الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الإمام الحسن (ع) الزكي الناصح

2015/11/21 | الکاتب : عمار كاظم


في أجواء ذكرى استشهاد الإمام الحسن(ع):

نلتقي الإمام الحسن(ع) بن علي بن أبي طالب(ع) في ذكرى وفاته. هذا الإمام الذي فتح عينيه على الحياة في بداية الهجرة، عندما كان الإسلام يتحرّك بقيادة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- من أجل أن يركّز قواعده كدين يحكم الحياة، لأنّ الهجرة كانت تمثّل البداية التي أريد لها أن تحوّل الإسلام الدعوة إلى الإسلام الدولة، بحيث بدأت السور التشريعية تنزل تباعاً في المدينة، وهذا ما يميّز السور المكيّة عن السور المدنية، فالسور المكيّة في غالب مضامينها هي سور دعوة، بينما السور المدنية هي سور دولة، لأنها تتضمّن المفردات التشريعية التي يحتاج إليها الناس في علاقاتهم العامة والخاصة.

ولد الإمام الحسن (ع) في بداية عهد الهجرة، وكان أول وليد لعلي(ع) وفاطمة (ع)، وكان قرّة عين رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- الذي فقد ابنه الوحيد. وانضمّ إليه أخوه الحسين (ع) بعد وقت قصير، ودرجا معاً في حضن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، وانفتحا معاً على كلمات رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، وحدّقا معاً في عيني رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، لأنّ الطفل عادةً ما يحدّق بالعينين اللتين يجد فيهما سكينته وفرحه وابتسامته وروحيته. وقد وجدا ملاعبهما في الساحة التي كانا يتحرّكان فيها مع رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، من خلال هذه الطفولة الرائعة، بكلّ ما حشدته في عيني الحسنين (ع) وفي روحيهما وعقليهما وقلبيهما، وبكلّ معاني الروحانية والطهر والصفاء التي كانا يختزنانها في داخل شخصيتهما التي كانت تنمو بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وفي أحضان علي(ع) وفاطمة (ع).

ونحن نعرف ما معنى أن يكون رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أستاذهما الأول.. ومسألة الأستاذية التي تميزت بها هذه التجربة الحسنية الحسينية لم تكن مجرد كلمة يسمعانها، ولكنها كانت كلّ شيء بالنسبة لهما، وإنّي لأتمثّلهما في أحضان رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يصعدان إلى منبره، ويركبان ظهره وهو ساجد فيطيل سجوده، ويرفعهما على كتفيه أو ظهره. ولقد كانت أستاذية رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لهما كأستاذيته لأبيهما ولأمهما. وكان علي(ع) تلميذ رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- الأول يقول عن ذلك: «كان يكنفني فراشه ويضمّني حضنه وكان يلقي إليّ كل يوم وهو يومذاك في الطفولة خلقاً من أخلاقه وكنت أتّبعه اتّباع الفصيل أثر أمه». التجربة نفسها التي عاشها الإمام علي(ع) مع رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- عاشها الحسنان(ع).

وإذا كنا نعرف أنّ الزهراء(ع) عاشت روحانية رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فيما أفاض عليها من روحانيته، وعاشت عقله فيما أعطاها من عقله، وعاشت خلقه فيما أعطاها من خلقه في طفولتها الأولى بعد وفاة أمّها، نعرف كيف أن الحسنين (ع) جمعا ذلك كلّه. فلقد جمعا ما اكتسبه الأب والأم، وجمعا ما تحدّث به رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بشكل مباشر.

مـع أبيــه (ع)

وغاب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، ودرجا كما كانا يدرجان في حياته في أحضان أمهما الطاهرة التي أذهب الله عنها الرجس وطهّرها تطهيراً، وفي أحضان أبيهما الذي عاش العصمة كلّها والطهارة كلّها والنقاء كلّه.

ثم انطلقا مع علي (ع) في تجربة من أصعب التجارب، وشاهدا معاً، وسمعا معاً، ورأيا كيف استوعب (ع) الصدمة، وكيف تسامى وترفّع عن الخلافات والفتن الداخلية عندما قال: «لأسالمنّ ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن بها جور إلا عليّ خاصة». هذا السموّ العلويّ الذي أخلص للإسلام كما لم يخلص له أحد بعد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-. وجاهد في الإسلام الذي كان عزيزاً عليه أكثر مما يعزّ الإنسان ذاته. واختزن الإمام الحسن(ع) كما الحسين (ع) تلك التجربة، وكانا مع أبيهما عندما ودّع أبا ذر الذي نفي إلى الربذة ولم يودّعه أحد، وتكلّما معه بالكلمات التي تفتح قلبه، وتجعله يشعر بأنّ هناك قلوباً تنفتح على موقفه الذي كان للّه ولم يكن لغيره. وانطلق الحسنان (ع) فيما واجه أمير المؤمنين (ع) من محن وفتن في خلافته. وأرسله أبوه إلى الكوفة، وكان يؤهّله لأن يقود المسلمين من بعده، وكان الناس يسألون علياً (ع) فكان يحيلهم إلى الإمام الحسن (ع).

وعاش الإمام الحسن (ع) بعد أبيه مرحلةً ولا أصعب، وتجربة ولا أقسى، فلم يكن لديه جيش يحمل الرسالة، ولكنّه كان يملك جيشاً عصفت به الأهواء التي توزّعته في أواخر حياة أبيه، وكان ما كان، وكان الحسين (ع) معه. فالصلح الحسنيّ هو صلح حسينيّ أيضاً، ولم يكن لأحدهما مزاج يختلف في هذه الحركة سلماً أو حرباً. وكانا كأبيهما، وربما لم يقل الإمام الحسن (ع) أو الإمام الحسين (ع) تلك الكلمة، ولكنهما كانا يعيشانها في التجربة «لأسالمنّ ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن بها جور إلا عليّ خاصة». وتحمّلا الجور. وكانت نهاية المطاف الشهادة، ولم يرد الإمام الحسن (ع) أن يهرق في أمره ملء محجمة دماً، ولذلك أوصى الإمام الحسين (ع) وأهل بيته أن يغمدوا سيوفهم، لأنّ مصلحة المسلمين كانت همّه كلّه..

دراسة صلـح الحسن (ع)

ويبقى لنا أيها الأحبة أن نعيش مع الإمام الحسن (ع) حياته كلّها، لنتفهّم المحطات التي تحرّك فيها. لا سيّما المحطّة الأخيرة وهي محطّة الصلح، وذلك بأن ندرسها دراسة في مستوى الأوضاع التي كان يعيشها المجتمع الإسلامي آنذاك، حيث لم تكن الحرب فيها ذات مصلحة على مستوى القضايا الكبرى.

وعلينا أيها الأحبة أن لا نطلق كلمة الصلح عشوائياً، كما أطلقها الكثير من الناس عندما تحدّثوا عن صلح الحديبية أو صلح الإمام الحسن (ع). فلا بدّ أن نكون دقيقين في عملية المقارنة، وأن ندرس الظروف مقارنة بالظروف هنا في هذا الموقع أو ذاك. وعلينا أن لا نخطئ فنقحم الصلح مع (إسرائيل) في خط الحديث عن صلح الحديبية أو صلح الإمام الحسن (ع)، لأنّ الكيان الصهيوني بكلّه ليس شرعياً في الماضي والحاضر وفي المستقبل، كما هو الغصب ليس شرعياً لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل.

وبهذه المناسبة أحبّ أن أقول لكلّ إخواني وأخواتي: لا تدرسوا التاريخ في السطح، ولكن ادرسوه في العمق. لا تقحموا التاريخ في قلب المأساة، ولكن ضعوا المأساة في حركة القضية، ولا تجعلوها في حركة الذات، لقد نسينا القضية التي انطلقت الذات لتؤكدها في رساليتها، ولذلك لم يبق لنا قضية، فلقد أصبحت الدموع هي القضية. فالسؤال هو: كيف تستنـزف الدموع؟ لماذا لا تنفتح الدموع؟! لذلك فإننا نشجب ونحتجّ على مأساة التاريخ ونصنع في كلّ يوم أكثر من مأساة للمسلمين في فتنة هنا وحرب هناك ونزاع هنا ونزاع هناك، ونبكي التاريخ ونفرض البكاء على الواقع.

أيها الأحبة: لقد قال الله تبارك وتعالى لنا إن التاريخ عِبرة وليس مجرد عَبرة {لقد كان في قصصهم عبرةٌ لأولي الألباب} [يوسف:111]. ولذلك اقرأوا التاريخ بذهنية العِبرة ليغدو مدرسة نعرف نتائجها في حجم التجربة، ولنصنع التاريخ في مدرسة نحرّك نتائجها في مستقبلنا.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 452
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 القيّم النبيلة في شخصية الحسين (عليه السلام)
 عاشوراء.. صرخة الحرية والعدالة
 صورة الحسين (عليه السلام) في وعينا الإسلامي
 مفهوم النصر الحقيقي
 الحسين (عليه السلام).. إشراقات لا تنتهي
 الأبعاد الرسالية لثورة الإمام الحسين (عليه السلام)
 مسلم بن عقيل.. سفير القيم الفاضلة
 الحسين (عليه السلام).. تجسيداً حيّاً للقيم الإسلامية
 ملحمة عاشوراء.. إرث للبشريّة جمعاء
 أبرز أهداف النهضة الحسينية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا