الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
قبسات من عبادة الإمام الرضا (ع)

2015/11/28 | الکاتب : عمار كاظم


إنّ جوهر العبادة هو الإخلاص لله سبحانه وتوجّه النفس إليه، وفناء (الأنا) وما فيها من رغبة وجب وشهوة ونوازع في ذات الله؛ فالمتعبّد المخلص لا تنازعُهُ نفسه في معصية، ولا تكون في موقف مواجه للإرادة والمشيئة الإلهية، فهي اختيارٌ دائم لإرادة الله، وتطابُقٌ مُخلصٌ معها، وشوقٌ مستمرٌّ للذوبان والفناء فيها، وسعيٌ متواصل للقرب من الله سبحانه وفعل الخير المحبوب لديه. وأهل البيت بما مَنّ عليهم من علم ومعرفة بالله سبحانه وبعظمته كانوا أكثر الناس بعد رسول الله (ص) حبّاً لله، وشوقاً إليه، وإخلاصاً له، وسعياً لمرضاته، تارة بالكفاح والتضحية والجهاد، وأخرى بأداء الفرائض والسنن والطاعات، وثالثة بالكفِّ والورع عن محارم الله والشبهات التي قد تقود للوقوع في معصيةٍ. وهذا سليل أهل البيت (عليهم السلام) وإمام المسلمين عليّ بن موسى الرضا (ع) يحدِّثنا الرّواةُ عنه أنّه كان أعبد أهل زمانه وأكثرهم ورعاً وتقوىً، حتى أنّ خصومه ومناوئيه كانوا يعترفون له بذلك ولا يستطيعون إخفاء هذه الصفة العظيمة فيه، فهذا المأمونُ العباسي يشهدُ بنصّ ميثاق البيعة له: «... محبّةً أن يلقَى الله سبحانه وتعالى مُناصِحاً له في دينه وعباده، ومختاراً لولاية عهده ورعاية الأُمّة مِن بعده أفضل مَن يقدرُ عليه في دينه وورعه وعلمه، وأرجاهم للقيام بأمر الله تعالى وحقِّهِ، ... عليّ بن موسى الرضا (ع)، لِما رأى مِن فضله البارع وعلمه الذائع، وورعه الظاهر الشائع، وزهده الخالص النافع وتخلّيه عن الدنيا، وتفرّدِهِ عن الناس، وقد استبانَ له ما لم تزل الأخبار عليه مطبقة، والألسن عليه متّفقة، والكلمة فيه جامعة، والأخبار واسعة، ولَما نزل نعرفُهُ به من الفضل يافعاً وناشئاً وحدثاُ وكهلاً، فلذلك عقد له بالعهد والخلافة من بعده». هذا الإمام الرضا (ع) على لسان المأمون، وحقّاً كان كذلك، فقد كان مثالاً في العبادة وملازمة كتاب الله والتمسُّك به وتدبّر معانيه، حتى قيلَ فيه: كلامه وجوابه وتمثّله انتزاعاً من القرآن، وكان يختمه في ثلاثة ويقول: «لو أردتُ أن أختِمُهُ في أقرب من ثلاثة لختمتُ، ولكني ما مررت بآيةٍ قطّ إلّا فكّرتُ فيها، وفي أي شيء أنزلَت؟ وفي أي وقت؟ فلذلك صرتُ أختم في كلّ ثلاثة أيّام».

ووصف رجاءُ بن أبي الضحّاك، الذي رافق الإمام طول سفره من المدينة إلى مَرْوٍ، عبادة الإمام وتقواه فقال: «فكنت معه من المدينة إلى مرو، فوَالله ما رأيتُ رجلاً كان أتقى لله تعالى منه. ولا أكثر ذكراً لله في جميع أوقاته منه، ولا أشدّ خوفاً لله عزّ وجلّ منه، وكان إذا أصبح صلّى الغداةَ، فإذا سلم جلسَ في مصلّاه يُسبِّح الله ويحمده ويكبِّره ويهلِّلُه ويصلِّي على النبي (ص) حتى تطلع الشمس، ثمّ يسجد سجدة يبقى فيها حتى يتعالى النهار، ثمّ أقبل على الناس يحدِّثهم ويعظهم إلى قرب الزوال». والإخلاصُ في العبادة وتعبيدُ النفس لله سبحانه وإشعارها بالعبودية له وحده هي الغاية من العبادة، لذلك نجد الإمام الرضا (ع) حريصاً على أن لا يعينه أحدٌ على تهيئة مستلزمات العبادة، ليشعر نفسه بخالص العبودية لله سبحانه، وليربِّي الآخرين عليها. روى الوشّاء، فقال: «دخلتُ على عليّ بن موسى الرضا (ع) وبين يديه إبريقٌ يريد أن يتهيّأ منه للصّلاة، فدنوتُ منه لأصبّ عليه، فأبى ذلك، وقال: مَهْ يا حسن! فقلت له: لِمَ تنهاني أن أصبّ على يدك، تكرهُ أن أؤجَرَ؟ قال: تؤجر أنتَ وأؤزر أنا، فقلتُ له: وكيف ذلك؟ فقال: أما سمعتَ اللهَ عزّ وجلّ يقول: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف/ 110)، وها أنا ذا أتوضّأُ للصلاة وهي العبادة، فأكره أن يشركني فيها أحد». أمّا الليلُ فكان محرابه وسبحه الطويل، ومأوى مناجاته، ومجلس ذكره وضراعَتَهُ، لذا نجد الذين عايشوه يصفون عبادته وتهجّدهُ في جوفِ الليل، وعند هجعةِ العيون، وصمت الناطقين، فكان يقوم لله في عباد الرحمن الذين يبيتون لربّهم سُجّداً وقياماً. فقد ورد في وصف عبادته وارتباطه بالله سبحانه: «وكان يُكثرُ بالليل في فراشه من تلاوة القرآن، فإذا مرّ بآيةٍ فيها ذِكرُ جنّةٍ أو نارٍ بكى، وسأل الله الجنّة، وتعوّذ به من النار». وتحدّث راوٍ آخر عاصر الإمام الرضا (ع)، هو إبراهيم بن العباس الصولي قال واصفاً الإمام (ع): «وكان قليل النوم باللّيل، كثير السهر، يُحيي أكثر لياليه من أوّلها إلى الصّبح، وكان كثير الصيام، فلا يفوتُهُ صيام ثلاثة أيّام في الشهر، ويقول: ذلك صوم الدّهر، وكان كثير المعروف والصدقة في السِّرّ وأكثر ذلك يكون منه في الليالي المظلمة، فمن زعم أنّه رأى مثله في فضله فلا تُصدِّق». ووصف في موارد أخرى وهو يتضرّع في محراب العبادة، ويُناجي في هجعة العيون: «فإذا كان الثّلثُ الأخيرُ من الليل قام من فراشه بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والاستغفار فاستاك ثمّ توضّأ ثمّ قام إلى صلاة الليل، فصلّى ثماني ركعات ويسلِّم في كلِّ ركعتين، يقرأ في الأوّليين منها في كلّ ركعة الحمد مرّةً، وقُل هو الله أحد ثلاثين مرّة، ويصلّي صلاة جعفر بن أبي طالب (ع) أربع ركعات، يسلّم في كلّ ركعتين ويقنت في كلّ ركعتين في الثانية قبل الركوع وبعد التسبيح ويحتسب بها من صلاة الليل ثمّ يصلّي الركعتين الباقيتين يقرأ في الأولى الحمد وسورة الملك، وفي الثانية الحمد وهل أتى على الإنسان. ثمّ يقوم فيصلّي ركعتي الشفع يقرأُ في كلِّ ركعة منهما الحمد مرّة، وقُل هو الله أحد ثلاث مرّات، ويقنتُ في الثانية ثمّ يقوم فيصلّي الوترَ، ركعةً يقرأُ فيها الحمد وقُل هو الله أحد ثلاث مرّات وقُل أعوذ بربّ الفلق مرة واحدة، وقُل أعوذ بربّ الناس مرة واحدة، ويقنتُ فيها قبل الركوع وبعد القراءة.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 429
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 دعوة إلى التكاتف والتآلف والوحدة
 الزهد من كمالات الأخلاق
 البعد الروحي في فريضة الحج
 في اليوم العالمي للشباب...
 فضيلة الصدق وآثارها
 قضاء حاجة المؤمن.. ثقافة تربوية
 الحج.. عبادة وحركة وحياة
 توجيه الشباب نحو الاستقامة والصلاح
 الإهتمام بالأنشطة الشبابية في يومهم العالمي
 العفو والتسامح

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا