بالأُمّة و(الإحسان) إليها سواء بمساواته لهم أو بإنصافهم من نفسه، أو الدعاء لهم، لا عليهم، بأن يغفر الله لهم، وأن يصفح عن كلّ مَن عاداه واعتذر إليه وتاب إلى الله مسلماً على يديه، حتى قال قائل قريش: حينما دخل محمّد مكة كان أبغض الناس إليَّ، ولكنّه حين اقترب منّي وحادثني ووضع يده على صدري.. انصرف وليس في الأرض أحبّ إليَّ منه.

وهذا هو الذي تتحدّث عنه الدراسات النفسية في ما تصطلح عليه بالمغناطيس الشخصي أو سحر الشخصية وتعتبر أن ليس في الناس مَن لا يؤثّر في غيره عن وعي أو عن غير وعي، وليس في الناس مَن لا قيمةَ له في مصائر الذين يحيطون به، ويتعامل معهم، ويتعاملون معه، فلكلٍّ تأثيرات خاصّة أو نفوذ شخصي نفسي خاصّ.

من أين يتأتى هذا السحر ومن أين تنبع هذه الجاذبية؟ كيف يمكن لنا أن نطوّر هذا الجانب في شخصياتنا حتى نصل إلى مرحلة (الذكاء العاطفي)؟

الدراسات نفسها اعتنت بالبحث عن إجابات عملية للارتقاء بعاطفتنا المجرّدة أو المادّة الخام إلى مستويات عُليا ومن ثمّ إلى مستويات أعلى، مؤكّدةً أنّ هذا المغناطيس يختلف بين إنسان وآخر شدّةً واستمراراً وانسجاما، وإنّ وسائل تحسين هذا الذكاء تعتمد على الشخص نفسه.

يقول (توس آ. أدكين): "إنّ المنافسات والمضادات والعداوات الطارئة العنيفة، أبعد ما تكون عن تقييد شخصية جذّابة أو إعاقتها عن بلوغ أهدافها، بل إنّ هذه الأشياء تعينها إذ تزيد في نشاطها، وعلى رفع مستويات الطاقات التي تبذلها".

هذا يعني -من وجهة نظر (أدكين)- إنّ مَن وطّدَ العزم على نيل شيء، استطاع بفضل العقبات التي تعترضه والتجارب التي مرّ بها ويمرّ، أن يكتشف قواه الدينية الكامنة، ويسعى من ثمةَ إلى تقويتها وحُسن توجيهها لما يزيد في قدرته وتغلّبه على الأحداث والعوادي.. إنّها (باختصار) قضية: انتباه، واجتهاد، ومثابرة، وتحسين الموجود بالصقل والممارسة، ككلّ تحسّن ثقافي، وفنّي، وعلمي، وأدبي، ورياضي، واجتماعي وعملي.

ويحسب بعض الباحثين أنّ ينبوع الإشعاع الفردي قائم في الكيان الحيوي (البيولوجي) من حيث امتلاء الجسم بالعافية، ومن عادة الناس أنّهم ينشُدون عِشرةَ (الأقوياء) ويشعرون معهم بالاطمئنان والسرور، ويقتربون منهم كما يقترب الشخص البردان من الموقدة الدافئة في أيام الشتاء القارسة.

ومن الباحثين مَن يعتقد أنّ المظهر الخارجي هو المؤثّر الأكبر كالعناية بالهندام والأناقة والحلاقة ونبرة الصوت والحركات والسكنات وامتلاك الانفعالات. ويرى آخرون أنّ لا العافية ولا المظهر الخارجيين هما دائماً صاحبا سلطة لا تقاوم وجاذبية لا تُردّ، فبعض مَن يفتقرون إلى هذا وذاك يمتلكون مغناطيساً عجيباً (ذكاءً عاطفياً مميّزاً)!

يُروى أنّ عالماً دخل على الخليفة العباسيّ (هارون الرشيد) وكان قبيح الصورة، دميم المنظر، قصير القامة، فاستحقره هارون قائلاً: ما أقبح هذا الوجه، أولم أرَ في حياتي وجهاً قبيحاً كهذا. فردَّ العالمُ عليه بلهجة مهذّبة: يا أمير المؤمنين، إنّ حُسُن الوجه ليس ممّا يُتوسّل به إلى الملوك. هذا يوسف 7 أحسنُ الناس وجهاً، قال للملك ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف/ 55)، ولم يقل إنّي حَسَنُ الوجه، (أي إنّه عرض علمه ولم يعرض جماله)، فقال هارون: صدقت، ارتفع.. فرفع قدره وقرّبه من مجلسه!

وعليه، فإنّ سحر الشخصية وذكاءها العاطفي كثيراً ما ينبع من الحياة الداخلية للإنسان، من جماله الباطني، من فكرةٍ جريئة، من موقفٍ نبيل، من خُلقٍ رفيع، من إنسانية فيّاضة، من تعاطف كريم، من (قول الأحسن)[10].. إلخ.

عندما حَيّت جاريةٌ للإمام الحسن بن عليّ 7 سيّدها بتحيّة أجمل من المعتاد، بأن قَدّمت له طاقة من الريحان (باقة من الزهور الفائحة العطر)، قال لها: أنتِ حرّةٌ لوجه الله تعالى!! فقيل له في ذلك (أي استكثر البعض عطاءَهُ بعتقها مقابل طاقة ريحان)، فقال 7: إنّي أتأدّبُ في ذلك بأدب الله تعالى الذي يقول: ﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها﴾ (النساء/ 86)! وعندما تربو المكافأة وتزيد على المبادرة، فإنّ ذلك من صور الذكاء العاطفي الذي يتعاطى مع (الأحسن) و(الأرق) و(الأجمل) والأوقع في النفس دائماً.

وربيب البيت العلوي ابن فاطمة الزهراء 3 والإمام عليّ 7 والحسين 7 أخو الحسن 7 كان قد عبَّر عن ذكائه العاطفي بلغة أخرى، فحينما علم أنّ (عبدالرحمن السلميّ) قد علَّمَ غلاماً له سورة الفاتحة، جاء إلى عبدالرحمن وحشى (ملأ) فمه دُرّاً (فقيل له في ذلك أيضاً، والغريب إنّ الناس تستكثر عطاء غيرها، أي إنّه يُعطي ويُبذل وهي تشحّ وتبخل)، فقال 7: أين عطائي من عطائه؟! أي إنّه أعطى أكثر مما أعطيت! ولك أن تتصوّر فعل هذا الموقف في نفس مُعلّم يرى أنّ آباء تلاميذه يُقدّرون المجهود الذي يبذله فيكافؤنه بأضعاف ما يبذل من جهد، كيف سينعكس على واقع ومستقبل عطائه؟

ولعلك مرّ بك موقف الإمامين الحسن والحسين 8 من ذلك الشيخ (الرجل الكبير السن) الذي لم يكن يُحسن الوضوء، حيث تفتّق ذكاؤهما العاطفي عن أسلوب غاية في الأدب والتهذيب، عندما اتفقا أن لا يجرحا له إحساساً كونه رجلاً كبير السنّ وهما صغار في سنّ الطفولة، فاقتربا منه وسألاه أن يحكم بينهما في أيّهما أحسن وضوءاً، فلمّا رأى أنّ كلاً منهما يُجيد الوضوء ويحسنه، تبسّمَ قائلاً: كلاكما يا صبيين أحسن وضوءاً من الشيخ! بهذه الطريقة من الذكاء العاطفي والمهارة في التعامل الاجتماعي استطاع الحسنان أن ينتقدا الرجل من غير كلمة جارحة أو أسلوب خادش للمشاعر، ووصلا إلى ما يريدان بأقل الخسائر، بل بدونها.

من هنا، فإنّ الكثير من علماء النفس المحدثين يرون أنّ الأهميّة الكبرى والمنزلة الأولى في تكوين سحر الشخصية ونموّها إنّما هي للمزايا النبيلة، والصفات الشريفة، والشمائل الناعمة الوديعة: من استقامة، إلى طيبة، إلى مثالية، إلى علوّ في الهمة، ورفعة في النفس، وما رادف وأشبه ذلك.

وهم يلتقون مع الإمام الصادق 7 في قوله: «كونوا دعاةً للناس بغير ألسنتكم، ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير، فإنّ ذلك داعية»[11]! فقد لا يكون الذكاء العاطفي كلاماً منطوقاً، وإنّما هو إشارة ذكية أو حركة مُعبّرة، أو لفتة بارعة، أو لمسة ناعمة، أو نظرة حانية، أو تمسيدة رقيقة على رأس يتيم، أو دمعة مواساة ساخنة تتعاطف بها مع إنسان منكوب أو مثكول أو مصدوم بفاجعة، والعامل النفسي هنا يلعب الدور الأكبر في امتصاص حالات البؤس والأسى والانكسار التي يعاني منها الآخرون لسبب أو لآخر، وهو عاملٌ يستوحي نشاطه وطاقته ووقوده من الرصيد الروحي والأخلاقي والثقافي للإنسان، حيث تتوازن في شخصيته المناحي الثلاثة: العقلي، والعاطفي، والمعنوي ممّا ينتج عنه استقامة في السلوك، ونبلاً في الأخلاق، ومهارة في التعامل والتعاطي مع الآخرين.

بعض الدراسات النفسيّة رأت أنّ (الولع) هو أغنى ينبوع من ينابيع الطاقة النفسية، فمن أولع في شيء أبدع فيه: أدباً كان أو علماً أو فنّاً، أو مهارات اجتماعية.. فحري بالموَلُوع أن يجد الطاقة العظمى لبلوغ ما يصبو إليه. والينبوع الثاني هو (الكراهية) فمن شعر بكراهية كبيرة نحو تصرّف، أو حالة من الحالات، أو بنفرة قوية من موقف أو تعامل أو كلمة، قبض على الطاقة اللازمة لتجنّب ما يكره، وإبعاد ما ينفر منه[12].

وهذا يعني أنّ الذكاء العاطفي أو (الارتقاء العاطفي) يتحرّك بدافعين: (الولع) والحبّ العارم لشيء محبوب، و(الكراهية) والنفرة الشديدة من شيء مذموم. غير أنّ معيار الولع والكراهية لا يجب أن يكون ذاتياً أو مزاجياً أو ذوقياً أو انتقائياً، وإنّما هو معيار يقوم على طرح (الأنا) الواطئة السلبية جانباً لتكون الحياة الداخلية حارة غنيّة بالممكنات (السعيدة) (المُسعِدة)، وأن يكون الدافع رضا الله في ما أمر من (العدل) و(الإحسان) والانتهاء عمّا نهى عنه من الشرور والمنكرات والفواحش ما ظهر منها وما بطن.

إنّ الارتقاء العاطفي الذي يأتي نتيجة جهود متواصلة في بناء المحتوى الداخلي للإنسان أشبه بالطاقة المبذولة لرفع صاروخ في بداية انطلاقه: هائلة، مكلفة، كثيفة، وأضعاف مضاعفة على ما يبذله الصاروخ بعد خروجه من الغلاف الجويّ، فالعقبة في البدايات.. أمّا النهايات فسهلة يسيرة تُشبه حالات اندفاع قاطرة على سكّة.

 

مكاسب النموّ العاطفيّ:

إذا ما ارتقينا عاطفياً فإنّنا نجني فوائد عدّة، منها الآتي:

1- راحة البال (الاستقرار النفسي) بأن تكون صديق نفسك!

2- يقظة الضمير (الانفعال والتفاعل المحسوب بحسابات الدِّين والعقل).

3- سعة الصدر: (التمارين الاجتماعية في بناء علاقات سليمة ووطيدة أشبه بحمل الأثقال ورفعها، تزداد القدرة على رفع المزيد من أثقال الحديد مع استمرار التمرين واستعداد العضلات لتقبُّل ثقل أعلى من السابق).

4- الرضا عن الذات: أي إنّك بعد سلسلة محاولات من ممارسة الذكاء العاطفي في معرفة قيمة ذاتك واحترام ذوات الآخرين، ستصل إلى نتيجة مرضية أو ثمرة طيّبة للجهود الشاقة والمساعي المبذولة في مراحل الإعداد والتهيئة والتمرين.. إنّك تشعر -ساعتها- بحالة تشيع الرضا في نفسك عن نفسك، تماماً كما يرى حامل الأثقال عضلاته في المرآة وقد اتّسقت وتألّقت وذابت كلّ دهونها وشحومها، فلم يبقَ إلّا النسيج العضلي الناطق بجمالية جسدية أخّاذة، ترتاح لها النفس قبل أن يرتاح إليها نظر الآخرين.

5- الارتقاء إلى آفاق روحية ونفسية واجتماعية أعلى: ذلك أنّ الإعجاب يمنع الازدياد، وليس إنساناً واعياً لقيمة الذكاء العاطفي مَن يقف أو يتوقّف عند محطة معيّنة، ويقول: ها قد وصلت! فلا حاجة لمزيد من الرحلات، فنحن مندوبون أو منتدبون للعمل من حين نصبح قادرين على تحمّل أعباء وتكاليف العمل حتى تتعطّل قدرتنا عن ذلك إمّا بسبب العجز أو المرض أو الإعاقة أو الموت، وما عدا الموت باعتباره الباب الموصدة فإنّ كلّ الموانع الأخرى قابلة لأن تُخترق وتتجاوز وتُعالج وتُكافح، فكما أنّه ليس لطلب العلم حدّ، فإنّه ليس لنموّ الذكاء العاطفي نهاية.

6- الاقتراب خطوة إلى الله تعالى: فنحن في بنائنا لشخصياتنا الإسلامية والإنسانية وسعينا لتطوير ذكائنا العاطفي (بل والذكاءات الأربعة كلّها) إنّما نتّجه صوب حالة (الإحسان) إلى أنفسنا وإلى مَن وما حولنا، أي نقترب من مصداقية «خيرُ الناس مَن نفعَ الناس» وأن نحقّق (البرّ) و(الخير) و(الصلاح) مفاهيمها العمليّة التي تمشي على قدمين بين الناس. إنّنا -بعد سلسلة تمارين شاقة- (نتسامى ذاتياً) بأن نحبّ لغيرنا ما نحبّ لأنفسنا، ونكره له ما نكره لها، وأن نَقلع الشرّ من صدور غيرنا بقلعه من صدورنا. و(نتسامى اجتماعياً) بأن نحرز كأس الجاذبية الشخصية. و(نتسامى ربّانياً) لنكون قريبين من الله بقدر اقترابنا من مجالات الرحمة بالناس والإحسان إليهم.

مرّت قافلة حُجّاج في طريقها إلى مكة بأعرابيةٍ معها شاة، فسألوها: يا أمةَ الله، بكم هذه الشاة؟ فقالت: بخمسين درهماً. فقالوا لها: أحسني (أي خَفّضي لنا السعر قليلاً). فقالت: بخمسة دراهم!! فقالوا مندهشين: أتهزأين؟! قالت: لا والله، بل لأنّكم سألتموني الإحسان، ولولا الحاجة ما أخذتُ شيئاً!! فهزّتهم أريحيتها وأعطوها خمسمائة درهماً، وتركوا لها الشاة!!

هنا في هذه القصة التي مات أصحابها وبقيت خالدة، نقبض على واحدة من اللقطات العاطفية الذكية الرائعة، فلقد تصرّفت العجوز بذكاء عاطفي عالي المستوى عندما خوطبت بالإحسان فخفَّضت السعر إلى العُشر لعرفانها أنّ الإحسان هو خير ما يترجمُ إنسانية الإنسان، ولولا حاجتها لَتبّرعت بالشاة من دون مقابل. وقد تصرَّفَ العارضون شراء نعجتها بذكاء عاطفي أيضاً، عندما أبقوا لها شاتها الوحيدة وكافأوها على إحسانها بما يزيد عليه.

وفي قصة قريبة من هذه، يتضح منها أنّ الذكاء العاطفي ليس حكراً على أحد وأنّك قد تجده عند امرأة قُروية، أو بَدوية تعيش في الصحراء، أو عند إنسان لا يمتلك الشهادات العليا. فلقد خرج (عبدالله بن عباس) ابن عم النبيّ 6 من دمشق إلى المدينة المنورة، وقد جاع في بعض الطريق هو وأصحابه، بعد أن نفد ما كان معهم من الطعام، فأرسل ابن عباس مَن يطلب لهم الطعام أو يشتريه، فجاءوا إلى امرأة عجوز، فسألوها عن طعام تبيعه، فقالت: ليس لديّ ما أبيعه، ولكن لديّ أكلة (وجبة طعام واحدة) لي ولأولادي. فقالوا: جودي علينا بنصفها، فقالت: لا، ولكن بكلّها! فقالوا: لِمَ منعتِ النصف وجُدتِ بالكلّ، ولا خُبزَ عندكِ غيره؟! فقالت: إنّ عطاء الشطر (البعض) من الخُبز نقيصة، وإعطاء الكلّ فضيلة، وأنا أمنع ما ينقصني، وأجود بما يرفعني!

لمّا سمع (ابن عباس) بقصّتها امتلأ إعجاباً بمروءتها، فأرسل إليها مالاً ليكافأها، فقالت (بعد أن عرّفوها أنّ المرسل هو ابن عباس): لقد أفسد الهاشمي ما أُثل (عُرف من مجد وفضل وكرم) ابن عمّه 6!! ثمّ أقسمت قائلة: والله لو كان ما فعلت معروفاً لما أخذتُ عليه ثواباً، وإنّما هو شيء يجب على كلّ إنسان أن يفعله[13]!!

مرّة أخرى، تثبت امرأة تلقَّت مفهوم الإحسان والمروءة من دينها فحفظته لا حفظ دراية بل حفظ رعاية، ووعته وعي عمل وتجسيد، لا ثقافة قول وترديد. ومن شدّة ذكائها العاطفي، أنّها تتواضع فلم تعتبر ما قدَّمته معروفاً أو لا يستحق الثناء والتمجيد والمكافأة، وإنّما هو فعلٌ يجب على كلّ إنسان يحمل إنسانيته المُرهَفة في داخله أن يعمله، أي إنّها تقول: كيف ترى جائعاً يحوم حولك يكاد يفترسه الجوع وأنت تهنأ بطعام وتلتذ بشراب؟ لو كنتَ مكانه وأنت تتلوّى جوعاً، أما كان من الإنسانية أن يقدّم لك شيئاً من طعامٍ حتى تكف عن أن تتضوّر من الجوع.

وهذا اللطف ليس بين الإنسان والإنسان فقط، بل إنّك -بما تلقيتَ من ثقافة وأدب الإسلام العملي- لا تطيق أن ترى قطة جائعة فلا تطعمها أو كلباً يلهث من العطش فلا تسقيه، وأنت تقرأ: «إنّ في كلّ كبد حرّى أجرا»[14]!..

تأمّل في هذه القصة الناطقة بذكاء عاطفيّ مُرهَف:

مرّ (عبدالله بن جعفر بن أبي طالب) بغلام يعمل في بستان، وقيل يرعى في أغنام، فرأى في يديه ثلاثة أرغفة من الخُبز، هي أُجرة يومه. وبينما هو يهمّ أن يتناول رغيفه الأوّل، أقبل كلب يتقطّع جوعاً، فرقَّ الغلامُ له، ورمى لهُ برغيف، ولمّا رآه لم يشبع رمى لهُ بالثاني، ثمّ الثالث.

هزَّ الموقفُ الإنسانيّ النبيل (عبدالله) فأقبل على الغلام يسأله: لقد رأيتُ ما صنعتَ مع هذا الكلب، ولكن هل لك أن تُحدّثني لِمَ آثرته بقوت يومك؟! قال الغلام: هذه الأرض (المنطقة) ما هي بأرض كلاب، فيبدو أنّ هذا الكلب قد جاء من مسافة بعيدة جائعاً ولم يجد في طريقه ما يأكله حتى انتهى به جوعه إلى هذا المكان، فكرهت أن أشبع وهو جائع!!

وفي حين يفشل بعض الناس في قراءة حال إنسان بائس فقير، يقرأ هذا الغلام الذي لا نعلم حظّه من الثقافة (لكنّنا نعرف -من خلال الموقف- أنّه مثقّف بالتأكيد، لأنّ إنسانية الإنسان تتحرّك باندفاع تلقائي في مواقف كهذه، لكن منطق هذا الغلام ومعرفته بحالة الكلب الذي قصده من مكان بعيد طالباً ما يسدّ به جوعه، يدل على أنّه مثقّف عرَّفته تجربته الحياتية، أو الإيمانية أو الإنسانية ذلك)، فهو يُحلّل حالة الكلب الذي دفعه الجوع الشديد إلى اجتياز مسافة طويلة بحثاً عن لقمة يسدّ بها رمقه، وكأنّه يقول: كرهتُ أن أشبع وعين الكلب جائعةٌ تتطلّع!! وكيف آكلُ وضيفي لا ينالُ من الطعام شيئاً؟!

والحقّ إنّنا مدعوون -بموجب تربيتنا الإسلامية العامرة بإنسانيتها- إلى فهم الآخرين بشراً كانوا أو حيوانات فهماً يمكننا من أن نتعامل معهم بذكاء عاطفي يسعدهم ويسعدنا ويسعد الله!!.

ورد عن الإمام عليّ 7 قوله: «والله لو أُعطيت الأقاليم السبعة (السماوات) بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جِلبَ (قشرة) شعيرة (حبّة مِن الشعير) ما فعلت»[15]!!

ولذلك كانت واحدة من مكوّنات أو روافد الذكاء العاطفي هي (التعاطف) أو (المواساة) أي تفهُّم الطريقة التي يشعر بها الآخرون، والنظرة التي يرون بها الأمور، ومن بين ما جاء في التوصيات لتعميق هذا الجانب في النفس: «إفهمهم.. وساعدهم على فهمك» لأنّ الفهم المتبادل، يدفع إلى الاحترام المتبادل، وإلى المنفعة المتبادلة، ويساعد على حلّ الكثير من المشاكل العالقة أو التي نتصوّر مخطئين أن لا حلَّ لها.

 

إهمال الذكاء العاطفي:

متى يضعف عندنا الذكاء العاطفي وتقلّ فعّاليته؟ أي ما هي موهنات أو مقلّلات أو ممتصّات قوّته وحيويته ونمائه؟ ما هي مضادّات هذا الذكاء التي تحول دون تطوّره وارتقائه وزيادة مفاعلاته؟

وصف (دوك تشيلدر وبروس كراير) التأثير الذي يُحدثه تجاهل صوت الذكاء الخاص بالقلب على جسد الإنسان بالقول: «إنّ ذكاء الإنسان يضعف عندما تتحرّك في نفسه مشاعر الإحباط، والقلق، والصراع الداخلي.. هذه المشاعر تُسبّب للإنسان اضطراباً في نظام القلب والكهرباء النابعة منه، وتضعف كفاءة الجهاز العصبي.

وهذه إحدى الأسباب التي تجعل أو تدفع بالأذكياء لكي يتصرّفوا بحماقة، وعندما تجعل تماسكك الداخلي أولوية يومية فإنّك تُوفّر على نفسك الوقت والجهد».

ويفيد المؤلفان في كتابهما (من الهيولي (اللاتكوّن) إلى الترابط المنطقي) إنّ جهازنا المناعي يضعف عندما نتصرّف بشكل يتناقض مع قيمنا وضميرنا، فيما يقوى عندما نشعر بالحبّ والاهتمام تّجاه الآخرين، وعندما نُعبّر عن ذلك الحبّ والاهتمام.

وقد بيَّنت (منظمة هارتماث) بالدليل العلمي هذه العلاقة بين المشاعر والجسد سواء على المستوى الشخصي أو المستوى الاجتماعي. (على الصعيد الشخصي تسأل المنظمة: هل مرضتَ ذات يوم بعد خلاف حادّ أو بعد إلغاء مبادرة أساسية أنفقتَ عليها عدّة شهور؟!). (وعلى صعيد المؤسسة الاجتماعية التي تنتشر فيها فيروسات المشاعر السلبية لتدمر روحها وحيويتها ومعنويات العاملين فيها إذا لم نمرض جسدياً نمرض نفسياً لأنّنا جرحنا أو أزعجنا شخصاً هناك وسببنا توتراً واضطراباً هنا؟).

ويُعقّب (ستيفن ركوفي) على نتائج الدراسة التي خلص إليها المؤلفان تشيلدر وكراير بالقول: «عندما نهمل تطوير ذكائنا العاطفي، ونفشل في كسب المعارك الشخصية المتمثلة بقدرتنا على التحكّم في أنفسنا والتي ستقودنا إلى تحقيق الانتصارات في علاقاتنا مع الآخرين، فإنّنا سوف نعاني من الأزمات العاطفية والضغوط النفسية والمشاعر السلبية المدمّرة كالشعور بالغضب والحسد والغيَرة والشعور بالذنب. وعندما تتعرّض علاقة تهمّنا مع الآخرين إلى الاهتزاز أو الانهيار فإنّها تؤثّر على جسدنا وتضعف جهازنا المناعي. وعندما يشتكي الناس من الصداع ومن أعراض جسدية نفسية من مختلف الأنواع يجب أن يراجعوا عقولهم التي غالباً ما تُصاب بالتوتُّر وعدم القدرة على التركيز والتشتُّت ويفقدون قدرتهم على التفكير التجريدي، وعلى التفكير بحذر، وعلى التحليل والإبداع، أي إنّ أرواحهم تُصاب بالاكتئاب والإحباط، وغالباً ما يبدأون بالشعور باليأس والعجز والشكوى إنّهم ضحايا، ولهذا السبب من المهم جدّاً أن نقوّي باستمرار علاقتنا مع أنفسنا ومع الآخرين».

يُحكى أنّ (الإسكندر المقدوني) عندما شعر بقرب نهايته، وإنّه يوشك أن يموت، كتب لأُمّه يوصيها إن هو مات، أن تصنع طعاماً طيّباً، وشراباً لذيذاً، وتدعو كافة الناس لتناول الطعام إكراماً لروحه، وتستثني من الدعوة كلّ مَن نابتهُ نائبة أو أصابته مصيبة، أو فقدَ عزيزاً، فهو المستثنى الوحيد من وليمة الأُمّ المنكوبة أو المثكولة بولدها.

حينما وافته المنية، عملت الأُمّ بالوصية، حيث أعدّت طعاماً وفيراً وشراباً كثيراً داعية أهل المدينة لحضور وليمتها إلّا ما استثناه ابنها في الوصية، وبقيت تنتظر وصول المعزّين ليشاركوها في الوليمة، لكنّها فوجئت أنّ أحداً لم يحضر الدعوة. وعلى الفور أدركت مغزى وصية ابنها الإسكندر الذي عزّاها بنفسه في طريقة ذكية تُخفّف عنها أو عليها وقع المصيبة بفقده!

تعامل الإسكندر مع أُمّه التي هي أشدّ الناس حزناً وتألّماً على فراقه، بذكاء عاطفي، فلو قال لها بالكلمات المجرّدة: مَن نظرَ إلى مصيبة غيره، هانت مصيبته عليه، وإنّك يا أُمّاه لستِ أوّل مَن يفقد ابنه، فتعزّي بعزاء الله واصبري واحتسبيني عنده، لربّما كانت الكلمات تركت أثرها الطيّب في نفسها، لكنّه اعتمد طريقة عاطفية أكثر ذكاءً، حيث جعل الأُمّ تشعرُ بالطمأنينة بقضاء الله وقدره، عندما جرّبت بشكل عمليّ أن ليس في المدعوّين مَن لم يفقد إنساناً عزيزاً عليه، وما من بيت في المدينة إلّا ودخله الأسى والحزن والمصيبة لسببٍ ما.

إنّ من دواعي الذكاء العاطفي ومتطلّباته أن تصوغ الكلمة، أو ربّما تغلفها بغلاف أشبه بغلاف الهدايا، فالهدية بحدّ ذاتها جميلة وتدخل السرور على القلب وتنشرح لها نفس المُهدى إليه، ولكن وضعها في علبة جميلة وتغليفها بشكل أنيق، وترك عبارة رقيقة على حاشية منها لا تزيدها جمالاً على جمال فقط، بل تجعل وقعها في النفس أكبر، وتأثيرها على المُهدى إليه أشدّ، وقد تُنسى الهدية ولكن لا تُنسى عبارة رشيقة أنيقة عميقة مليئة بالحبّ والعذوبة والصدق مكتوبة على غلافها، أو مرفقة معها.

ونتيجةً لذلك، فإنّ (القوى العمياء) من غضب، وحقد، وحسد، وغيرة، وبُخل، ويأس، وجحود (عدم الشكر)، والتعالي، والإسفاف، والإسراف، وتوسيع شقة الخلاف، والغيبة، والسخرية من الآخرين، والافتتان بالنفس وغيرها، تعمل بالاتّجاه المضاد والمعاكس لمبدأ (وحدة القوّة)، وتُبدّد الكثير من مخزون الذكاء العاطفي الذي رصدت له الآيات القرآنية والأحاديث والروايات الصحيحة مساحة واسعة مِن الكتاب الكريم والسنّة المطهّرة، لمعرفةٍ دقيقةٍ وتفصيليةٍ بما يصلح داخل الإنسان ويفسده.

ويمكن أن نصطلح على الأخلاق المضادة لتلك القيم السلبية بـ(القوى الواعية أو المبصرة) ومنها: الألفة، الصحبة الصالحة، التسامح، تبادل الهدايا «تهادوا تحابّوا»[16]، الضيافة، حمل الخطأ على محمل حَسَن (التعامل بحُسن النيّة)، المواساة، أو ما يصطلح عليه بـ(المشاركة الوجدانية).

والمشاركة الوجدانية تعني أن تكون مع إخوانك في (الدِّين) أو في (الإنسانية) في حالة من التعاطف والانسجام الوجداني، وكأنّهم مشتركون معك في وجدان واحد، أي إذا تألَّم أحدهم تألَّم الآخرون، وإذا فَرِح فرَحَ له الآخرون، وهكذا في الحزن والهمّ والسرور.

وفي هذه المساهمة أو المشاركة لا يفقد أحدنا شخصيته ضمن المجموع المركب، وإنّما يوسع من دائرة روحه الاجتماعية، وارتباطه النفسي بأخوته في الله. عن الإمام جعفر الصادق 7: «إنّما المؤمنون إخوة بنو أب وأُمّ، وإذا ضربَ على رجلٍ منهم عرق (أصيب بمرضٍ أو مصيبةٍ ما) سهر له الآخرون»[17]، وهو مستوحى من حديث للنبيّ 6 سبق أن أشرنا إليه في وحدة المسلمين الموضوعية وتلاحمهم وتراحمهم وتوادّهم في الله، حتى وصفت روح المؤمن في الحديث عنه 6 بأنّها أشدّ اتصالاً بروح الله من اتصال شعاع الشمس بها!

يُنقل عن العالم الكبير والمفكّر الإسلامي العملاق (محمّد باقر الصدر ;) أنّه كان يمتاز بذكاء عاطفي مُميّز، وبعاطفة حارّة، وأحاسيس صادقة، وشعور أبوي تجاه أبناء الأُمّة الإسلامية (بقطع النظر عن انتماءاتهم الجغرافية والعرقية والمذهبية)، ولقد جاءه ذات ليلة شاب فُجع -في لحظة واحدة- بجميع أهله بحادث سيارة قتلوا بسببه جميعاً، فأجلسه العالم الإنسان (محمّد باقر الصدر) إلى جانبه وعطف عليه كما يعطف الأب على ابنه وحادثه بلغة فيها من الصدق والتعاطف والحنو والتقدير لما هو فيه من أسى ومصاب، ما خفف على الشاب المنكوب بعائلته وقع المصيبة عليه، ولم يكتفِ بأن أسمعه الآيات الملطّفة من وقع الفجيعة عليه والأحاديث التي تنهى عن الجزع وتوصي بالصبر والاحتساب، وإنّما قال له: «إذا كنتَ فقدتَ أباك فأنا أبوك، وإن كنت فقدتَ أُمّك فأُمّ أولادي أُمّك، وإذا كنتَ فقدتَ إخوتك فأولادي كلّهم إخوتك»!

ويمكن قياس أو تقييم ذلك من المقارنة بين الحالة المأساوية والقلب المنكسر والنفسية المحطمة التي دخل بها ذلك الشاب على عالم الدِّين الربّاني، والحالة التي خرج فيها منه. ولم يكتفِ العالم الصدر بإسباغ العواطف الرقيقة عليه مما أشعر الشاب المفجوع بالراحة والطمأنينة والتسليم لقضاء الله، وإنّما أمر باحضار العشاء ليتناوله مع ضيفه الذي لم يكن في حالته الأولى مهيئاً لتناول لقمة. ولعل ذلك العالم الربّاني قد أخذ ذلك الذكاء العاطفي عن النبيّ 6 حينما رأى طفلاً يتيماً يبكي فقدَ والديه، فقال له: «أنا أبوك وهذه فاطمة ابنتي أختك»!!

وقد يتطلّب الذكاء العاطفي جرعة كبيرة من الضغط على العاطفة الرسالية أو الإيمانية، حينما يقف الإنسان في مفترق طريق بين عملين، فيُرجِّح أحدهما على الآخر طلباً مرضاة الله تعالى. فلقد رفض المشرك (سهيل بن عمرو) في صلح الحديبية أن يُفتتح كتاب الصلح بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) وأن يُسمّي فيه محمّداً 6 برسول الله، فأقرّه النبيّ 6 على ذلك، وقد قبل أن يردّ بعض المسلمين المهاجرين الفارّين من عذاب قريش إلى المشركين لأنّه عاهدهم على ذلك، وهذا ليس ذكاءً سياسياً فقط، وإنّما هو روحية عالية متعالية على الموقف الآني من أجل المصلحة العليا، وبالتالي فهو ذكاءٌ عاطفيٌّ أيضاً.

لقد استخدم 6 ذكاءه العاطفي دائماً وفي مواقف صعبة وعصيبة، ولولا حكمته وتقديره الدقيق للموقف لفلت الزمام، ومن ذاك حينما اتّهمه بعض الأنصار والمهاجرين في معركة حُنين بعدم العدالة لأنّه قدَّمَ الغنائم لأهله وعشيرته من أهل مكة (الذين كانوا قد دخلوا الإسلام حديثاً فأراد 6بوحي من الله أن تَتألَّف قلوبهم ويُقرّبهم إلى الإيمان أكثر).. فلمّا دبّ اللغط في معسكره، خاطب رؤساء المهاجرين والأنصار: «أما ترضون أن يعود هؤلاء بالدينار والدرهم والناقة والبعير وتعودون برسول الله»؟! فبكوا جميعاً وقدّموا له اعتذارهم مستغفرين الله مما خطر لهم، وقالوا: رضينا بالله وبرسوله!

وبذلك استطاع 6 بما أُوتي من ذكاء عاطفي فريد أن يحلّ مشكلة كادت تعصف بمعسكره، بحلٍّ عاطفي يتطلبه الموقف الآنيّ، وإن كان الموقف يحتاج لاحقاً إلى عملية بناء وترسيخ للمفاهيم حتى لا يتكرّر الخطأ ثانية، وهذا ما عمل عليه 6 طوال حياته.

 

الذكاء العاطفي.. تطبيقات عمليّة:

خلاصة ما تقدّم من بحث إنّ الذكاءات الأربعة: (العقلي، والجسدي، والعاطفي، والروحي) تعمل ككلّ متلازم، وتترافد في ما بينها، ويُغذّي بعضها البعض الآخر، فهي ذكاءٌ إنسانيٌّ كلّي يتفرّع إلى هذا الطيف من الذكاءات.

وخلصنا أيضاً إلى أنّ (الذكاء العقلي) يموّننا بـ(الرؤية) التي تُحدّد المسار نحو الهدف الذي نقصده. وإنّ (الذكاء العاطفي) يُرفدنا بـ(الحماس) الذي يمكننا من إنزال الرؤية من برج العقل إلى أرض الواقع، ويُعطينا جرعات مخفّفة أو ملطّفة للتجريد العقلي، ومنشّطة للفعل الاجتماعي.

وإنّ (الذكاء الجسدي) يُقدّم لنا (الانضباط) الحركي الذي يحُقّق قدراً أعلى من التوفيق بين إمكاناتنا وما يمكن عمله.

وإنّ (الذكاء الروحي) هو الذي يُنشّط ويُفعّل الضمير (الرقيب الداخلي) من خلال استشعار الرقابة الإلهية لنا، وإنّنا متجهون -طال الزمن أم قصر- إلى لقاء حسابيّ معه نُحاكَمُ فيه على أعمالنا صالحة كانت أم طالحة، وبهذا الذكاء الأخير يمكن أن نُعطي من أنفسنا (قدوة حسنة) أو نترك أثراً طيّباً يمتد بنا حتى بعد انقطاعنا عن هذا العالم.

وانتهينا كذلك إلى أنّ مكوّنات الذكاء العاطفي ستة، هي:

1-   إدراك الذات

2-   تحفيز الذات

3-   تنظيم الذات

4-   تعاطف الذات مع الآخرين

5-   المهارات الاجتماعية

6-   الارتباط بالمعاد (تذكرة في المواقف والمنعطفات)

إنّ ما تبقّى لنا من مهمّة في هذا البحث، هو الجواب عن سؤال: كيف يمكن لنا أن نضع مفاهيم الكتاب في مواقعها العمليّة؟ لأنّ هذا هو ما يبقى بعد أن تُنسى المفاهيم، ذلك أنّ تأثير الذكاء العاطفي على فعّالية الإنسان يمتد بامتداد عمره، بل ويبقى يتفاعل حتى بعد مغادرته الدنيا حينما يختزنه الآخرون المطلعون عليه ويوظّفوه وقت الحاجة إلى استدعائه.

 

أوّلاً: من تطبيقات (إدراك الذات):

احترامك لنفسك مدعاة لاحترام الآخرين لك.. وهاهنا نقطة البدء في بناء صرح الذكاء العاطفي.

يُروى أنّ شاباً دخل بستاناً وتجوّل فيه ولم يقطف ثمرة من ثماره أو زهرة من زهوره. كان البستانيّ مختبئاً في مكانٍ ما من البستان يراقبه، فلمّا أنهى جولته، خرج إليه وبعد أن حيّاه، قال: رأيتُ اليوم في البستان شيئاً عجباً! فقال الشاب: كلّ ما في بستانك عجيب. قال البستانيّ: أنتَ أعجب ما فيه! قال الشاب: كيف؟ قال البستانيّ: لأنّك لم تقطف من ثماره وزهوره شيئاً ولم يكن هناك أحدٌ يراقبك. قال الشاب: علّمتني أُمّي منذ صغري أن لا أرتكب القبيح حتى إذا لم يرني أحد، طالما إنّ معي نفسي تراقبني، فإذا احترمتها احترمتني واحترمني الآخرون لاحترام نفسي، فصرت أكره ارتكاب القبيح أمامها! سرَّ البستانيّ بهذا الشاب اللمّاح وطلب إليه أن يجلس ليُضيّفه، ثمّ أتاه بصحن فيه ما لذَّ من أطايب البستان فاكهةً وزهوراً!

ويُحكى أيضاً أنّ أميراً غضب على سائس خيوله، ولم يكن الأمير اعتاد السبّ والشتم، ففكّر أن يُنفّس عن غضبه بتكليف خادمه بشتم السائس. لكن الخادم اعتذر بطريقة لبقة تنمُّ عن ذكاء عاطفي واجتماعي ملحوظ. قال للأمير: أرجوك أن تعفيني من هذه المهمّة الشاقة لأنّني أخشى أن يعتاد لساني القبيح من الكلام، وقد أمضيتُ وقتاً طويلاً في تهذيبه وتعفيفه عنه وتنظيفه منه، فكيف ترضى لي ما لا ترضاه لنفسك؟! فسُرّ به الأمير ولم يجبره على تغيير عادته الحسنة.

من هذا الدرس البليغ في الذكاء العاطفي (الذي هو في الجوهر والمضمون ذكاء اجتماعي)، نفهم أنّ التصرّف اللائق الصحيح يُريح النفس والآخرين أيضاً، فإذا رفضت وأبيت القبيح فلا أحد يجرؤ على حملك على ارتكابه، وما دمتَ محترماً نفسك، فإنّك ستدفع الآخرين إلى احترامك ولو بعد حين!

إنّ الذي يعرف نفسه جيّداً يتصرّف وفق معرفته بها حتى وإن لم يعلم الآخرون ذلك عنه، ومَن عرف نفسه فقد عرف ربّه، وعرف ما يحبّه ربّه فيفعله، ولا يحب الله إلّا ما فيه خير الناس وصلاحهم.

 

ثانياً: من تطبيقات (تحفيز الذات):

قيل للإمام الحسن بن عليّ 7: لأيّ شيء نراك لا تردّ سائلاً (طالب مال) وإن كانت مسألته صعبة ثقيلة (حاجة شديدة)؟ قال: «إنّي لله سائل وفيه راغب، وأنا استحي أن أكون سائلاً (أي لله) وأرد سائلاً (يسألني)! وإنّ الله عوّدني عادة، عوّدني أن يُفيض عليَّ، وعوّدته أن أفيض نِعَمه على الناس، فأخشى إن قطعت العادة أن يمنعني العادة»[18]!!

ومعنى هذا في مفاهيم الذكاء العاطفي أن تُشجّع نفسك على الخير بطريقة تبتكرها أنت لكي لا تنقطع عاداتك الحسنة وأفعالك الحميدة.

ويُحكى أنّ (عمرو بن العلاء) أُصيب برجله.. فاضطرّ الأطباء إلى قطعها، وقالوا له: إن أردتَ الشفاء فلابدّ مِن البتر. فقال: القول ما قالت الأطباء. وقبل إجراء العملية الجراحية عرضوا عليه مخدّراً لكي لا يحسّ بألم البتر. فقال: ما أحبّ أن أغفل عن ذكر الله أبداً. فبُترت رجله بدون تخدير. حينما نظر إلى رجله المقطوعة، قال وعينه إلى السماء: اللّهمّ إن كنتَ أخذتَ مني عضواً، فقد أبقيتَ لي أعضاء. ثمّ وهو في المشفى بلغه أنّ ابنه مات، فقال وعينه إلى السماء مشدودة: اللّهمّ إن كنتَ أخذتَ لي ابناً فقد بقي لي أبناء، فلك الحمدُ في السرّاء والضرّاء.

النظرة إلى الباقي الموجود دون الضائع المفقود هي في لغة الذكاء العاطفي نظرة تفاؤلية، إيمانية، تربوية، والتحفيز هنا من كون المعطي هو الآخذ، والواهب هو السالب، فلماذا الاعتراض أو الاحتجاج، وكان بالإمكان أخذ الكلّ مرّة واحدة؟!

وجيء لعمر بن الخطاب بأعرابي قتل شخصاً لأنّه قتل بعيره. فطالب أهل القتيل بالقصاص من قاتل أبيهم وعندما قرر عمر أن يقتصّ من الأعرابي، استمهله حتى يرجع إلى أهله ليخبرهم بمال مدخر عنده لأخيه الأصغر، لا يعلم به غيره، فرجاه أن يُدلّ على المال ويعود إليه ليقتص منه. طلب الخليفةُ منه ضماناً. فنظر الأعرابي في المجلس ووقع نظره على أبي ذر الغفاري، فقال: هذا يكفلني. وقبلَ أبو ذر أن يكون ضامنه على أن يعود بعد ثلاثة أيّام.

عاد الأعرابي في اليوم الثالث ليُلاقي جزاءه، فتعجّب عمر والذين كانوا في مجلسه من وفائه بالعهد. سأله الخليفة عن سبب وفائه على الرغم مِنْ أنّ هلاكه فيه؟ فقال الأعرابي: بادرت لكي لا يُقال ذهبَ الوفاءُ من الناس! وقال أبو ذر: أنا لا أعرف الرجل لكنّني قبلت الضمان لكي لا يُقال ذهبَ المعروفُ من الناس. ولمّا رأى أهل القتيل وفاء الأعرابي ومعروف الغفاري، قالوا: تنازلنا عن القضية وعفونا عن القاتل لوفائه لكي لا يُقال ذهبَ المعروفُ من الناس!!

الثلاثة إنسانيون، مؤمنون، متدينون، شُرفاء، فُضلاء، كلٌّ راح يُحفّز نفسه ويستحثّها بدافع يرفع من قيمتها وكرامتها واحترام الناس لها، وهو قولهم: لئلّا يُقال ذهبَ المعروفُ. فمن أجل إبقاء قيمة المعروف والإحسان حيّة متداولة بادر الأعرابي إلى الوفاء، والغفاري إلى الكفالة، وأهل القتيل إلى العفو.

ومن الذكاء العاطفي أيضاً في تحفيز الذات واستثمار كوامن الخير فيها أن تشترط على نفسك شرطاً أو شروطاً وتلتزم بها. فقد روي عن أحد الأخيار أنّه آلى على نفسه إلّا أن يُدخل السرور على قلوب ثلاثة من المؤمنين يومياً، بزيارة، أو هدية، أو إعانة مالية أو معنوية، أو قضاء حاجة، أو كلمة طيّبة.. وقد واظب على شرطه وعادته حتى مات.

ومَن أدخل السرور على الناس في حياته -بذكائه العاطفي والاجتماعي- أدخل الله على قلبه السرور يوم يحتاج إليه في (قبره) و(حشره)، فضلاً عمّا يكتسبه من سُمعة حَسَنة وذكر عاطر ودعاء بالمغفرة حينما يتذكّره المسرورون به أو بفعله، بل وينال أجر من عمل بسُنّته الحسنة «له أجرها وأجر مَن عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من المقلّد أجره»[19].

 

ثالثاً: من تطبيقات (تنظيم الذات):

من الذكاء العاطفي تنقية الذات من الشوائب (تزكيتها بالاستقامة)، وهذا هو المراد من تنظيم الذات وعدم تركها كحديقة مهملة تكثر فيها الطفيليات، أو عمياء تمشي على هواها لا تدري أين هدفها ومرماها.

ذات يوم وصلت فتاة إلى مفترق طريقين وشاهدت قطّاً على الشجرة، فسألته: أيَّ طريق أسلك؟! أجابها القط متسائلاً: إلى أين تريدين الذهاب؟ أجابت : لا أدري! قال القطّ: إذاً لا يهمّ أي طريقٍ ستسلكين!!

هذه هي باختصار مشكلة الذين يجهلون الذكاء العاطفي فلا ينظّمون ذواتهم ولا يعرفون أي طريقٍ يسلكون، في حين أنّ من بركات وفوائد الذكاء العاطفي أنّه يمنحنا (الخارطة) و(البوصلة).

دخلَ أحد المسلمين الفقراء على النبيّ 6 وكان عنده أحد الأغنياء. فلمّا أراد الفقير أن يجلس إلى جوار الغني، كفّ هذا ثيابه عنه (فكأنّه استقذره أو احتقره). فسأله النبيّ 6 لماذا فعل ذلك أو ما الذي حمله على ما صنع؟ وقال له: أخشيتَ أن يلصق بك فقره أو يلصق به غناك؟! فعرف الغني خطأه واعترف به نادماً على فعلته، وطلب أن يُكفّر عنها بأن يهب الفقير نصف ماله. فقال الفقير: لا أقبل. سأله النبيّ 6: ولِمَ لا تقبل؟ قال: أخاف أن يدخلني ما دخله من عزّة الكبرياء!

لقد رفض الفقير نصف ثروة الغني لأنّه تصرّف بذكاء عاطفي، فما يدريه إن هو أثرى أن يفعل مع الفقراء كما فعل الغني معه: ﴿إِنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ (العلق/ 6-7). والاتعاظ أو الاعتبار من بعض موارد الذكاء العاطفي، فما أكرهه من غيري الأجدر بي أن أكرهه لنفسي لأنّها أعزّ، ومَن تعلّم من أخطاء وسقطات غيره أضاف إلى رصيده العاطفيّ ذكاءً، بل ذكاءات.

وسخر بعضهم من سلمان الفارسي (المحمّدي)، وقال له: لحيتك أفضل أم ذنب الكلب؟! قال سلمان وقد عرف أنّ الآخر مستفزّ يريد أن يخرجه عن طوره وسمته وهديه ووقاره، لكنّه لملم أطراف شجاعته وقال: إنّ أمامنا صراطاً، وعقبة كأداء، فإذا اجتزتُهما فلحيتي أفضل من ذنب الكلب، وإن لم اجتزهما، فإنّ ذنب الكلب أفضل من لحيتي!!

أين الذكاء العاطفي هنا؟

لم يردّ سلمان 2 الشتيمة بمثلها أو بأكثر منها، بل قابلها بأدب ربّما أخجل الساخر منه، فهو لم يتعرّض لشاتمه، بل التفت إلى نفسه ليرى ما إذا كانت لحيته تستحق أن تكون أفضل من ذنب الكلب، هل هي على خط الاستقامة والصلاح؟ أم إنّها على غير طريق الهداية والفلاح؟ فإن كانت صالحة فهي ليست خيراً من ذنب الكلب بل خيرٌ من كلّ اللحى التي يتصيد أصحابها بسطاء الناس ويخدعوهم بها.

إنّ أسلوب مجاراة الساخر هو مِنْ بعض الذكاء العاطفيّ والاجتماعي، لأنّه ينتهي عادةً إلى أن تُردّ الشتيمة إليه أو يعاقب نفسه بنفسه، أو يشعر بخطأه فيعتذر منه ويندم عليه.

 

رابعاً: من تطبيقات (تعاطف الذات مع الآخرين):

من أجل أن نعرف كم يُحقّق العون العاطفي (التعاطف) من مردودات إيجابية يجب علينا أن نتذكّر ما قامت به إحدى الدراسات لمعرفة مدى تأثير العون العاطفي في إبعاد شبح الموت عن المرضى أمراضاً خطيرة. فلقد أجريت الدراسة على شريحة من المرضى الذين أجروا عمليات زرع نخاع العظام فتبين أنّ 54% من الذين شعروا بالتعاطف الشديد من قبل زوجاتهم وأسرهم وأصدقائهم عاشوا عامين بعد نجاح العملية، مقابل 20% افتقدوا مثل هذا العون والتعاطف ماتوا بعد العملية بفترة قصيرة. أمّا الـ(26%) الباقون، فقد تلقوا جرعات أقل ساعدتهم بنسبة ما. ولم تعد العاطفة الإيجابية كمساعد على شفاء الأمراض حتى الخطير والخبيث منها سرّاً أو خبراً تتناقله الصحافة من غير تثبت ولا استناد على أرقام، ذلك أنّ عائدات التفاؤل أو (سيكولوجية الأمل) في حدّ ذاتها تساعد في معركة الجسم البيولوجية ضد المرض. وبات الخطر الأكبر الذي يتهدّد المرضى هو إحساسهم الذاتي بانقطاع الناس عنهم.

يُحكى أنّ أحد ملوك الصين فقدَ سمعه، فلم يعد يسمع ما يدور حوله من كلام، وقد آلمه الصمم وآذاه الطرش، فبكى بكاءً شديداً، وظنّ جلساؤه ووزراؤه أنّه يبكي لمجرد فقدانه حاسة السمع أو خسارة عضو ثمين من أعضائه، فقالوا له: تدرّعَ بالصبر، فلقد عهدناك لا تكترث بالنوائب؟ (ربّما قالوها بطريقة الإشارة أو الكتابة أو بنحو يستطيع فهم ما يقولونه). فردّ عليهم بذكاء عاطفيّ: لا، ليس كما تظنّون.. فأنا لا أبكي للبلاء الذي نزل بي، فذلك حكمُ الله وأنا به راضٍ، لكنّني أتألم لمظلوم يئنّ فلا أسمع أنينه، ويشتكي فلا تبلغ سمعي شكواه أو مظلمته.. ولئن ذهب سمعي فإنّ بصري لم يذهب، نادوا في الناس أن لا يلبس ثوباً أحمر إلّا مظلوم، فاستجابوا لطلبه وراح يحكم بينهم بالعدل في صممه كما كان يحكم فيهم به لعدل أيام كان سمعهُ صحيحاً.

ذكاء الملك الصيني العاطفي أرشده إلى أنّ فقدان عضو من الجسد -مهما كان مهماً- لا يعني نهاية الحياة أو موت الجسد أو فقدان العاطفة. وأنّ التعرّف على مشاعر الناس ومشاكلهم إذا لم يُدرك بطريقةٍ ما، فإنّ هناك طُرقاً أخرى يمكن أن تدلّ عليه أو تعرّف به. وإنّ الذي اعتاد الاستماع والدفاع عن المظلومين لا يجد عُذراً في فقدان سمعه ليتوقّف عن المداومة في الدفاع والاستماع بطريقة مختلفة. فضلاً عن أنّ اعتياد الخير وملازمة النفس له يتحوّل بمرور الزمن إلى مَلَكة وجزء لا يتجزّأ من شخصية الذكيّ ذكاءً عاطفياً فلا يصبر على تركه أو مفارقته.

ويُروى عن ملك ذي مروءة، غضب يوماً على أحد أفراد حاشيته لتقصيره في أداء عمله، فطلب من وزير ماليته أن يسقط اسم ذلك الشخص من ديوان العطاء (يلغيه أو يشطب اسمه من التخصيصات المالية)، ثمّ ما لبث أن تراجع عن قراره، فقال له الوزير: لِمَ عدل حضرتكم عن قرار الشطب؟ قال الملك بذكاء عاطفي: إنّ غضبي لا يُسقط مروءتي!!

إنّ الذين حباهم الله ذكاءً عاطفياً فلانت للناس قلوبهم ورقت للآخرين حاشيتهم، هم الذين وجدوا أنّ حلاوة المروءة لا تضاهيها حلاوات الدنيا كلّها، فلم يقبلوا أن يستبدلوها بما يناقضها أو ينافيها أو ينتقص منها، وهذا هو ملمحٌ من ملامح الجاذبية الشخصية التي سبقت الإشارة إليها.

وضاقت بأحدهم حالته المعيشية، ففكّر أن يذهب إلى بيت أحد أصدقائه المقرّبين يشكو له عُسر حاله. وبعد أن استقرّ به المجلس، فتح الزائر موضوع ضائقته المالية بصعوبة بالغة خالط فيها العُسر والحياء والتردّد، فدفع له دينه المترتّب بذمّته، ولمّا عاد المُحسنُ إلى زوجته بعد خروج صديقه رأته يبكي، فسألته مستغربة: أو ليس قضيتَ حاجته، فلِمَ البكاء؟ قال: إنّما أبكي لأنّني لم اتفقّد حال صاحبي لأعرف معاناته حتى اضطرّ أن يأتي إلى بيتي ويسألني تحت إلحاح الحاجة وضغط الخجل أن أساعده في ما هو فيه.

إنّ التعاطف، وهو لون من ألوان الحب والتعاون والتبادل للمشاعر، إذ يعدّ مكوّناً مهمّاً من مكوّنات الذكاء العاطفي، فإنّه يشكّل دورة حبّ تستحق التأمّل فيها، فحيثما (تعطي) (تأخذ).

خرجت إحدى الأُمّهات في يوم ربيعي إلى حديقة البيت فرأت عنقود عنب متدلياً من دالية العنب فيه، فاقتطفته، وفي الأثناء خرجت ابنتها فرأت العنقود في يدها فقدّمته الأُمّ هدية مشفوعة بابتسامة حبّ لابنتها العزيزة. ولمّا كانت البنت تحبّ أخاها الصغير، دخلت إلى الدار وسلّمت العنقود لأخيها. وقبل أن يهمّ بأكله تذكّر أنّ أباه سيعود من عمله بعد قليل، فانتظر حتى جاء الأب ليقدّم له العنقود هدية ملؤها الحبّ. ورأى الأب أنّ زوجته الحبيبة أحقّ بالعنقود منه، فناولها العنقود، فضحكت وقالت: عاد العنقود إلى مُهديه، فتعالوا نتشاطره!

إنّ كلّ حب واحترام وتقدير تُقدّمه للآخرين، سيرتد أثره إيجابياً عليك، بادل الآخرين الحبّ، يبادلونك حبّاً بحبّ، وقابلهم بالاحترام، يقابلونك بالاحترام فكما تزرع تحصد، والحبّ يجتذب الحبّ، والعطاء يجرّ العطاء، وهذا هو مبدأ (رجع الصدى) الذي يدعو إليه الإسلام في الكثير من توجيهاته: كافئ اليد التي أحسنت إليك بما يُربي (يزيد) عليها، والفضل مع ذلك للبادئ!!

يُحكى أنّ رجلاً أخلص لأهل مدينته وخدمهم أيام كان عاملاً في بلدية المدينة حتى أضحت المدينة جميلة في عهده، ولمّا مات أقبل الناس بباقات الزهور يضعونها على ضريحه. وهنا تقدّم أحد الحاضرين إلى ابن الفقيد ليقول له: هذه الطاقات من الزهور والأكاليل من الريحان كان أبوك قد زرعها، وهاهي تحفّ بقبره كجنينة!

يقول الذكاء العاطفي بلسان عالمي، أو بكلّ اللغات: حتى لو لم تجنِ شكراً أو مكافأة أو عطاءً ممّن بذلت وسعيت وعملت من أجلهم، فإنّ روحية البذل والعطاء والسماحة هي مكافأة بحدّ ذاتها!

 

خامساً: من تطبيقات (المهارات الاجتماعية):

تواجهنا في الحياة الاجتماعية اليومية مواقف كثيرة مع أُناس نختلف معهم في الطباع والأخلاق والأفكار والتصرّفات، ولو أهملنا مساحة الذكاء العاطفي في هذه التعاملات اليومية لكثرت (الخناقات) و(المشادّات) و(التجاوزات) و(الانتهاكات) وربّما استبدلت لغة الحوار بلغة الملاكمة أو برجم الحمم اللسانية وما إلى هناك من معتركات صراعية وشجارية لا تنتهي، وقد لا تجد هناك مَن يتراجع عن خطأه.

وحدَه الذكاءُ العاطفي قادر على تذليل الكثير من هذه المشاحنات وتذويب تلك الاحتقانات، وهذه بعض الإثباتات:

حُكي أنّ كلاماً جرى بين الإمامين الحسن والحسين 8 في أوّل صباهما، فقيل للإمام الحسين وهو الأصغر: أدخل على أخيك فهو أكبر منك! فقال 7: لقد سمعت عن جدّي رسول الله 6: «أيما اثنين جرى بينهما كلام (تخاصما) فطلب أحدهما رضا الآخر، كان سابقه إلى الجنّة»، وأنا أكره أن أسبق أخي الأكبر! فبلغ قول الإمام الحسين 7 هذا سمع أخيه الإمام الحسن 7 فأتاه عاجلاً وأرضاه!!

هذا هو الذكاء العاطفي المتبادل.. فالحسين لا يستنكف أن يبدأ أخاه الحسن فيراضيه، ولكنّه يريد لأخيه أن يُسجَّل الفضل عليه في المصالحة والمراضاة ليسبقه إلى الجنّة، وأي صلحٍ أرقى من هذا وأرقّ لقلب السامع دفعاً لتسوية ما علق بينه وبين القائل.

وجاء في أخبار موسى 7 أنّه عندما انتقل من مصر إلى فلسطين، سأل عن قبر يوسف 7 فلم تدلّه عليه إلّا امرأة عجوز، اشترطت عليه إن دلّته أن تكون معه في الجنّة فشرط لها ذلك! الأمر الذي جعل النبيّ محمّد 6 يتذكّر هذه القصة عندما عرض على أحد المسلمين مكافأة، فاختار مئة رأس من الإبل، فقال 6: ما باله لم يطلب أكثر من ذلك، ماذا لو تعلّم من عجوز موسى، وحكى الحكاية، أي إنّ طالب الإبل مكافأة لم يكن ذكياً ذكاءً عاطفياً كافياً يدلّل على مهارته الاجتماعية كما كانت تلك العجوز التي رفعت سقف طلبها إلى الرفقة في الجنّة، وذِكرُ النبيّ 6 لقصّتها دليلُ إعجابه بذكائها العاطفي.

 

سادساً: من تطبيقات (الارتباط بالمعاد):

تذكّرُ الآخرة رشحة أو لمحة مهمة من رشحات ولمحات الذكاء العاطفي. ذلك أنّك كلّما تذكّرت وقوفك بين يدي الله تعالى ليثيبك على ما أحسنت ويعاقبك على ما أسأت، حَسَّنت أداءك الدنيويّ ورفعت مستوى ذكائك العاطفيّ.

يقول (ستيفن ركوفي) في (العادة الثامنة): «كثير من الناس -بما فيهم أنا- يرون في الصلاة الخاشعة طريقة للإحساس بتوجيهات الضمير، وللنظر إلى الحياة كرسالة وكفرصة للمساهمة وخدمة الآخرين. إنّ الصلاة أيضاً تعطي الإنسان القوّة والشجاعة لكي يتراجع قليلاً ويعترف بأخطائه أمام الآخرين، ولكي يعتذر ويُجدّد التزامه ويعود ثانية إلى الطريق الصحيح»[20].

يُروى أنّ أحد الأثرياء كان جاراً لأرملة عجوز لا تملك إلّا البيت الذي تسكنه وحديقة صغيرة ملحقة به. قرّرَ الثري أن يوسع حديقة قصره فيضمّ حديقة الجارة العجوز إليها. فلمّا علمت بقراره خاطبته: أنا لا أقوى على مقاضاتك، ولكن لي رجاء أن تملأ لي هذا الكيس من تراب حديقتي وتحمله إلى بيتي ليبقى ذكرى من حديقة صادرتها. فعبّأ الثري الكيس بالتراب ولمّا أراد حمله عجز وتعذّر عليه لثقله. التفتت العجوز إليه قائلة: «إنّك لا تستطيع حَمل كيس تراب فكيف يكون موقفك إذا طُلب إليك حملُ الأرض كلّها؟!» تذكّر الثري موقفه بين يدي الله، والتفت إلى الذكاء العاطفي الذي تتمتّع به هذه العجوز، فانثنى وعدل عن قراره بإلحاق حديقتها بحديقته.

إنّ ذكاءنا العاطفي يقول لنا إنّ كيس التراب الذي احتجت به العجوز الفقيرة على جارها الثري، هو كيسنا نحن أيضاً، فمن لا يستطيع أن يحمل كيساً صغيراً مملوءاً بالتراب كيف يحمل الأرض كلّها؟! ولذلك نقول إنّ الربط بالآخرة هو الربط بالخط الساخن، وما لم نُحكّم ذكاءنا العاطفي (الاجتماعي) في مواقفنا الدنيوية وعلاقاتنا الثنائية: (زوجيّة) (زمالة) (شراكة) (صُحبة) (فريق عمل)، فإنّ وراءنا يوم لا نقوى فيه على حمل كيس تراب فضلاً عن الأرض كلّها.

 

كما بدأنا نختم:

دعاني أحد الأصدقاء الكرماء لتناول طعام العشاء في مطعم، وعندما جاء النادل (الخادم في المطعم) ليلبّي طلبنا (وهو واحد من مجموعة أو طاقم عمل كبير يعمل في ذلك المطعم المزدحم)، لاطفه صاحبي قائلاً: ما اسمك؟ قال: كريم! فتبسّم صاحبي بوجهه وقال: اسمٌ جميلٌ، يليقُ بعامل في مطعم، أنت (مُضيّفٌ) كريمٌ يا كريم، وداعبه ببعض الدعابات وسأله بعض الأسئلة الخفيفة اللطيفة الظريفة، ثمّ ذكر له الطلب.

لاحظتُ أنّ نادل المطعم قد سُرَّ سروراً كبيراً بمحاورة صاحبي وانفرجت أساريره، التي ربما انقبضت في ليلة حافلة بالطلبات وربما بعض التطاولات من لدن بعض الزبائن الذي يعتبر خادم المطعم أو نادله خادماً في بيته، ونشط كريم في تلبية الطلب والسؤال ما إذا كان الطعام الذي قدّمه لنا لذيذاً: هل أعجبكم الطعام؟ فقال له صاحبي: أعجبنا الطعام ومُقدّم الطعام!!

بعدها حدّثني صاحبي الذي يتمتع بذكاء عاطفي ملحوظ أنّه يستطيع أن يرفع نسبة معنويات شخص في عدة لحظات، وهذا ما فعله في تلك الليلة التي تذوّقتُ فيها طعاماً شهياً، وتلقيتُ فيها درساً غنياً في أثر الذكاء العاطفي في حياتنا. وإذا قيل لنا اختصروا هذا الكتاب في كلمات، نقول: الذكاء العاطفي: (كلمات طيّبة)  و(تصرّفات لائقة) و(ردود فعل متعالية) و(مقابلة الإحسان بالأحسن) و(احترام الذات والآخرين) و(إدخال السرور على النفوس المتعبة والمرهقة والمثقلة بكآبات زمن متجهم الوجه مقطب القسمات) و(الردّ على التحية بأحسن منها) و(التغاضي عن السيّئة) و(البحث عن الإيجابيات) و(البحث عن عذر إذا لم يوجد عذر) و(العمل وفق المرؤة والإنسانية حتى إذا لم يقل بذلك دين).

-وَآخِرُ دَعْوانا أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ-



[1]- تنبيه الخواطر: 2/14.

[2]- الكافي، الكليني، ج8، ص150. نظرات في الإعداد الروحي، حسين معن، ص154-156، بتصرّف.

[3]- رسالتنا، محمّد باقر الصدر، ص33 وما بعدها.

[4]- صحيح مسلم، كتاب (البرّ والصلة والآداب)، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، رقم الحديث 2586.

[5]- المعجم الفلسفي، ج1، جميل صليبا، ص590-591 بتصرف.

[6]- ظهر هذا المصطلح في الكتابات النفسية في أواخر القرن العشرين، ويُعدّ كتاب (الذكاء العاطفي) لدانييل جولمان من الكتب الرائدة في بابه واختصاصه، وقد نشرت (عالم المعرفة) الكويتية هذا الكتاب مترجماً للعربية في 1/1/2000.

[7]- العادة الثامنة من الفعالية إلى العظمة، ستيفن ركوفي، ترجمة ياسر العيتي، ط3، 2007م، ص424.

[8]- غرر الحكم، 3494.

[9]- نفس المصدر، 5190.

[10]- الآيات القرآنية تدعونا إلى قول (التي هي أحسن) لا الحسنة، لأنّها أبلغ في التأثير.

[11]- الكافي، ج2، ص78.

[12]- السلسلة السيكولوجية، ج1، كتاب (سحر الشخصية)، ص20.

[13]- مختارات قصصية، قصص تربوية هادفة في شتى حقول الحياة، مؤسسة البلاغ، ص176.

[14]- رواه أحمد، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (956).

[15]- نهج البلاغة، خطبة رقم 224.

[16]- أصول الكافي، الكليني، ج5، ص144.

[17]- المصدر السابق، ج2، ص165.

[18]- حياة الإمام الحسن 7، 1/316-317، عن أنساب الأشراف 1/319، والطبقات الكبرى 1/23.

[19]- رواه مسلم، 4/2058، برقم 1017.

[20]- العادة الثامنة، ستيفن ركوفي، ص461.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 1494
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا