الصفحة الرئيسية » إصدارات جديدة
أين الطريق؟!

2015/11/30 | الکاتب : أسرة البلاغ


في الوعي والعمل 15

 

أين الطريق؟!

رؤية في (الوطن) و(الدين) و(التطرُّف)

 

لجنة التأليف- مؤسسة البلاغ

 

ربيع[1].. ولكنْ!

بعد أحداث وتداعيات ما يُسمّى بـ(الربيع العربيّ)، يجري الحديث بهدوء عقلاني تارةً وبانفعال وجداني حار تارةً عن إشكالية الوطن والمواطنة.. فلقد راح الأوّل كمفهوم يضيق ويضيق لا لينحصر في المساحة الجغرافية المحدّدة له، بل في الاختناق في رُقَعهِ المُشكِّلة لمركّبه الجغرافيّ (الطبيعيّ) والديموغرافي (السكانيّ)، وغدا الثاني ضيقاً هو الآخر حتى لم يعد يطيق بعض أبناء الوطن بعضاً.

وإذا بنا نُباغَت بعد حقبة زمنية متطاولة من العيش الأهليّ أو الوطنيّ المشترك، بأنّ الرؤية تتجه نحو المناطقية المختَزلة في أُطر الأقاليم والولايات أو الجزر المتناثرة، من أجل التقزيم التاريخي والجغرافي والثقافي والمجتمعيّ لمصلحة الفئوي والطائفي والعرقيّ. وبدلاً من أن يتعزّز -مع الزمن- مفهوم (الأُمّة) ووحدة الشعب في المُشتَرك الجغرافي والتاريخي والمصيريّ، بتنا أكثر ميلاً إلى الحلقات الأضيق: القطرية والمحلية والمدائنية، والانكفاء داخل اللون الواحد الخارج أو المتمرّد على الفُسيفساء الوطنية.. ولهذا أسبابه المتشعِّبة الكثيرة الداخلية والخارجية التي لسنا بصدد البحث فيها بعدما كثر الحديث عنها. فهذا واقعٌ عربيٌّ، وجانب منه إسلامي، متهرّئ يحكي عن نفسه وعن حاله بما فيه الكفاية.

ومنذ فترة ليست بالقصيرة، ربما سبقت انتفاضات الربيع العربيّ، تكرّست نبرة أنّنا مقبلون على (سايكس - بيكو) جديدة، أي على خطّة تقسيم استكباري آخر للخارطة العربية أو الإسلامية بما يتلاءم ومطامع أو مصالح الدول المتنفِّذة في القرار الدوليّ أو اللعبة الأُممية.

ويمكن هذه المرّة عوضاً عن اجتماع (مارك سايكس) جديد، و(جورج بيكو) آخر، نحن أبناء الوطن الواحد نتولّى المهمّة ونسهلها على الطامحين إليها والمتربِّصين بها، لنقوم -بوعي أو غير وعي- بتجزئة كعكة الوطن ليأخذ كلٌّ منّا حصّته منها، حتى ولو كانت الحصّة -بعد التقسيم- أصغر وأقلّ مردودات نفعية وربحية، مما كنّا نحصل عليه قبل التقسيم (تقسيم السودان مثلاً).

كلُّ ذلك لغاية واضحة وجارحة أيضاً، وهي أنّنا لم نعد قادرين كأبناء وطن متعايشين أن نلتئم تحت خيمة واحدة اسمها الوطن.. فكان لابدّ من تفتيته إلى (أوطان) أو (أطيان) أنّى كانت مساحة (الوطن) وموارده، والدفع بهذا الاتجاه قائم على قدمٍ وساق في اليمن وليبيا والعراق ولبنان وسوريا وغيرها.

وكما يتعرّض الوطن للتحجيم والتقزيم والتقريم جغرافياً، تتعرّض الهُويّة الوطنية أيضاً للتفتيت وإلى الذوبان أو التذويب المتعمَّد في إطار مفهوم هُلامي أو مطّاط اسمه (العولمة) حتى لا يعود هناك كلامٌ عن (انتماء) أو (ولاء) أو (احتواء) أو (احتماء) وطني.. وبين هذه الحالة (الانصهارية) وتلك الحالة (التقزيمية)، يقف المواطن العربيّ بصفته المعني الأوّل بالمشكلة حائراً موزَّعاً، تتجاذبه أطراف أكثر من أطروحة، ويستقطبه توجّه أكثر من تيار، ويتناهبه أكثر من مخطَّط داخلي وخارجيّ، وما زال حتى اللحظة يُطالب ويُكرِّر مطالبه القديمة - الجديدة في الحرّية والكرامة والديموقراطية ووضع الكفاءات والطاقات في أماكنها المناسبة بقطع النظر عن انتماءاتها الدينية أو المذهبية أو المناطقية، وينشد العدالة الاجتماعية، وبسط الأمن، والتعليم المجاني، والتأمين الصحّي، وتوفير فرص العمل للعاطلين والخريجين، وتأمين السكن وسائر الحاجات الأساسية والضرورية التي تُشعر المواطن بمواطنيته أو باعتزازه وانشداده لوطنه المظلّة والخيمة لا وطنه البنيان والتاريخ والجغرافيا.

وعلى الرغم من كلّ الضربات المُوجعة والمُشعرة باليأس والإحباط، مازال في المواطنين العرب والمسلمين مَن هو حريص على وحدة النسيج الاجتماعيّ، والاحتماء بعباءة أو خيمة الوطن الذي يُطالب بأن تكون أكثر دفئاً واتساعاً للمّ شمل أبنائها، والتي ما تزال على الرغم من مصفوفة المنافيات والمناقضات والمعوّقات، قادرة على ذلك.

ولكي يكون التشخيص أكثر دقّة ومقاربة للواقع، فإنّ حرص المواطن على الائتلاف الوطني نابع من الحاجة الماسّة إلى معافاة الوطن من أمراضه وترهُّلاته ومكبِّلاته، ليجد في ظلاله عافيته الشخصية أو الأُسرية أو العمليّة، وإلّا فقد طفح كيله ونفد صبره، وراح يبحث متى ما أُتيحت له الفرصة وسمحت به إمكاناته البسيطة عن (الوطن البديل)، ملقياً بنفسه في أحضان الهجرة أو أتونها، مُفتّشاً عمّا هو مُفتَقد في وطنه الأُمّ. وبالتالي، فحتى الرابطة الوطنية أو حلقة الارتباط (الحبل السرّي) بالأرض ضاقت بعدما ضَيَّقتها الأوضاع المأساوية غير المتجهة إلى ضفة الحلّ أو برّ الحَلْحَلة والانفراج.

وسواء جاء التغيير السياسي في بلدان الربيع العربيّ داخلياً صرفاً نتيجة المعاناة الطويلة لشعوب ذاقت الأمَرّين وضاقت ذرعاً بسياسات الاستبداد والتبديد[2]، أو من الخارج الذي يرعى ويراعي مصالحه أوّلاً وقبل كلّ شيء، والذي يلعب على وتر الديموقراطية التي تُمثّل للمواطن الواقع تحت نير الاستبداد حلماً، بدا لفترات مظلمة وعصيبة أنّه بعيد المنال، ينقذه من حالة الغرق والاستغراق في دوّامة الأزمات والمآزق المتوارثة والمتنامية والمفتعلة في أحايين كثيرة، أو من التواطؤ المتفق عليه وغير المعلن، أو غير المتحالَف عليه من قِبَل الطرفين، فإنّ شيئاً واحداً مؤكداً يجب الالتفات إليه وهو أنّ سياسة الأنظمة الشمولية، القمعية، الدكتاتورية لم تعد تُطاق، وإنّ الشعوب التي تحمّلت فوق طاقتها وضاقت ذرعاً بخيباتها، تتوق إلى تقرير مصيرها بنفسها حتى ولو كانت أثمان ذلك التحرُّر والتحرير باهضة.. فهي تسعى إلى اختيار قادتها أو مَن يحكمها ويدير شؤونها ضمن سياقات الديموقراطية المعهودة، فإذا فشل في أداء مهمته وأخفق في ما أولته من مسؤوليات، عمدت إلى تغييره باحثة عن الأفضل والأصلح في تلبية طموحاتها، في مسعىً قد يستغرق وقتاً ليس بالقصير، من أجل أن ترسو بسفينتها التي تشقّ طريقها في أمواج كالجبال "على برّ الأمان الوطنيّ". "برامج التحوّل تستغرق عادةً زمناً طويلاً".

وكما أثبت الربيع العربيّ هشاشة الحكومات الاستبدادية التي بقيت جاثمة على صدور شعوبها ومواطنيها ردحاً طويلاً من الزمن، أثبت في المقابل أنّ الشعب إذا أراد الحياة -كما يقول أبوالقاسم الشابيّ- فلابدّ أن يستجيب القدر، وإنّ مداد البحر الجماهيريّ، كما هو مداد البحر الطبيعي من نُقَط، وإنّ أوّل الغيث قطرٌ ثمّ ينهمر، وإنّ تضحيات قليلة مجتمعة في البداية خير من تضحيات كثيرة متفرّقة على طول الخطّ.

إنّ الجماهير -على حدّ تعبير السيّد محمد باقر الصدر- أقوى من الطغاة مهما تفرعن الطغاة، وقد تصبر ولكنّها لا تستسلم. والسؤال المحوريّ أو المفصليّ هنا: لماذا هذا التداعي المتزامن والمتلاحق والمُحزن في اللُّحمة الجماهيرية بعد انهيار الأنظمة التسلّطية؟ هل كانت تلك الانتفاضات أو الثورات (هبات) شعوب غير محسوبة النتائج والارتدادات، أي إنّها انفجارات غضبيّة عارمة ومتراكمة راحت تبحث عن حالة من التنفيس عن احتقانها، والتعبير عن غضبها، ولم تمرحل خطوات عملها بالسؤال بعد كلّ منعطف؟ وماذا بعد؟!

للجواب عن هذه التساؤلات، يمكن قراءة ما جرى على أنّه لم يكن قراراً مجتمعياً ناجزاً أو كاملاً بمعنى أنّ دوائر مجتمعية معيّنة شعرت -في لحظة غضب ثوريّ- أو استشعرت في لحظة وعي نهضويّ، الخطر المستشري أكثر من غيرها، وتحرّكت بدوافع الغيرة الوطنية، أو التغيير نحو الأفضل، أو الانتقام لسنوات الصمت والركود، أو من أجل وضع حدّ لمزيد من التهميش والهدر في الأعمار والأرواح والتطلُّعات، ثمّ التحقت الدوائر الأخرى المتضرّرة أيضاً، وغير المتهيّئة أو المستعدة في مراحل التحرُّك الأولى لخوض تجربة أو مغامرة، تبدو للوهلة الأولى خاسرة، أو غير مضمونة النتائج، أو غير باعثة على الاطمئنان للدواعي والدوافع التي تُكمنُ وراءها. وقد يبدو هذا طبيعياً في أكثر الانتفاضات أو الثورات، فمادة التحريك والاستنهاض غالباً ما تكون محدودة تنطلق من بؤر الوعي الأكثر استشعاراً للخطر، ثمّ تأخذ بالاتساع والتنامي بقدر ما يؤكّد الحراك الجماهيري صبره وجدّيته وإصراره على الوصول إلى أهداف واضحة ومحدَّدة ومرصودة بعناية.

ولأنّ القوى السياسية المعارضة والمُنظّمة أكثر قدرة على الالتفاف أو الاندماج بالحراك الجماهيري الناقم أو الثائر، وعلى احتواء نتائجها وتوظيفها لصالحها، رأينا كيف أنّ شرارات الثورات العربية انطلقت من نوادٍ أو بؤرٍ شبابية، ما نتأت الأحزاب والمنظمات السياسية أن انخرطت فيها، بعد الاطمئنان إلى أنّ مركّب الجماهير أقوى من أمواج السلطة العاجزة عن إغراقه أو عرقلة سيره كما كانت تفعل إبّان عنفوان جبروتها وتسلُّطها وبطشها.. وإنّ شعارات الواقع الثوري أقوى وأعمق من شعاراتها الأيديولوجية، أي أنّ ما حصل هو خلاف المتوقّع من أن تكون قوى التحريك والتحرير هي صاحبة المبادأة والمبادرة ثمّ تلتحق الجماهير بها.. ما حدث كان على العكس تماماً.

والمشكلة الثورية أو الحركية هنا ليست في الانضمام المتأخِّر أو غير المتأخِّر ما فتئت مأزومة من أنظمة متهرّئة حكمت بالحديد والنار لعقود طويلة وثقيلة وحتى آخر لحظات انهيارها. وكان من الطبيعي أو المنطقي أن يوسّع حجر الثورة الكبير الملقى في بِركة الواقع الراكدة ظاهرياً، المستعدة للتدفُّق والفوران باطنياً، من دوائره المتلاحقة شيئاً فشيئاً، ومن حقّ المأزومين أن يُعبّروا عن تحرُّرهم من قبضة الاستبداد أُسوةً بمن سبقوهم، ولكن المشكلة هي في أن يتم ركوب الموجة من أجل التصدّي -في وقت انحسار الخطورة- وتصدّر المشهد لقطف ثمار الثورة أو اغتنام مكاسبها في احتلال، بل التقاتل من أجل شغل المواقع الرئيسة التي باتت شاغرة وتنتظر مَن يملؤها، وعادةً ما يشغل القادمون أوّلاً المقاعد الأمامية!!

هذا هو الشقّ الحركيّ لثورات الربيع العربيّ.. وأمّا الشقّ الآخر من المشكلة التي واجهت الحراك الجماهيري الثوريّ الناهض، هو افتقاره إلى مُفكّرين ثوريين يموّنون حركة الجماهير المندفعة بكلّ عواطفها نحو التغيير بأمصال البقاء والديمومة والوعي والتخطيط والحفاظ على المنجزات لما بعد مرحلة إسقاط الأنظمة، مثلما يُزوِّدونها بالرأي والقرار الصائبين في أوقات الاشتباك والاحتدام وربّما الاحتراب الداخلي المفجّر فتيله من قِبَل الموتورين الذين يعتبرون أنفسهم الخاسر الأكبر من هذا الانقلاب الذي يُهدِّد مصالحهم في الصميم.

لقد واجهنا حركة مباركة أقرب ما تكون إلى العفوية منها إلى التخطيط، والاجتهاد والارتجالية أكثر منها حركة هادفة ترنو إلى ما هو أبعد من شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، ولذلك جاء الشعارات: الحرّية، والعدالة الاجتماعية، وتوفير لقمة العيش، لاحقة أو متأخرة عن الشعار الأوّل في محاولة لملء فراغ السؤال الكبير: لماذا ثُرنا؟! والتفاوت أو الاختلاف في الشعارات التي جاءت تلافياً وتفادياً للنقص الثوري أو الفراغ الفكري السياسي دلّل على أنّ وعي مرحلة ما قبل الإسقاط لم يكن على نفس مستوى وعي مرحلة ما بعد الإسقاط، ولم تجد الجماهير المتلفتة يميناً وشمالاً مَن يُرشِّد حركتها من علماء ومثقّفين ورُوّاد الوعي التنويري في الأُمّة، ربما لأنّ هذه ذاتها لم تستوعب (الصدمة) أو (المفاجأة) أو حقيقة ما يجري، فكانت (اللجان الثورية) تتخبّط في ابتداع واختراع شعارات هي بمثابة إجابات سريعة أو مُتسرّعة للسؤال الكبير: وماذا بعد؟!

وقد يكون مطلب إسقاط نظام دكتاتوري مستبدّ أهلك الحرث والنسل بحدّ ذاته هدفاً ومطلباً رئيساً ومشروعاً، أي أنّ الجواب المستوحى والمستخلص منه: نريد نظاماً ديموقراطياً! أمّا كيف؟ فهذا هو السؤال الذي بقي حائراً قلقاً، مؤجلاً إلى حين استقرار الأوضاع المتلاطمة، وتشكيل المؤسسات الديموقراطية التي أخذت بعض مؤسسات المجتمع المدني على عاتقها إرساء أُسسها الأولى، من غير أن تكون هناك دراسات مستوعية ووافية لعملية التغيير الكلّي الشامل.

وكأنّ المنطق السائد هو: دعنا نُسقط الأنظمة الجائرة ثمّ لكلّ حادثٍ حديث، ولذلك بقي الحراك الجماهيريّ ناقصاً حتى مع التحاق الحركات والمنظمات السياسية بركابه، التي أقلّ ما يقال عن أكثرها أنّ لها أجنداتها الخاصّة وأنّها تتحيّن الفرصة لتنفيذ برامجها التي سعت إليها خلال فترة المعارضة، حتى وإنْ لم تلتقِ بالضرورة في جوهرها مع تطلُّعات الجماهير الثائرة.

إنّ مؤشّر النقص في الاستعانة بالمخلصين من علماء واعين ومثقّفين متنوّرين، وشباب غيارى عاملين ومبدعين ليعملوا كخطوط إمداد خلفية، بعدما لم يكن ذلك ممكناً حال اندلاع تلك الثورات، بقي نقطة الخلل الأبرز في حركة انطلقت بحماسة عالية ولكن لا تعرف إلى أين.

صفوة القول: إنّ التحاق المتأخِّرين بالركب الثوريّ، لا يُمثّل في حدّ ذاته مثلبة، خاصّةً إذا اتّجهت حركة الجميع نحو (الإصلاح)، إنّما المثلبة هي في التردُّد في إيكال مهمّة القيادة -في المرحلة الانتقالية- إلى مَن هم أهل لها، وليس بالضرورة لصنّاعها الفعليين، فليس كلّ مَن يصلح لـ(الثورة) يَصلح لـ(الدولة)، ولا كلّ مَن أشعل فتيل التحرُّك السياسي، بقادر على استنهاض وإدارة حركة البناء والإعمار والتغيير، ولا يعني التحاق المتأخِّرين بالركب المشاركة في تقسيم الغنائم دائماً.. فقد يتريّث بعضهم حتى يرى الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، فلا يصحّ استبعاده أو التشكيك في نواياه لأنّه جاء بعد هدوء العاصفة، ذلك أنّ (مرحلة البناء) بحاجة إلى كلّ وكافّة الطاقات الوطنية -مهما صَغُرت- مَن اشترك في صناعة النهضة أو مَن التحق بها لاحقاً (اُنظر إلى ثقافة البنيان المرصوص في مقطع لاحق من الكتاب).

ما كان ينقص الربيع العربيّ حتى يكون ربيعاً مزدهراً مثمراً مكتمل الشروط والصفات، الآتي:

1- مرجعية فكرية ترتقي في مستوى خطابها إلى وعي تنمويّ - نهضويّ يخرج بالانتفاضات عن أن تكون مجرّد انتقالة سُلطوية إلى نماذج رائدة وقابلة للتأسّي بها.

2- قيادة سياسية رشيدة تُقدّم المصلحة الوطنية العليا على المصالح الفئوية أو الحزبية الضيّقة (لا كلّ القديم فاسد ساقط، ولا كلّ الجديد صالحٌ مؤهّل) (عبدالرحمن سوار الذهب في السودان ومصطفى عبدالجليل في ليبيا نموذجين).

3- اعتماد خارطة طريق تجيب إجابات عملية عن أسئلة: من أين؟ وكيف؟ وإلى أين؟

4- إرساء وعي جديد لمفاهيم: (الوطن)، (الوطنية)، (التعدُّدية)، (الحرّية)، (الانتماء)، (التكامل)، (التعايش) (الشراكة)، (الاعتدال) وتغليب العام على الخاص، تبتدأ (بلمسات تغييرية) مروراً بـ(بصمات تجديدية) وانتهاءً بـ(مؤسسات تنسجم مع المفاهيم والتطلُّعات).

علماً أنّ صدر الوطن واسع يتسع لكلّ هذه الأمنيات.

 

نحو وعي وطني مختلف:

بين الوطن (الولاديّ) مسقط الرأس، والوطن (الشرعيّ) مقرّ الإقامة، والوطن (الجغرافيّ) بمدنه وأنهاره وقُراه، والوطن (الدينيّ) ديار الإسلام التي يعبّر عنها قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذا الْبَلَدِ﴾ (البلد/ 1-2)، والوطن (السياسيّ) أو الوطن (البديل) الذي يُمثّل الاغتراب أو الانتشار، يتردَّد السؤال: أيَّ وطنٍ نُريد؟

الجواب لَخّصهُ الإمام عليّ 7 في مقولته الشهيرة: «ليس بلدٌ أحقّ (أو أولى) بك من بلدٍ، خير البلاد ما حَمَلك»[3]! وكلمة (حَمَلك) تكثيف واختزان لمعاني ومرامي وتطلُّعات كلّ مواطن لما يريده ويتطلَّع إليه من وطنٍ يتشرّف ويفتخر ويعتز بالانتماء إليه، بل ومستعد للدفاع عنه والتضحية من أجله.

إنّها تعني أنّ الوطن (ظهر) قويّ يحملُ أبناءه إلى حيث مقصدين أساسيين: السلامة (الأمن)، والرفاهية (العدل الاجتماعي). وإنّه (مركب) رصين ومتين يشعر الجميع أنّه أشبه بـ(سفينة نوح) التي تقلّهم في طوفان الأحداث المتلاطمة إلى برّ الأمان. وإنّه (مَطمَح) يحمل الهموم والقضايا والتطلُّعات والآمال، وهو ترجمة عملية لأقوال مَن قالوا مختزلين الوطن بوجه من وجوهه:

- حيث أجد (حرّيتي)، فذلك وطني.

- حيث أفرش (سجّادتي)، فذلك وطني.

- حيث أجد مُتّسعاً لفكري وإبداعاتي، فذلك وطني.

- حيث أجد كرامتي وإنسانيتي واحترام حقوقي، فذلك وطني.

- حيث أجدني مواطناً سُلطتي أعلى من سلطة الحاكمين، فذلك وطني.

- حيث نكون (أُسرة وطنية).. فذاك وطني.

من هنا نفهم لماذا ترك إبراهيم 7 (بابل) أو (أور) ولم يعد إليها، ولماذا ترك موسى 7 (مصر) ولم يرجع إليها، ولماذا ترك النبيّ محمد 6 (مكّة) ولم يسكُن فيها بعد فتحها، ولماذا غادر الإمام عليّ 7 (المدينة) إلى (الكوفة) لتكون عاصمة خلافته ودُفن بالقُرب منها! البلد -بلدي- والوطن -وطني- حيث (يحملني) بمائه وهوائه ومطبخه وأزيائه وأغانيه ونخيله.

(سعةَ أُفقٍ) و(طموحَ رسالةٍ) و(مسرحَ إبداعٍ) و(مُرتقى إنسانية)، لا حيث أنعم بمائه وهوائه ونخيله وأرزته وإهراماته وعَلَمه وذكرياته.. هذا ليس تفريطاً بالوطن الذي حُبّه من الإيمان، هو إعادة صياغة لمفهوم (الوطن الصالح)، وإعادة اعتبار للهُويّة الوطنية التي لا تنحصر بأرض، وإن كان للوطن الأُمّ خصوصيته ووقعه وبصماته، خاصّةً عندما يكون حانياً كالأُمّ.

يقول الشاعر:

إذا كان أصلي مِن تُرابٍ  فكلّها بلادي، وكلّ العالمين أقاربي

ولعلّ هذا هو السبب الذي جعل القرآن يفتح مفهوم (الوطن) ليجعله واسعاً بسعة الأرض كلّها: ﴿فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (الملك/ 15)... وهو الذي دفعه إلى معاتبة الذين ضاقت عليهم أوطانهم بالظلم والجور والاضطهاد فلم يتحرّروا بالهجرة إلى حيث (أرض الله الواسعة)، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ (النساء/ 97)، وهو نفسه الذي عَبّرت عنه أُمُّ المؤمنين (أُم سلمة) -رضي الله عنها- عندما سُئِلت عن سبب تفرُّق قبور أبنائها في الأقطار، قالت: «باعد بينهم علوّ هممهم»!

وبالمحصلة، فإنّ وطني الذي يستحق أنّ أُسمّيه كذلك، والذي يَتوجّب عَليَّ الدفاع عنه والتضحية من أجله هو الذي (يحملني) في (الرَّخاء) لأحمله في (الشدّة)، يقول (شوقي):

وللأوطانِ في دمّ كلِّ حُرٍّ         يَدٌ سَلَفتْ وَدَينٌ مُستَحقُّ

اليد السالفة (ذات الفضل) والدَّين المستحق هي ما في ذمّتي كمواطن لوطنٍ حملني صغيراً ونَوّه باسمي كبيراً، وأعطاني (شرف الانتماء) فأعطيته (حقّ الولاء)، ولذلك لم يكن الشاعر أو الأديب المسرحيّ (محمد الماغوط) داعية خيانة عندما كتب كتاباً بعنوان (سأخون وطني)، إذ ليس من المنطقي ولا العقلي الدعوة إلى الخيانة الوطنية، ولكنّه أراد أن يقول إنّ وطناً (يخونني) في حرماني من حقوقي بالعيش الكريم، جديرٌ بأن يُخان لا بأن يُسلَّم أو يُباع للأجنبيّ، ولكن بأن لا يُعبأ ولا يُؤبه به إن أنا غادرته إلى غيره لأجد هناك ما لم أجده في وطني الأُمّ.

وعلى ذلك صدقت معادلة: الحرمان في الوطن (غربة)، والمال في الغربة (وطن). وكنّا دائماً نختلف مع الشاعر القَبَليّ الذي يقول:

بلادي وإنْ جارت عَليَّ عزيزةٌ             وقومي وإنْ شحّوا عَليَّ كرامُ

بأنّ بلادي أو وطني (عزيزٌ) بقدر ما أجد فيه (عزّتي).. فإذا ذقت فيه الذلّ والمهانة والضيم، فلا يستوجب منّي أن أعزّه.. إنّنا ضدّ (التعصُّب الوطني) بمعنى التعلُّق العاطفيّ بالتراب والأشجار والأنهار وأبناء العمومة والعشيرة والقبيلة، وإنّما نحن مع الوطن (العزّة) و(الكرامة) و(الرفعة) و(الأمن) و(لقمة العيش) و(مسرح أو فضاء الإبداع).

إنّ مقومات الوطن الذي (لا يُخان) والذي حبّهُ (من الإيمان)، هي:

1- أن يعترف بمواطنيتي له لا بأن يمنحني جنسيته أو بطاقة الانتماء إليه فقط، بل أن يُدافع عن حقّي أينما أكون، وأن يمنحني حقوقي في داخله كاملة مثلما يطالبني بواجباتي كاملة.

2- أن يُوفّر لي الأمن والأمان في ربوعه، فلا أكون فيه كصالح في ثمود، وكموسى الذي خرج من بلاده خائفاً يترقّب، ولا كإبراهيم الذي يُطرد من وطنه لأنّ أفكار الناس هناك تخالف أفكاره، ولا أن اُضطهد فيه فأضطرّ إلى المهاجرة إلى غيره كما فعل المسلمون في هجرتيهم للحبشة والمدينة.

3- أن يُؤمّن لي أمناً معاشياً، فأعيش فيه بكرامتي، أبنيه فيعلي شأني، وأعمل فيه فيعمل من أجل رفاهيتي وأجل سلامة عائلتي، فلا أكون مستعطياً أو مستجدياً أو محروماً في بلد خيراته تسع وتعمّ الجميع، بل وتفيض.

4- أن يهب لي أجواءً ومناخات من الحرّية المسؤولة حتى أُمارس عباداتي، ومواهبي، وأُنمّي ثقافتي وإبداعي، وأن أُعبّر عن رأيي ناقداً ومُصلحاً، ومعترضاً ومحتجّاً، وأن يضمن لي بأن أُفكّر بطريقة تختلف عن الطريقة أو العقلية التي يُفكّر بها سلطانه أو قوالب مؤسساته الجاهزة.

5- أن يكون لي فيه مأوى وسكن أرجع إليه من عناء نهاري، وأُربّي فيه أولادي، واستمتع فيه بحياتي، لا أنّه يراني مرمياً على قارعة العشوائيات ويغضّ الطرف عنّي، وكأنّي غريبٌ لا أعنيه ولا أنّني ضمن مسؤوليته في إنقاذي مما أنا فيه.

6- أن يراعي شيخوختي وعجزي وتقدّم سنّي، كما رَعَيته في فتوّتي وشبابي.. أن يذكر خدمتي له عندما لم يعد بإمكاني أن أُقدّم له المزيد من الخدمة.

هذا هو الوطن الذي عناه (شوقي) بأنّ له يداً سَلفت ودَيناً مُستحقاً، وهذا هو الوطن الذي يجب أن (يُصان) و(لا يُخان)، وهذا هو الوطن الذي تتمنّى أن يكون مسرح عمرك، ومأوى رفاتك، ومستقبل أولادك وأحفادك، وألبوم إنجازاتك وذكرياتك.

 

مشكلة الوطن في أبنائه:

تلك هي مشكلة أبناء الوطن في وطنهم.. وأمّا مشكلة الوطن في أبنائه فلا تقلّ مرارة، في ظلّ (انحسار) أو (غياب) أو (انعدام) الحسّ الوطني اليوم عند بعض المواطنين مما قد يكون ردّة فعل لغياب حسّ المواطنية عند الوطن ذاته، وكأنّ لسان حال بعضهم: وطنٌ لا يَعبأ بي، لا أعبأ به، ووطن مستعد للتفريط بي، مستعدٌ للتفريط به. ولذلك فإنّنا حتى نُنجز ثنائية الوطن والمواطن، لابدّ من أن نُطالب بحقوق وواجبات الطرفين. وعلى قدر ما يستشعر المواطن خدمة الوطن له يتفانى في خدمته.

وقد يكون في الوطن (أكثرية) و(أقلّية) دينية أو قومية، أو مركّبة من هذا وذاك، وقد تحظى الأكثرية بنسبة تصويت أعلى بحسب حجمها، لكن لا يعني ذلك أنّها تملك الوطن بأسره.. فالوطن للجميع، يتساوى أبناؤه في الحقوق والواجبات، وفي التمثيل البرلماني، والمثول أمام القضاء. والسؤال في بلد أو وطن فيه تعدُّدية دينية أو عرقية أو مذهبية أو أي لون تمايزي آخر، ليس هو: هل أنت مسيحي أم مسلم؟ هل أنت شيعي أم سنّي؟ هل أنت كُردي أم عربي؟ السؤال: هل أنت مصري، لبناني، عراقي، مغربي، لا لأنّ الدين بذاته يُفرّق، ولا لأنّ المذهب يدعو إلى التفرقة، ولا القومية تُشجّع على التمييز، ولكن لأنّ لافتة الوطن كجامع مشترك أعرض اللّافتات، وأوسع المظلّات، وأرحب الساحات وأطيب الموائد.

ليكن السؤال أيضاً: إن كنت مُسلماً حقّاً فكم أنتَ مع الإسلام في أخلاقه وسماحته واعتداله؟ وإن كنت مسيحياً حقّاً، كم تُمثّل من المسيحية في حبّها وعطفها وإنسانيتها؟ كم أنتَ مع قضايا وطنك وأُمّتك؟ كم هي خدماتك لبلادك في السرّاء والضرّاء؟ إعرفني من خلال هُويّتي الوطنية لا من خلال هُويّتي المدنية/ القومية؟ ومن خلال أخلاقي وتعاملي، لا من خلال ديني ومذهبي؟

إنّ من نِعَم الله تعالى على أي وطن أن تتعدّد فيه الأعراق والقوميات والديانات والثقافات والسياسات، والبلد الثريّ حقّاً ليس البلد النفطيّ الذي يعوم على بحيرة من نفط، وإنّما البلد الثريّ الذي يضمّ بين أحضانه أجناساً بشرية مختلفة ولكنّها متعاشرة متعايشة مؤتلفة، أي يعمل الجميع فيها في (طول) الوطن متآخين متسالمين، لا في (عرضه) متقاطعين محتربين يحاول كلّ منهم –كما هو قابيل مع هابيل- أن يلغي الآخر وأن يسقطه وأن يمحوه من التاريخ وأن ينفيه من الجغرافيا.

الدراسات الاجتماعية المعاصرة تؤكّد على استحالة حصر الناس وتذويبهم في بوتقة واحدة حتى ولو كانت البوتقة الوطن نفسه، إذ ليس من مهمات الوطن أن يتحوّل إلى (عصّارة مولينكس) أو خلّاطاً فخماً يخلط الجميع، بل من مهمّاته أن يُوظِّف التعدُّد لخدمته في العدالة والرقي والتكامل، وعلى ذلك كانت التعدُّدية وراء كلّ حركة تطوّرية ورقي علمي وفكري وعمراني، مما دعا بعض الباحثين الاجتماعيين كـ(كارل بوير) إلى اعتبار المجتمعات المفتوحة أمام الأفكار والرؤى، الأكثر قدرة على البقاء والأكثر استعداداً للرقي والنماء، وفي ذلك دليل على قوّتها وحيويّتها وتجدُّد شبابها، والمجتمع القويّ المتعافي، كالإنسان السالم القويّ الذي يستطيع تناول مختلف أنواع الغذاء الصحّي وهضمه وتمثله والانتفاع به وتحريره إلى طاقة في الفكر والعمل والإبداع، بل وتزداد المجتمعات والأوطان قوّة كلّما دخلت الأفكار المضادة فيها والتي تعمل على تحفيز القوى الخيّرة لمعالجتها أو التعاطي معها، مما يساهم في إثراء الفكر الإنساني وتقدُّمه، تماماً كما أنّ دخول الفيروسات إلى الجسم يُحفّز خلاياه ويمنحه القوّة ويكسبه المناعة.

 

التجربة الوطنية السويسرية:

تعتبر تجربة سويسرا المتعدّدة دينياً ولغوياً وقومياً رائدة في مجال الوحدة الوطنية والعيش المشترك. فهي، كما تُشير (الموسوعة السياسية) الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، مُتعدّدة الأعراق والأصول، وهي أوّل بلد في العالم من حيث عدد العُمّال الأجانب حيث تبلغ نسبتهم (12%) من إجمالي السكان الذين يبلغون الثمانية أو التسعة ملايين، ويتحدّثون ثلاث لغات رئيسة، وينتمون إلى ديانات مُتعدّدة، وقد شهد تاريخها صراعاً قومياً ودينياً طويلاً إلى أن تمّ التوافق بين أبنائها على نظام للسلّم الاجتماعي يقوم على الاتفاق بين الأقليات العرقية وعلى التعايش ضمن الوحدة الفيدرالية التي تضمّ (23) كانتوناً (محافظة).

وأمّا الحياد الذي عُرفت به سويسرا وحفظها لعشرات السنين على الرغم من حربين عالميتين دمّرتا أوروبا، فما هو إلّا حياد داخلي وانسجام وطني واحترام للحقوق والقناعات أوّلاً وقبل كلّ شيء. وتُعدّ سويسرا من أكثر الأنظمة استقراراً سياسياً واقتصادياً في العالم، حيث يتمتّع المواطن السويسري بأعلى دخل في العالم في ظلّ اقتصاد مستقر ونامٍ ومتطوِّر.

إنّ أجزاء الوطن السويسري عندما اتفقت على إطار مُوحَّد للتعايش السلميّ لم تفت بوحدة البلد أو تعيق حركته، بل أعطته استقراراً أكبر، وخلقت بين أبنائه ومواطنيه شعوراً وطنياً مشتركاً أو مُوحَّداً يقوم على أساس احترام الآخر والتزام حقوقه، كإطار وطني للوحدة، بدلاً من الأُطُر الأُحادية النظر التي تبتني على أساس إلغاء الآخر أو تذويبه، في الإطار أو المنصَهر العام. هذا في بلد صغير كسويسرا، فكيف يُنتظر يا تُرى من بلاد أكثر تعدُّداً وذات خصوصيات أغنى وتنوُّعات وثروات أكبر؟! إنّ تجربة سويسرا في الوحدة الوطنية تقول لنا أينما كنّا إنّ الأوطان قابلة (للجمع) لا (للطرح) و(التقسيم)!!

 

في الثقافة الوطنية:

ماذا نعني بالثقافة؟

هي باختصار (العلِم) و(توظيف العلِم) بالشكل الصحيح والمريح.. فإذا رأيت شخصاً مُتعلّماً يُمارس ما تعلّم بحكمةٍ وذوقٍ وحُسن تدبير وبتفاعل إيجابي مع الإنسان الآخر، فقل عنه أنّه (مُثقَّف). وليس للثقافة مجال حصريّ محدود، فلكلّ شيء اليوم ثقافة حتى تنظيف الشوارع. والثقافة (سلوك) قبل أن تكون (كميّة معلومات)، ولا يُطلق المُثقَّف إلّا على مَن استخدم المعلومة في سلوك إيجابي هادف ورصين.

وماذا نُريد بالثقافة الوطنية؟

هي أن نُحوّل (حبّ الوطن) إلى ترجمة عملية في (خدمته) و(تطويره) وتنقيته من (الرواسب) و(الشوائب) و(الملوّثات) و(المعيقات).. كلُّ مواطنٍ من موقعه وبحسب قدرته واستطاعته. هي أن لا ننتظر موظّف البلدية ليقوم بواجبه، بل أن نبادر إلى فعل ما يمكن فعله من تنظيف البيئة حتى ولو لم نستلم على ذلك أجراً أو مقابلاً، لأنّنا إذا لم نؤجر من (البلدية)، فإنّنا نؤجر من ثناء الناس على أعمالنا، ومن رضا ضميرنا عنّا، ومن قِبَل الله الذي لا يُضيِّع أجر العاملين المخلصين مهما كان صغيراً.

هذه بعض الدروس الخاصّة في الثقافة الوطنية عسى أن تتحوّل إلى (وعي) و(ذهنية) و(سلوك) عملي وتثاقف بين مَن يُمارس وبين مَن يرى الممارسة فتعجبه فيقتديها، أي إنّ بعضنا يُثقِّف عليها البعض الآخر بطريقة التطبيق العملي لا بالوعظ والإرشاد والتلقين، وعلى غرارها يمكن أن ننسج أو نستنسخ الكثير.

 

1- ثقافة البُستان:

·      البُستان لنا جميعاً.. لنتمتَّع بأشجاره المختلفة جميعاً.. عندك الفواكه وعندي الخضار، كُلْ من خضاري وأعطني من فواكهك، فلذيذُ العيش أن نشتركا.

·      إذا اقتطعت أرضك التي فيها فواكه ربّما خسرت خضاري، وإذا اقتطعت أرضي التي فيها الخضار ربّما خسرت فواكهك.. تعال نضيفُ طيبَ الخضار إلى حلاوةِ الفواكه.

·      هذا النهر الذي يقطع البستان يُروّي جميع أشجاره، لماذا نعمل على حجبه عن بعضها؟ لترتوي كلّ الأشجار حتى نستمتع بكلّ الثمار.

·      أبونا أوصانا أنّ البستان لنا جميعاً، لا يحقّ لأخينا الأكبر أن يستولي على البستان أو يصادره بحجّة أنّه الأكبر.. إنّه بستان الأُسرة كلّها، له حصّة ولنا حصّة وكلٌّ بقدره.

·      البستان يُوفّر لنا (المظلّة) و(النعمة) و(السعادة) ويشعر كلّ واحدٍ منّا أنّه له.. هكذا هو (الوطن).

 

2- ثقافة الشركة المساهمة:

·      في الشركات المساهمة يقف الجميع من واجباتهم وحقوقهم على مسافات متقاربة.. هي شركة الجميع، وفي الوقت نفسه، هي شركة كلّ مساهم.. هذا هو سبب نمائها، بركتها، ودوامها أيضاً.

·      الشركات المساهمة تدرّ أرباحاً على الجميع، وتُصيب خسائرها الجميع.. هدف المساهمين فيها (تحقيق أعلى الأرباح) وتقليص أو اجتناب الخسائر.

·      في الشركات المساهمة ينشط الجميع لإنجاح الشركة وإعلاء شأنها وسمعتها بين سائر الشركات، وأيّما تكاسلٌ أو تهاونٌ أو إهمالٌ أو تقاعس في خدمة الشركة وتنمية وإيراداتها وعائداتها واستقطاب زبائنها يلحق الضرر بكلّ مساهم فيها.

·      في الشركات المساهمة، لا يحق لمساهم -مهما ارتفعت درجته وعلا عنوانه- أن يُسيء للشركة، أو يخونها، أو يُشوِّه صورتها، أو يعبث بمقدّراتها، أو يستهين بواجباتها ومسؤولياتها، نعم لصاحب السهم فيها سهم ولصاحب السهمين سهمان، وهكذا والاستحقاقات في الشركات المساهمة بمقدار الأسهم المودعة فيها.

·      القرارات المفصلية في الشركات المساهمة بالإجماع أو بالأغلبية لأنّها مصيرية تهمّ الشركة ككلّ وتعني المساهمين جميعاً، بما فيهم المشتركين أو المساهمين الصغار.

·      (الوطن) شركة مساهمة كبيرة.. أو كبرى.. ولكلٍّ منّا فيها سهمٌ أو أكثر.

 

3- ثقافة البنيان المرصوص:

·      البنيان المرصوص ليس هو الذي أحجاره على مستوى واحد من الكمال.. والبنيان المرصوص فيه (الطابوقة "الآجرّة" أو "اللبنة" الكاملة) و(نصف الطابوقة) و(ربع الطابوقة)، وفيه القطع الصغيرة التي تُسَدُّ بها الفجوات والفُرَج والثغرات.. بكلّ هذه التشكيلة المتفاوتة الأقدار والحجوم يكون البناءُ مرصوصاً.

·      في البناء المرصوص لا غنى عن أيّة طاقة مهما كانت صغيرة.. وليس في البنيان المرصوص طاقات صغيرة: «لا تحقّرنّ من المعروف شيئاً».. كلّ طاقة إيجابية مهما كان حجمها فهي كبيرة.

·      إهمال الطاقات الصغيرة، تهميشها، احتقارها، ركنها جانباً، لا يخلخل البنيان المرصوص فقط، وإنّما يدفع المهمّشين، المهملين، المنبوذين، المحرومين إلى إسقاطه.

·      لكلِّ حجر في البناء المرصوص موضعه الملائم ومكانه المناسب، وإذا أحسَن البنّاءون توظيف مواد البناء بشكل جيّد وسليم وضمن هندسة البنيان العام، سوف لا تظهر التفاوتات والتباينات، بل تبرز اللبنات المؤتلفة.

·      المشاريع الكبيرة لم تكن كبيرة في البداية، بدأت صغيرة ثمّ كَبُرت شيئاً فشيئاً.. اجتمعت طاقات كبيرة وصغيرة حتى انتهت إلى صناعة هذا الكبير الأكبر الذي تراه الآن.

·      إذا لم تسمح ظروفك وإمكاناتك -لسبب أو لآخر- أن تُشاركني وتُساعدني في البناء وإضافة لبنة إلى لبنة، ففي الأقل لا تعمل على هدم ما بنيتهُ أنا!

يقول الشاعر:

متى يبلغُ البنيانُ يوماً تمامَهُ                إذا كنتَ تبنيهِ وغيرُك يهدمُ!

وقال آخر عن وضع أسوأ من الأوّل:

أرى ألفَ بانٍ لا يقومُ بهادمٍ               فكيفَ ببانٍ خَلفَه ألفُ هادمٍ!!

·      ربّما لا نقدر على المشاركة في البناء وإضافة لبنات أخرى إلى لبناته لعوائق وموانع وأعذار شرعية تحول دون ذلك، يجملُ بنا ويجدر، أن نُشجّع البنّائين ونُصفّق لهم ونشدّ على أياديهم ونبارك لهم روحية البناء.. تشجيعنا مشاركة!! علينا أن نحمي ما بنوه.. حمايتنا للبناء مشاركة!!

·      (الوطن) بنيانٌ مرصوص.. نحنُ لبناتُه!!

 

4- ثقافة (كلّكم راعٍ.. وكلّكم مسؤول):

·      (كلّكم راعٍ) تحت يديه رعيّة يجب أن يُحسن رعايتها.. و(كلّكم مسؤول) في الموقع الذي يشغله من دائرة العمل الكبيرة.. هو عُرضة للمسائلة لأنّه مُكلَّف بالعمل الذي ارتضى أن يكون جزءاً أو فرداً من فريقه الواسع الكبير.

·      (الوطن) ليس هُويّة مجرّدة، ولا عنواناً اعتبارياً، ولا هو وساماً يُعلَّق على الصدور، ولا عَلَماً يُرفرف في أعالي البنايات.. هو (عمل) و(إنتاج) و(مساهمة) و(تعاون) و(إصلاح) و(ترافد) و(تراشد) و(تعاضد) و(تواصي بالحقّ وبالصبر).. (الوطن) رعاية الكلّ.. ومسؤولية الجميع.

·      في أمثال الأُمم والشعوب: «عملُ كلِّ أحد هو عملُ لا أحد».. عملي الخاص والمُخصَّص والمُكلَّف به لو تركته للآخرين لا يقوم به الآخرون.. سيترك هملاً من غير أن يعتني به أحد.

·      شعورك السعيد، وضميرك المرتاح، وشخصيتك الممتلئة بالرّضا أنّك قمت بعملٍ ما يُجنّب الناس المخاطر ويجلب لهم المنافع.. أكبر مكافأة تتلقّاها على إنجاز حتى ولو لم تسمع من الغير (كلمة شكر)، أو تتلقّى منهم (مكافأة)، أو كتاب ترقية وتقدير.

·      كلمات من قبيل (شَعْلَيّة)[4] أو (شو خَصني)[5] أو (شو دَخلي) أو (ميهمنيش)[6] اللّاأبالية، الأنانية، غير المثقَّفة، وغير الدينية، وغير الحضارية، والخالية من المروءة، والمتعالية على (العمل)، والمترفِّعة على (المسؤولية).. لابدّ أن نلغيها ونسقطها من قاموسنا اليومي لأنّها الإرضة التي تأكل خشبنا من الأسفل لتطيح به من الأعلى.. لنأخذ إذاً بمبدأ "كلّكم راعٍ.. وكلّكم مسؤول"! خدمةً لوطننا ومواطنينا.. به نفلح وننجح، ونربح أيضاً.

 

5- ثقافة الجبهات الخلفية:

·      في المعارك والحروب تنقسم الجبهة القتالية إلى جبهتين: (أمامية) يحتدم فيها القتال، ويجري فيها تبادل إطلاق النار.. و(خلفية) هي جبهة إمداد وإسناد، ولا تستطيع الأولى أداء مهام عملها بشكل دقيق وكامل من غير عمل وتغذية ورفد الثانية.

·      تقوية الجبهة الخلفية تقوية وتعضيد للجبهة الأمامية.. هي خلفية من حيث الموقع، ولكنّها أولى وشديدة الأهميّة في تقديم العون المتعدّد الأشكال للجبهة الأمامية.. ولا نجاح للجبهات الأمامية من غير دعم وعناية واهتمام بالجبهات الخلفية.

·      الجبهة الخلفية (جذور الشجرة)، والأمامية (فروعها وأغصانها).. لا تنمو شجرة في العالم نموّاً سليماً من غير الأملاح والمياه التي ترسلها الجذور إلى الأغصان.. الشجرة كلٌّ متكامل بجذورها وجذعها وأغصانها.. هكذا هو الوطن! جذوره الأجداد الذين بنوه، وأغصانه نحن أبناؤه الذين نواصل البناء ونحافظ عليه، وفروعه أولادنا الذين يحفظونه من العاديات ومن الممات.

·      (الجنود المجهولون) هم الذين يعملون وراء ستار.. عملهم كبير جبّار لا تراه العين، لكنّ الإنجاز الذي رأى النور في النهاية هو بعضُ صناعتهم، وإخلاصهم، وحماستهم، بدونهم تبقى الأعمال ناقصة والوطن أعرجاً! أو أصفر اللون يشتكي فقر الدم! عندما نشكر (المُنجِز) أو (المُنتِج) يجب أن ننسى أنّهم جزء لا يتجزأ معه.

 

6- ثقافة المال العام مُلك الجميع:

·      هذا ليس مُلكي الخاص حتى اتصرَّف فيه تصرُّف المالك.. هو (مالٌ عام)، (مُلك للجميع) لا يحق لي أن استأثر به، أو أن أُعطبه، أو أن أُعطِّله، أو أتلف بعض محتوياته.

·      (الشارع) لمرور العامّة، لا يجوز لي أن أعرض بضاعتي فيه، أو أن أجلس في منعطفاته لأُضايق المارّة، أو أن أُلقي عليه فضلاتي لأُسبّب لأبناء شعبي مشاكل صحّية ونفسية ومادّية أيضاً.. هو ليس (شارعي).. هو شارعنا.

·      (الحافلة) سيارة للنقل العام، لا يجوز لي أن أفسد مقاعدها، أو أُدخّن فيها، أو أرمي نفاياتي على أرضيتها، أو أكتب على جدرانها، أو أضع بضاعتي في أماكن الجلوس.. هي ليست سيارتي.. هي سيارتنا.

·      (الحديقة العامّة) أو المتنزّه، اسمها يدلّ عليها.. كيف يجوز لي أن أقطع أشجارها أو أزهارها؟ كيف يحق لي أن أعبث بنظامها ونظافتها؟ مَن أعطاني الحقّ في أن أُخرّب وأُشوّه جمالها؟ مَن منحني حقّ الاعتداء على ما ليس لي بحقّ.. إنّها حديقة لاستراحة واستجمام واستمتاع الجميع.. ليست حديقتي الخاصّة.

·      (المكتبة العامّة) لكلّ قُرّائها ومستعيري كتبها.. لا تُقدّم كتبها هدايا أو بالمجان لروّادها.. هي تَتكرّم بأن تتيح لهم مكاناً لائقاً للمطالعة والبحث والقراءة والكتابة ومن غير مقابل، هي ليست (مقهى) لمداولة الحديث، ولا كتبها كتبي فأُهمّش على بعضها، وأضع خطوطاً على بعضها، أو اقتطع أوراقاً من بعضها، أو أكتب اسمي للذكرى على بعضها الآخر.. هي (أمانة) والأمانات عادةً تُستَرجع سالمة كما هي.. لو استلمتها سالمة وأرجعتها سالمة، هناك كثيرون غيري سوف يستفيدون منها.

·      حتى أماكن الاستراحة (المراحيض) العمومية.. هي لكلّ أبناء الشعب، فلا يليق بي أن أحوّلها إلى لوحات للإعلان، أو صُحفاً للبذاءات، أو بؤراً للأوساخ والقذارات والمهملات، أو أترك مياهها مفتوحة مهدورة.. هي معدّة لراحة (الجميع) لا لي لكي أعبث بها كيف أشاء.

 

7- ثقافة مُهندسي النظافة!

·      في (اليابان) يُسمّى الزبّال أو جامع القمامة بـ(مهندس النظافة)! هذا ليس تلاعباً بالألفاظ، أو مجرد تطييب للخواطر، هذا تقديرٌ عالٍ لمهمّة عامل النظافة في إزالة ما يشوّه جمال البلد أو الوطن، ويجعل وجهه ناصعاً وأكثر جمالاً وعافيةً وإشراقاً.

·      (الزبّال) أو (الكنّاس) أو (جامع النُفايات) ليس وظيفة عُمّال البلدية الذين يحملون شرف خدمة شعبهم عن هذا الطريق فقط.. هي مسؤولية أبناء الشعب جميعاً وبلا استثناء!

·      رفع قمامة صغيرة من الطريق يحول دون تراكم الفضلات والمهملات والنُفايات وقد يُوفّر أموالاً طائلة يمكن أن تنفق في ما هو أنفع.. وقد لا تكون النُفاية في البداية مضرّة بالصحّة وبجمالية البيئة، بعد حين، عندما تتفسّخ، أو تنضمّ إلى أخواتها أو نظيراتها من القاذورات، يتحوّل الشارع إلى (مكبّ نُفايات) أو (حاوية قمامة)!

·      نظافة المدينة كنظافة البيت.. هي نظافة البيت الأوسع.. هل أقبل أن تتكاثر في بيتي الأوساخ، ويكون بُؤرة للقاذورات وأنا لا أبالي ولا أكترث؟!

·      هندسة النظافة.. ثقافة، ذوق، حسّ جمالي، احترام للآخر، صحّة عامّة، سلامة بيئية، هي مسؤولية جماعية، تضامنية، وطنية، تبدأ بالبيت، والمدرسة، والمحلّ، والمحلّة، والشارع، والمدينة، والأماكن العامّة كالمساجد والحدائق ودوائر ومؤسسات الدولة.. ضَعْ بصمتك النظيفة لتساهم في إطلالة وطنٍ مفعمٍ بالجمال، أنت أوّل مَن يستمتع به.

 

8- ثقافة: احترم القانون.. يحترمك:

·      (القانون) وسيلة من وسائل النُظم والضبط والرقيّ الاجتماعي، بل والتنمية الاجتماعية أيضاً.. هو ليس (سوطاً) ولا (سجناً) ولا (غرامة) ولا (لائحة عقوبات).. هو إجراءات إصلاحية وعلاجية ووقائية قبل أن يكون سيفاً مصلتاً على رؤوس المخالفين والمارقين والخارجين على القانون.

·      (القانون) تربية.. تهذيب للأخلاق والتصرُّفات، تنظيم للسلوك والعلاقات، هو لمصلحة السلامة العامّة من خلال ضبط التهوُّر الفرديّ والاستهتار الجماعي.

·      لولاه.. لولا (القانون) لازدادت نسبة الجرائم والمخالفات، ولارتفعت معدلات العنف والفساد، وتفاقمت أرقام السرقة والاختلاسات، وتكاثر عدد اللصوص والمستهينين بأرواح الناس.. هو (مصدٌّ) و(سورٌ) و(سدٌّ) و(حارسٌ) نهاريّ وليليّ.. هو (عيني) حينما (تغفل) أو (تنام).

·      احترام (القانون) ثقافة.. تحضُّر، تربية وتعليم، تعبير عن نقاء ضمير، وعن ثقة عالية بالنفس.. يحترم نفسه، والآخر، والجماعة، والوطن.. مَن يحترم القانون، ويَهين الجميع وأوّلهم نفسه، من يَهين القانون.

·      التوازن بين قوى ضبطية متعدّدة ضمانة لسلامة أكبر: قوّة القانون.. الوعي الوطني، الوعي الديني، احترام العادات والتقاليد والأعراف المُهذِّبة للسلوك.. كلّ ذلك يعمل (لأجلي) وليس -كما يتصوّر الخارجون عن القانون- بأنّه (ضدّي)! أو قيد لتقييد حرّيتي.. إنّه موضوع لسلامة (الوطن) و(المواطنين).. لو لم يكن إلّا هذا لاحترمته.

·      الأوطان والمجتمعات المتحضّرة دول قانون.. لا لضبط حركة السير والمرور في الشوارع الداخلية والخارجية فقط، بل لضبط حركة السير في المنشآت العامّة، والمرافق الحيوية.. هي لحماية الإنسان من نفسه أكثر منها قيود لتضييق حرّيته!

·      حتى لو خالف القانون الكثيرون، لا يُبرّر لي ذلك أن أكسره، أتجاوزه، أتحايل عليه، أتلاعب به، أدير ظهري له بتعالٍ واستنكاف.. التزامي به ربّما يدفع غيري للالتزام به.

·      كلّنا أمامه متساوون.. ذلك (وطنٌ) يحترم أبناؤه القانون.. ويحترمهم القانون، فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون!! فإذا لم يكن (القانون) اخترعنا (القانون) لحاجتنا الأساسية إليه!!

 

9- ثقافة (الحرّية):

·      (الحرّية) في إطارها الوطنيّ.. (اختيار) و(تعبير) و(مسؤولية).. هي ممارسة الاعتقادات والعادات والعبادات والتقاليد والهوايات من غير إكراه أو إجبار أو منع أو حِجر أو تسلُّط.

·      الالتزام بالتعليمات والقوانين والضوابط لا يناقض الحرّية، لكنّه يُهذِّب التهوُّر والانفلات والجموح الغرائزي أو الانفعالي، هو (تقنين) لا (تقييد)!

·      إيذاء النفس وإذلالها وتعريضها للمهانة والإنتقاص ليس من الحرّية في شيء.. وخيانة الوطن ليست حرّية، والعبث بمشاعر الناس والتلاعب بعواطفهم ليس حرّية، والغش والفساد والتخريب والتعاون على الإثم والعدوان ليس حرّية.. هذا وأمثاله إنفلات، تسيُّب أخلاقي، جريمة نكراء، والحرّية أخلاقٌ كلّها!

·      ليس للحرّية جنسية حصريّة، هي ليست للذكور فقط، ولا للإناث فقط، هي لكلا الجنسين في حدود الالتزام والاحترام لقيمتها في (الاختيار) و(اتّخاذ القرار)[7]، لا في الاستهتار واختراق الأسوار، والاعتداء على الجار، وإشعال النار، والاحتكار، والتسبُّب في الأضرار.

·      الحرّية (رصيدٌ) وليست (حساباً مفتوحاً).. هي قابلة للنفاد عندما تتجاوز حدودها لتنتهك حرّيات الآخرين وتُسيء إلى كراماتهم ومعتقداتهم ومقدّساتهم وخصوصياتهم.. إذا تَعدَّت الحرّية مساحتها إلى (الضرر) و(الخطر)، لا يصحّ تسميتها حرّية.

·      إذا كانت (الحرّية) حقّاً لكلّ مواطن، فلماذا لا تُستَثمر في (الخير) و(الصلاح) و(تنمية الذات) و(بناء المجتمع) وإعلاء شأن الوطن؟! لماذا لا تكون (منتجة) و(بنّاءة) و(هادفة)؟!

·      حينما نكون جميعاً على مركب واحد، لا يحقّ لك أن تثقب المكان الذي أنتَ فيه بحجّة أنّه مكانك الخاص وأنت حرّ تفعل فيه ما تشاء.. هذه ليست حرّية، هذا تهديد لسلامتك ولسلامة الآخرين.. فإذا منعوك نجوتم جميعاً، وإذا تركوك هلكتم جميعاً.

 

10- ثقافة (الأسنان البيضاء):

·      الباحثون عن السلبيات لا يرون من جثة الكلب المتفسِّخة إلّا نتانتها ورائحتها المزكمة للأُنوف.. الإيجابيون يلتفتون إلى أسنانه البيضاء! شمّوا (الرائحة) القبيحة.. لكنّهم فتّشوا عن (الجميل) في (القبيح)!!

·      (الأسنان البيضاء) موجودة في كلّ قبيح.. إبحث أو فَتّش عنها.. هي في زاوية ما من كثافة القبح والرداءة.. عَوِّد نظرك على أن يرى (الإيجابي) المحدود داخل أو ضمن (السلبيّ) الكبير والكثير في مسعىً جاد لتقليص السلبيّ وطرده، واكتشاف الإيجابي وتنميته.

·      إذا رَكّزت النظر في (الجثة المتفسِّخة)، كنت جزءاً من (المشكلة).. أمّا إذا حَدّقتَ في (الأسنان البيضاء) أصبحت جزءاً من (الحلّ)! الجميع يشمّون النتانة.. القليلون يرون الأسنان البيضاء.. كُنْ من القلّة!!

·      قد لا يرى العميان (أسناني البيضاء)، لكنّهم يستطيعون أن يروا إشراق بياضها من خلال تحيتي الدافئة، وكلماتي العذبة، ومصافحتي الحارّة.. حتى (الأعمى) يمكن أن يرى الأسنان البيضاء!! أرِ العميان ابتسامتك الزهراء وأسنانك البيضاء حتى يتعلّم منك الأصحّاء!!

 

11- ثقافة (الحلول الدبلوماسية):

·      ليست كلّ العُقد مستعصية لا تُحلّ إلّا بـ(الطريقة القيصرية).. بعضها يتطلَّب شيئاً من الصبر، وبعضها الكثير من الصبر.. مع (الصبر) و(الحكمة) و(التريُّث) و(التعقُّل) و(الاعتدال) تُحلّ أعقد العُقد وأعصى المستعصيات.

·      هناك طريقان للخلاص من المشكلة: (الحلّ العسكري) و(الحلّ الدبلوماسي).. الأوّل يُحسم بالنار، والنار عادةً لا تبقي ولا تذر.. والثاني يُحسم بالعقل.. والعقل (قوّة ناعمة) تُحسم ولكن بأقلّ الخسائر، وربما بدونها أحياناً.

·      (التغافل)، (التنازل)، (التساهل)، (عدم المقابلة بالمثل)، (التعالي عن الانفعال وردّ الفعل)، (النظر إلى أبعد من الآن واللحظة)، (التضحية بالقليل من أجل الكثير) من أدوات العقل الدبلوماسية المفيدة جدّاً في الحلّ.. حلوله متزنة.. رفيقة، لطيفة، تعملُ عملَ (إطفائيّ الحرائق) لا عمل مُشعلها أو مؤجِّجها أو صابّ الزيت عليها.

·      بدلاً من إطلاق النار، أو التراشق بالكلمات النارية، أو الرجم بالحجارة، وإحراق الدواليب لقطع الطريق، الجلوس إلى طاولة حوار قد يرفع عن الطريق الكثير من الحجارة والدخان والنار!

·      لـ(الحرب) أو (الاحتراب) طريق واحد.. للدبلوماسية طُرقها المتعدّدة، إذا لم تنفع واحدة جَرِّب الأخرى.. بالدبلوماسية لا تخسر شيئاً.. في الحرب تخسر الكثير.. في الدبلوماسية قد تربح نفسك إذا خسرت الإقناع، وفي الحرب تخسر كلّ شيء لأنّك ضحّيت بالدبلوماسية.

والثقافة الوطنية لا تقف عند هذا الحدّ، ولكنّها مفردات في منهج التربية الوطنية التي يجب إعادة النظر فيها لأنّها الحجر الأساس في منظور وطنيّ مختلف، ولقد أحببنا أن نعرض لبعض ما نراه مفيداً لتكون منطلقاً في إعداد المواطنة الصالحة، ولكي ترسم ملامح مفهوم أعمق للوطن خصوصاً بعد التغييرات التي طرأت على مفهومي الوطن والوطنية إثر ما أُطلق عليه من ثورات الربيع العربيّ، فشَطَّرت الوطن وظَبَّبت مفهوم الوطنية.

 

رؤية للوحدة الوطنية:

تُعرّف (المواطنة) على أنّها (الاعتراف) بالآخر وبحقوقه كمستوى عالٍ للمفهوم، وإلّا فهي في حدّها الأدنى (قبولُ) الآخر والتعايش معه وفقاً لحقوق مشتركة يتقاسمها جميع المواطنين، وهذا الفَهْم يفترض أنّ المواطنين متساوون في انتمائهم الوطني بالحقوق والواجبات، ويقتضي تبعاً لذلك أنّ الولاء للوطن مُقدَّم على غيره من الولاءات، على اعتبار استيعابه للتنوُّعات الوطنية، التي مهما تعدّدت فهي واحدة من ثلاثة:

1- التنوُّع العرقي (القومي).

2- التنوُّع الديني (تعدُّد الأديان).

3- التنوُّع المذهبي (تعدُّد المذاهب والطوائف).

ويمكن أن يُضاف إلى هذه التنوُّعات الأساسية (التنوُّع الفكري) في تياراته السياسية المتعدّدة، و(التنوُّع الحزبي) في اختلافاته الحركية الكثيرة. فكيف يمكن أن نُحقّق لوطن تعدُّدي موزائيكي فسيفسائي نوعاً من الوحدة التي تحفظ له رفاهيته واستقراره وأمنه، وتكفل له تقدُّمه وازدهاره؟

أُجيب عن هذا السؤال إجابات متعدّدة، تلتقي في مجملها عند (تغليب) الوطني على (العرقيّ) و(الدينيّ) و(المذهبيّ) و(السياسيّ) و(الفكريّ) بحيث يكون هو الحل الأمثل انطلاقاً من فكرة (التسامح) و(الاحترام) والاعتراف المتبادل بين الجميع بما لا يلغي أو يصادر خصوصيات الآخر ولا يتصادم أو يتنافر معها، فلا عدوان على الآخر (حتى ولو كان أقلّية)، ولا اضطهاد لخصوصياته (حتى ولو اختلف معي في الفكر والعقيدة 180 درجة). وتأصيل ذلك هو (حرّية المعتقد) في التنوُّعات الدينية والطائفية: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة/ 256)، و(الضوابط القانونية) في الاختلافات القومية.

يقول الشاعر:

ما دمتَ محترماً حقّي فأنتَ أخي   آمنتَ بالله أم آمنتَ بالحجرِ

غير إنّنا ونحن نحاول إرساء تصوُّر عملي لوحدة وطنية أكثر تسامحاً وتماسكاً مما يعيشه واقع الأوطان الهشّ، يجب أن لا نغفل حقيقة ميدانية لها مصاديقها المتعدّدة في وطننا العربيّ والإسلاميّ، وهي أنّ انعدام التسامح لا يحصل فقط في البلدان التي فيها (أكثرية) حاكمة و(أقلّية) محكومة، بل قد يحصل العكس أحياناً، حيث تتحكّم أقلّية بمصير الأكثرية من خلال مشكلتين كبيرتين:

1- التهميش أو (الحرمان).

2- القسوة الشديدة في التعامل (البطش).

وسنلاحظ انعكاس ذلك في ردّات الفعل العنيفة أو العنفيّة التي يخلقها هذان الإجراءان الاستبداديان، مما يُرجع حالة التشظّي والانقسام الوطني وربّما الذهاب إلى الحرب الأهلية أيضاً، إلى هذين العاملين الكارثيين اللذين يضربان الوحدة الوطنية في صميم الصميم.

وفي حين تنظر الدول المتحضّرة إلى مسألة التنوُّع بكلّ أشكاله: القومية والدينية والفكرية والطائفية والسياسية والاقتصادية على أنّها داعية ثراء ونماء وبركة وعطاء، وسبباً من أسباب تطوُّر الوطن وتقدُّمه، على عكس ما لو كان يخلو من التعدُّدية أو تتقلّص ملامحها ومواردها فيه، فلابدّ من إعادة النظر الجدّية في أنّ التعدُّد (نعمة) وليس (نقمة)، وهو يمكن أن يرتقي بالوطن، لا أن يكون عاملاً من عوامل تخلُّفه وإثقاله بالمشاكل والنزاعات والحروب.

إنّ التنوُّع العرقي أو القومي، على خلاف ما يُصوّره بعض الوحدويّين، يمكن أن يُشكّل لوحة ثقافية واجتماعية واقتصادية وروحية متعدّدة الألوان والنكهات، لاسيّما إذا اعترفت إحدى القوميات بالأخرى في إطار الوطنية المشتركة التي تحدّثنا عنها في (ثقافة البستان) و(ثقافة الشركة المساهمة)، وفي ما أشرنا إليه من مثال سويسرا في قدرتها على تخطّي الفوارق واستثمارها كيما تكون روافد قوّة وبناء وتطوّر.

وهذا ما تحدّث عنه القرآن بواقعية أو موضوعية لافتة: ﴿وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ﴾ (الحجرات/ 13).. فلم يكن التعدُّد -من وجهة نظر قرآنية- سبباً للافتراق والاحتراب والتطاحن، بل هو في أصل جعله أو نشأته دافع من دوافع (التعارف) الذي ينفتح على كلّ ما تتضمّنه كلمة التعارف من تعاطٍ وتعاونٍ وتعاضدٍ ومؤاخاة وتبادل للخبرات والتجارب والثقافات والمعلومات. فضلاً عن أنّ الدساتير تكفّلت في حلّ مشكلة النزاع العرقي أو القومي في إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه سواء أكان ذلك في (الحكم المحليّ) أو (مجالس المحافظات) أو (الأقاليم) في ما يُعرف بـ(الفدرالية)، بحيث يكون للإقليم حُكمه الذي يتناسب مع خصوصياته، وله ارتباطه المقنَّن بالمركز الذي يُنظّم علاقة ارتباطه به من جهة، وعلاقته بالأقاليم الأخرى من جهةٍ أخرى بما يُحقّق نوعاً من الوحدة الوطنية داخل أو ضمن التعدُّدية القومية والدينية والمذهبية.

وأمّا التنوُّع الديني، فهو الآخر ليس سبباً وجيهاً أو مشروعاً من أسباب الاحتراب أو الانشطار الوطني، ذلك أنّ الأديان جميعها داعية وحدة واتّحاد.. وإذا كان ثمّة تناقض أو تعارض في المسارات الدينية، فلا يُعزى سبب ذلك إلى التعدُّدية الدينية وإنّما إلى ضحالة الوعي الديني عند أصحاب هذا الدين أو ذاك.. وحينما ننظر إلى المشكلة من وجهة نظر إسلامية، نرى أنّ القرآن يدعو إلى وحدة الأديان، يقول تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (البقرة/ 285).

وكما لم تكن هناك أيّة مشكلة أو نزاع بين نبيّ ونبيّ، ورسول ورسول، يفترض -بناءً على وحي هذا التآخي النبويّ وبموجب هذه الوحدة الرسالية- أن لا يكون هناك نزاع بين أتباع هذا الدين أو ذاك.

 

مستويات المعالجة للاحتقان الديني:

لكن هذا الكلام الذي يبدو نظرياً أو افتراضياً ولا يقترب من الواقع الذي يُعاني من تأزُّمات واحتقانات دينية حقيقية بين أتباع الأديان، عالجه القرآن على ثلاثة مستويات من المعالجة:

1- (قول التي هي أحسن) أي تحسين لغة الخطاب الديني لكي تبتعد عن لهجة التهجُّم ونبرة السِّباب والشتائم، ومنطق التشويه والتسقيط والإقصاء والإلغاء، بل تعتمد أسلوب الاعتراف والاحترام وعدم التعدّي على الآخر الذي إمّا هو (أخٌ) في (الدين) أو (نظير) في (الخَلق) والإنسانية، قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ (الإسراء/ 53)، أي إنّ أحد أساليب الشيطان الإيقاعية والتخريبية بين الناس عموماً وبين أصحاب الديانات خصوصاً هو هذه المهاترات اللفظية، والمراشقات الكلامية، التي تُشعل نيران الفتنة والفرقة التي إذا اندلعت لا توفّر أحداً بل تأكل المُشعِلين والمُشتعلين معاً، والحرب -كما يُقال- أوّلها كلام.. وقوله سبحانه: ﴿يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ دعوة إلى اختيار أفضل أساليب الخطاب، وأطيب أجواء التخاطب والتحابب والتقارب، لأنّ من الكلام -كما يُقال- (مُحَنِّنٌ) و(مُجَنِّنٌ)!

2- (المجادلة بالتي هي أحسن)، لقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل/ 125)، والمجادلة هي الحوار الذي إذا ارتقى -كما هي لغة الخطاب- إلى سويّة احترام المُحاوِر للمُحاوَر من موقع الاعتراف به واحترام شخصه، وخصوصياته، وقناعاته، وأدلّته، وآرائه، ومتبنّياته، انتهى ذلك إلى اللقاء والالتقاء عندما يُعبّر عنه القرآن بـ(الكلمة السواء)، قال عزّوجلّ: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلا اللّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران/ 64).. ولذلك كان على (حوار الأديان) أن يستحضر هذا المعنى الذي يُقرّب الشقّة ويردم الفجوة، ويجمع على التقوى، ويُقلّص الفجوة أو يردم الهوّة، إذاً أبناء الديانات مجتمع واحد وإخوةٌ متحدون، ويمكن التقدم في ذلك خطوة إلى الأمام بما يمكن أن نصطلح عليه بـ(تحالف الأديان).

3- (الدفع بالتي هي أحسن)، في قوله سبحانه: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصِّلت/ 34).. والدفع بالتي هي أحسن هو ما يُصطلح عليه اليوم بـ(الأسلوب الدبلوماسي) للحلّ، الذي يُجنّب الأطراف المتنازعة ويلات حربٍ ضروس قد تنشبُ بينهما مُخلِّفة أسوأ الأضرار وأعمق الأخطار، ويا طالما لعبت الدبلوماسية الحكيمة دور إطفائيّ الحريق الذي يتدخّل في الوقت المناسب لا لإخماد الحريق في أوّل اشتعاله، بل للحيلولة دون اندلاعه أصلاً.

من هنا لم يَرتضِ القرآن اعتبار دين أفضل من دين بناءً على توهُّمات ذاتية، وتصوُّرات متعالية، وأُمنيات فارغة، بل حتى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (آل عمران/ 85)، هو دعوة للوحدة الدينية تحت مظلة عنوان ربّاني كبير وهو إسلام الوجه لله تعالى، أو التسليم له بالطاعة، وهو غاية الديانات كلّها، بقطع النظر عن الأسماء والعناوين الدينية.. فمن يُسلِّم لله تعالى بالطاعة فهو المُسلم، يهودياً كان أو نصرانياً أو مُسلماً أو أي صاحب دين آخر.

ولعلّ دعوة القرآن هذه ناجمة عن أنّ (وحدة المنهج) تؤدّي إلى (وحدة الموقف)، وبحسب المصطلحات الوطنية السائدة تُفضي إلى (الشراكة الوطنية) وإلى (التعايش الوطني) وإلى (الوحدة الوطنية)، بل إلى لُحمة وطنية متماسكة ومتسامحة يصعب فسخها أو تمزيقها أو تفتيتها، لأنّ وعي (ما نريد) يغلب حينذاك مؤامرة (ما يراد) منّا وبنا.

ولذلك، فنحن قد نختلف مع الرأي الداعي إلى تغليب (الوطني) على (الديني) لا من حيث أصل الفكرة، إذ يبقى المشترك الوطني -من الناحية الميدانية الواقعية- أوسع دلالة وأرحب خيمة وأعلى جناحاً من التنوُّعات الأُخرى التي دَبَّ فيها السياسي، واندسّ فيها الخارجي، وتغلغل فيها التاريخي، وغاص في أعماقها النفسي، لكنّ (الوطني) المشتركَ أو المتّحد الذي ندعو إليه جميعاً هو (شعور) قبل أن يكون (شعاراً)، و(مضمون) و(تضامن) قبل أن يتضمّن أُمنيات عاطفية تراود خواطر أبناء الوطن الواحد وينشدونها في أناشيدهم فقط، على الرغم من تعدُّدهم القومي أو الديني أو المذهبي أو الفكري أو السياسي.. بمعنى أنّنا لابدّ أن ننطلق في تربيتنا الوطنية لإرساء وحدة وطنية من وعينا الديني -على اختلاف مشاربه وألوانه-.. فالأديان كلّها -بما أنّها تعالٍ على الأنانيات والفئويات الضيّقة- بلا استثناء تُرحّب وتدعو إلى (حبّ الوطن) وتعتبره من الإيمان.. ولكي تُصان وحدة الأوطان، لابدّ من أن نُغذّيها بهذا الحرص أو الغيرة أو الوعي الديني المرتكز على الانشداد إلى الوطن بصفته حاملاً للمواطن وحاضناً لقيمه وتأريخه وأخلاقه وتطلُّعاته، ورافضاً لأيّة خيانة وطنية تُصدِّع البنيان وتهزُّ الأركان، سواء كانت خيانة التقصير في أداء الواجب والخدمة والمسؤولية، أو خيانة بيعه للأجنبي أو التفريط بحقوقه وسيادته وزعزعة أمنه واستقراره.

وأمّا بشأن التنوُّع المذهبي، فلقد خلصت الدراسات المعنية به إلى أنّ الصراعات الطائفية هي في جانب منها (تاريخية) أكلَ الدهر عليها وشرب، والله تعالى يعظنا بقوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة/ 134)، أي اتركوا التاريخ للتاريخ والماضي للماضي وخلافات الأمس للأمس، وانشغلوا بما أنتم مسؤولون عنه، لأنّ مسؤوليتكم هي حاضركم الذي تعيشون فيه لا الماضي الذي عاش فيه آباؤكم وأجدادكم، فلماذا تُخرّبون حاضركم وتفسدونه بما تجرّون إليه من صراعات الأمس البعيد الذي تفتّت عظامه واندرست قبوره ولم يبقَ من أهله أحد.. لماذا لا تكونون من صُنّاع الحاضر لا من نبّاشي القبور؟!

وفي جانب منها (فكرية) يمكن النقاش حولها والبحث فيها والحوار بشأنها حيث كلٌّ يدلو بدلوه ويُقدِّم رأيه وحجّته وبرهانه، والأفكار -عادةً- تُقرع بالأفكار ولا تُرجَم بالبيض الفاسد والحجار.. فإذا أدليت برأيك مستنداً إلى الدليل، وأتيت بحجّتي قائمة على البرهان، فلا ضيرَ عليك ولا غضاضةَ عليَّ، رأيك محترمٌ لأنّه نتاج فكر ويقوم على دليل، ورأيي محترمٌ لأنّه نتاج فكر ويستند إلى دليل.

وفي جانب منها (سياسية) وهذا هو أخطر أبعادها وأسود صفحاتها، حيث يمكن التغاضي عن الماضي، ويمكن التقارب والتلاقي في الأفكار.. أمّا إذا دخلت السياسة عابثة مفرّقة، فقد دخل الشيطان بالويل والثبور وعظائم الأمور، سواءٌ أدخلتِ السياسةُ من بابٍ داخلية لتُطيِّف السياسيّ وتُمذهِب أو تسيِّس الطائفيّ وتُعلِّبه، أو أتت من باب خارجية تلعب على التناقضات والنزاعات وتنفخ في الجزئيات وتُضخِّم السلبيات، وتُثير الحسّاسيات والفتن والنعرات.. واليد الخارجية، مهما كانت طويلة أو متطاولة، يمكن قطعها لو أنّ اليد الداخلية صافحت بعضها بعضاً، وتشابكت، وتراصت لحمل المسؤولية، ولدفع الخطر الداهم على الدين ككلّ لا المذهبية والطائفية المحصورة في الذاتيات، ذلك أنّ اليد الخارجية، وكما كشف تاريخها الخبيث الطويل، لا تطلب رأس طائفة دون طائفة، أو مذهب دون مذهب، بل تعمل على الإطاحة برؤوس الجميع بإطاحتها برأس الدين.. وإذا كانت تتقرّب أو تتحبّب لطائفة على حساب طائفة أو تمشي -كما يبدو في الظاهر- على استحياء، فالخطر كلّ الخطر، لأنّها تُخطّط لإسقاط الهيكل بشكل كامل من خلال التدخُّل بحجّة تصفية الحسابات الداخلية ونزع فتيل الفتن الطائفية.

إنّ وعي هذه الحقائق التي تبدو بديهيةً ومُسلّماً بها، يقلّص -إلى حدٍّ كبير- الجروح والكسور والندوب والبثور، إذا لم يلغِ العوائق التي تحول دون الوحدة الوطنية، أو التعايش الوطني، أو الشراكة الوطنية، وتمزّق اللُحمة والنسيج الوطني الذي كان في فترات سابقة وفي بعض البلدان أو في أكثرها أقوى مما هو عليه الآن، وكان من معالمه أو ملامحه الحركية التي تمشي على قدمين: حالات المصاهرة الواسعة التي لا يتوقّف فيها الزوجان ليسئلا بعضهما بعضاً: من أيّ المذاهب أنتَ؟ وإذا دُعي أهل طائفة للتبرُّع بالدم -في حالات النقص فيه والعوز إليه- هُرِعت من غير أن تسأل إلى أين يذهب دمي: في عروق سنّي أو شرايين شيعي؟! أو إذا ضرب زلزال أو كارثة منطقة ما هَبَّ أهالي المناطق الأخرى ليغيثوها وينجدوها ولا يسألون: هل هي تابعة لطائفتنا أو لغير طائفتنا؟! وإذا حان وقت الصلاة وكان بعضهم قريباً من مسجد دلفَ إليه ليُصلِّي من غير أن يسأل خادم المسجد أو بعض روّاده: مَن إمام هذا المسجد وما هي هُويّته؟ أو مَن هم المصلّون فيه؟ هل هم أتباع هذا المذهب أو ذاك؟! وإذا دَهمَ الوطن عدوّ خارجيّ ليحتله أو يستولي عليه، تنادى الجميع من كلّ الطوائف والأديان والفرق والقوميات لإنقاذه من براثن الأجنبي. وإذا أراد بعض التجّار فتح متجر يريدون له أن يُحقّق أرباحاً، لا يسألون عن مذهبية العامل أو الشريك، بل يسألون عن خبرته وصدقه وإخلاصه وأمانته؟

بالأمس القريب، كانت الأهداف الكبرى هي التي تجمع الشتات، وتُقرِّب البعيد، وتُذوِّب الفوارق.. وكانت التحديات المصيرية هي التي تلغي حواجز الدين والمذهب والقومية.. كان الشعور الوطني هو الذي يدفع الناس أو أبناء الوطن لبناء السدود ضدّ الفيضانات، ووضع السواتر ضد الحرائق، وتُقام الاحتفالات مشتركةً في (الأعياد) وفي (المآتم).. حزنهم واحد.. وفرحهم واحد.. كان التعدُّد (نعمة) ولم يكن التنوُّع (نقمة).

هذه الحالة من التمزُّق والتشرذم التي نعيشها ونشهدها اليوم هي نتاج أمسٍ بعيد (ملغوم) وحاضر قريب (مأزوم)، تلعب أكثر من أصابع غير نظيفة على بعثرة أوراقه، والعبث بما بذل السابقون جهوداً جبّارة على إقراره واستقراره، فمن خطابات تفوحُ منها روائح الفتنة الطائفية الكريهة، وإلى كتابات مسمومة يُراد بها تسميم العقول، وإلى فضائيات تتناطح مذهبياً تناطح الأكباش والديكة، وإلى عناوين تتصارع تصارع الأعداء حتى تُزهِق الأرواح وتُسفِك الدماء، وتنسى أو تسحق أُخوّةً تاريخية تعايشية متجذِّرة مركّبة من ثلاث أخوات هنّ العُرى التي لا تنفصم: (الأُخوّة الإنسانية) و(الأُخوّة الإيمانية) و(الأُخوّة الوطنية).

يقولون: المشترك الناظِم هو (الوطن).. صدقوا.. يستطيع الوطن لبعض الوقت أن يجمع شملنا، ولكنّه لا يستطيع ذلك طوال الوقت.. الدليل.. هذه الحروب أو الاحترابات الأهلية هنا وهناك.. والدليل هذه الأحجار النفسية المتراكمة المتزاحمة في طريق الإخاء والتصافي بين أبناء الإنسانية والدين (أيّاً كان اسمه) وأبناء الوطن (أيّاً كانت جغرافيته).

نقول: المشترك الجامع هو (الله).. ولا نعني به الدين بأحد أسمائه وتفريعاته، وإن كانت الديانات كلّها منه وصادرة عنه وتجتمع في أصولها على كلمةٍ سواء تُقرِّب ولا تُبعِّد، وتُجمِّع ولا تُفرِّق، وتُحبِّب ولا تُبغِّض.

لماذا كان (الله) بصفته مشتركاً وحدوياً عامّاً، أقوى من (الوطن) مشتركاً جامعاً؟!

الجواب: لأنّه الهدف الذي لا يتلاشى مع الزمن، بل ينمو ويتنامى ويسمو ويتسامى مع الأيّام.

يقول المفكر الإسلامي الكبير الشهيد محمد باقر الصدر -رحمه الله- في أنّ (الهدف) هو الذي يُحرِّك (الدافع) والغاية هي التي تُحدِّد اندفاع الحركة: «كلُّ مسيرةٍ واعية لها هدف، وكلُّ حركة حضارية لها غاية تتجه نحو تحقيقها، وكلُّ مسيرةٍ وحركةٍ هادفة تستمد وقودها وزخم اندفاعها من الهدف الذي تسير نحوه وتتحرّك إلى تحقيقه، فـ(الهدف) هو وقود الحركة، وهو في نفس الوقت القوّة التي تمتصّها عند تحقُّق الهدف، فتتحوّل الحركة إلى سكون باستنفادها. خُذ إليك أيّ فرد يسعى بجدّ في سبيل الحصول على درجة علمية وشهادة معيّنة، فإنّك تلاحظ أنّ الجذوة تظلّ متقدة في نفسه تدفعه باستمرار نحو تحقيق الهدف الذي يسعى للحصول إليه، حتى إذا أنجز ذلك انطفأت الجذوة وانتهى التحرُّك، وفقد أيَّ مبرِّر للبقاء ما لم يبرز هدف جديد. والشيء نفسه يصدق على المجتمعات، فإنّها كلّما تبنّت في تحرُّكها الحضاريّ هدفاً أكبر استطاعت أن تواصل السير وتعيش جذوة الهدف شوطاً أطول، وكلّما كان الهدف محدوداً كانت الحركة محدودة واستنفد التطوُّر والإبداع قدرته على الاستمرار بعد تحقُّق الهدف المحدود.

والحقيقة أنّ الهدف الوحيد الذي يضمن التحرُّك الحضاريّ للإنسان أن يواصل سيره، وإشعاعه وجذوته باستمرار هو الهدف الذي يقترب منه الإنسان باستمرار، ويكتشف فيه -كلّما اقترب منه- آفاقاً جديدة وامتدادات غير منظورة تزيد الجذوة اتقاداً والحركة نشاطاً والتطوُّر إبداعاً.. إنّه (الله) تبارك وتعالى.. هو هدف المسيرة الإنسانية، أمّا صفاته وأخلاقه فمعالم لهذا الهدف الكبير، فالعدل والعلم والقدرة والقوّة والرحمة والجود تُشكّل بمجموعها هدف المسيرة للجماعة البشرية الصالحة، وكلّما اقتربنا خطوة نحو هذا الهدف، وحقّقنا شيئاً منه انفتحت أمامنا آفاقاً أرحب، وإزددنا عزيمةً وجذوةً لمواصلة الطريق»[8].

على جوابنا هذا تُثار وتزدحم الأسئلة الآتية:

1- أيّ إلهٍ نقصد؟

2- أليس الله هو الدين؟ إذاً عُدنا إلى المربع الأوّل وهو مفترق طُرُق الأديان؟!

3- الأديان -بسبب عصبيات أبنائها- فَرَّقت ولم تجمع، وشَتَّت ولم تُوحِّد، فكيف تريدنا أن نعتمد وسيلة اعتمدناها وأثبتنا فشلنا من خلالها؟!

4- الله للمتدينين، والوطن للجميع، فلافتة الوطن أوسع وأعرض وأشمل لأنّها تضمُّ العلمانيين أيضاً! فلماذا ندعو إلى (الضيّق) ونترك (الواسع)؟!

5- الله ليس مرجعيةً موضوعيةً حتى يمكننا الرجوع إليه في فضّ منازعاتنا، وحلّ خلافاتنا، وتحقيق المنشود من وحدتنا؟!.. إلى آخر ما هناك من أسئلة مماثلة.

الجواب عن هذه الأسئلة:

نحن عندما نطرح (الله) تعالى هدفاً مُوحِّداً للمسيرة الوطنية، لأيّ وطن كان لا نطرح ديناً معيّناً، وإنّما نستدعي الأديان كلّها لتضع الله نصب عينيها، وندعو القائمين على هذه الأديان: علماءَ ومُفكّرين ومثقّفين وأدباء ومربين وإعلاميين إلى أن يُثقِّفوا على حقيقة أنّ الإخلاص الحقيقي لا يتمّ بالانتماء إلى (الوطن)، بل بالانتماء إلى (الله) ذلك إنّ الذين استشهدوا دفاعاً عن أوطانهم لابدّ وأن يكون الله حاضراً في وجدانهم وقرارة أنفسهم، وإنّ الذين جاهدوا من أجل أن تكون العدالة سائدة في بلدانهم، لابدّ أن يكون الله دافعاً مُحرِّكاً لهم لكي يعدلوا بين أكرم مخلوقاته (النّاس) بغضّ النظر عن انتماءاتهم. وإنّ الذين تربّوا على قيم (الوفاء) و(التسامح) و(الصدق) و(الأمانة) و(الإخلاص)، كان الله حاضراً بقوّة في أعماق وعيهم.. وبالتالي، فقد حُفظت الأوطان بمراعاة الله ومراقبته أو استشعار وجوده راعياً للمسيرة الإنسانية، لا بمجرّد عواطف وطنية لا رصيدَ دينياً أو إلهياً لها.

قد يدفعني شعارٌ جميل ترفعه البلدية في الحفاظ على نظافة مدينتي إلى الالتزام بالنظافة، لكن الذي جعلني آخذ شعار البلدية على محمل الجد وأُطبّقه، ليس جمالية الشعار ولا سُلطة البلدية فقط، وإنّما (ثقافتي) و(تربيتي) و(خلفيتي) التي صاغتني إنساناً مُحبّاً للخير ومُثقّفاً بثقافة احترام الغير.

نحن لا نعتقد ولا للحظة واحدة أنّ (الله) كان غائباً عن ذهن (غاندي) وهو يعمل من أجل تحرير وطنه (الهند)، ولم يكن غائباً قطّ عن وجدان (نيلسون مانديلا) وهو يدفع ضريبة السجن سنين طوالاً من أجل أن يُحقّق لوطنه الحرّية، ولا هو غائب عن أي مناضل حُرّ غيور على وطنه وشعبه أيّاً كانت هُويّته وأيّاً كان انتماؤه، لم يكن ثمّة دافع تاريخي على الإطلاق أقوى من شعور الانتماء إلى الله جلّ جلاله.

(الخير) إذاً ليس عُشباً ينبت في الهواء، هو (غرسةٌ) تنبتُ في الأرض.. هو لا يأتي من فراغ، ولذلك نقول بثقة ونُردّد مع مَن يقول بصدق: إنّ الذي لا يُدخِل الله في حساباته ليس هو ضعيفٌ في الحساب فقط، بل جاهل في أولوياته ومسلَّماته.

عندما تصف بعض الثقافات الله تعالى بأنّه (محبّة)، وأنّه (رحمة)، وأنّه (خير)، وأنّه (جمال)، وأنّه (حقّ)، وأنّه (عدل)، وأنّه (حرّية).. فكأنّها ترسمُ وجهاً مكتمل الملامح لـ(وطن) مُعافى يعيش أهله مصاديق ذلك كلّه، وليس مدينة فاضلة مرسومة على الورق يصعب هندستها على أرض الواقع.

وإلى حين يتأتى لنا أن نزرع ثقافة (الله) في عقول أبناء الوطن من أجل أن نبنيه ونحميه ونُطوّره ونُنمّيه على صورة الله أو على هدي أخلاقه، ليكن ولاؤنا المؤقّت للوطن بصفته إطاراً عامّاً يستوعب تنوُّعاتنا وتعدّديتنا، أي أن نجعل مصلحته، ووحدة أراضيه، وثرواته، وكرامته وسيادته في خدمة جميع أبنائه لا لفئة تتسوّر عليه فتجعل أهله (عبيداً) لها وثرواته (مغنماً) لها. نعم، لا يكون (الوطن) متسامحاً كما ينبغي، ولا أبناؤه متسامحين كما يجب إلّا بالله المهيمن على الوجود كلّه، لا بوصاية دين على دين، أو قومية على قومية، أو حزب على حزب، أو أكثرية على أقلّية، أو أقلّية على أكثرية.

الخطوة الأولى لوطنٍ يمكن أن نتّحد فيه، هو أن تكون أرضهُ (بيتَنا)، وحكومته (أبانا)، ومواطنوه (إخواننا)!

 

التهميش الوطني:

عندما نطرح مفهوم (التسامح) للدلالة على الروح الوطنية التي يجب أن تُوحِّد أبناء وطنٍ ما، فإنّنا ندرك أنّ لا سبيلَ إلى وحدة وطنية في وطنٍ فيه تعدُّدية أيّاً كان شكلها إلّا به[9].

يقول خطيب الثورة الفرنسية (فولتير) مُعرّفاً التسامح: «إنّه نتيجة ملازمة لكينونتنا البشرية، إنّنا جميعاً من نتاج الضعف، كلّنا ضعفاء وميّالون للخطأ، لذا دعونا نُسامح بعضنا بعضاً، ونتسامح مع جنون بعضنا بعضاً بشكل مُتبادَل، وذلكم هو المبدأ الأوّل لقانون الطبيعة، المبدأ الأوّل لحقوق الإنسان كافة»[10].

وعندما يُفتقد التسامح الوطني أو يغيب أو يُغيّب لسبب أو لآخر يُصارُ إلى (الإقصاءات) و(الإلغاءات) و(التهميشات) و(المصادرات)، ومثلما تتعرّض بعض فئات المواطنين إلى الإقصاء السياسي (حرماناً) و(بطشاً)، تعاني فئاته الأخرى من (التكفير) الديني الذي يَحِلُّ دم الآخر وقتله وتصفيته جسدياً. وسواء كان الإقصاء أو الإلغاء سياسياً أو دينياً، فهو في المحصلة نتاج فكرٍ يستبدُ ويشدُّ ويتطرَّف هنا وهناك، وهذا يقودنا إلى إشارة على أنّه –أي التهميش- السبب في تحوُّل بعض أبناء الوطن إلى (ذئاب) وطنية تفترس حملانه، أو تنتقم في ردّة فعلٍ عنيفة ممّن أحالها إلى حملان مستضعفة، ومشاريع ذبح، واضطهاد ونزلاء سجون على طول الخط، ذلك أنّ التهميش الوطني سواء أكان بالحرمان من الحقوق والفرص والتنعُّم بثروة الوطن، وإمكانية إدارته وتطويره، أو بالفتك والتنكيل بالذين لا يوافقون أنظمة الجور على جورها ولا يُصفّقون لاستبدادها، داعٍ من دواعي التنمُّر والاستئذاب والثأر من (الوطن) بدلاً من الانتقام أو الثورة ضدّ ممّن حرمهم من حقّ الوطنية وحقوقها.

يتصوّر الطُّغاة والفراعنة وكلّ قائمة الاستبدادين في التاريخ والعالم أنّ (القمع) أو (الاجتثاث) في عالم الإنسان مثلما هو في عالم النبات، فإذا اجتُثت شجرة من فوق الأرض لا يعودُ لها وجود على وجه الأرض، والحال أنّ قصّة الإنسان مختلفة وإلّا كان الإمام الحسين بن عليّ 8 آخر الشهداء، بل نهاية الخطّ الرساليّ النبويّ. لقد حاول (فرعون) مصر أن يستأصل بني إسرائيل بقراره العام الشامل بإعدام كلّ مواليدهم، وعجز عن أن يُدرك أو يتصوّر أنّ المعفوّ الوحيد عنه والناشئ في عقر داره يمكن أن ينقلب عليه ويُطيح به.

إنّ للشعوب حقوقاً في أوطانها مثلما عليها واجبات ومسؤوليات، وما لم تحظَ بتلك الحقوق طالبت بها بمطالبات سلميّة، فإنّ عجزت هذه انفجرت في انتفاضات وثورات لأنّ كثرة الضغط والتهميش والإقصاء لا تؤدّي إلّا إلى الانفجار، وصدق الشهيد محمد باقر الصدر -رحمه الله- عندما قال: «الشعوب أقوى من الطُّغاة مهما تفرعن الطغاة، وقد تصبر ولكنّها لا تستسلم»، ولذلك كلّما كانت الأوطان مفتوحة على التعدُّد أكثر والشعوب حُرّة أكثر، واعية أكثر، كان الصلاح رائدها يسر في شوارعها، والسلام ينام في بيوتها ويدرج معها في أزقتها، والثقة تسري بين المتاجر وزبائنها.

في كتابه القيِّم (الإسلاميون على أعتاب القرن الحادي والعشرين) يقول الدكتور إحسان الأمين: «إنّ الحكومات الذكية تسعى إن لم تكن هناك معارضة، إلى خلق معارضة تُخطّئ وتصوّب خطوات الحكومة، لتنتبه الحكومة لأخطائها وتعمل على تصحيحها، وبذلك تتكامل وتتقوّم وتدوم.. أمّا إذا افتُقدَت المعارضة وغابَ النقد، فإنّ هذه الكيانات السياسية ربّما تبدأ بالميل قليلاً في البداية وتدبّ فيها الأمراض بشكل غير محسوس، ولكن لغياب العين الأخرى والرأي الآخر، تستمر في ميلانها وأخطائها حتى تتنامى تلك وتأتي عليها لتسقطها من القمّة إلى القاع.

أمّا مع وجود النقد والمعارضة، فإنّ سقوط الكيانات السياسية سوف لن يكون انهياراً كلّياً، بل هو من درجة لدرجة أقل، لأنّ كثيراً من الأخطاء والمخاطر قد تمّ التنبيه عليها من الناقدين والمعارضين، وتمّت معالجتها ذلك الحين»[11]، أي في وقتها وقبل استفحالها.

ولذلك فإنّ أفشل الحكومات -في ظلّ الأنظمة الديموقراطية- هي حكومات الشراكة الوطنية لأنّ المعارضة عند ذاك تكون مندسّة في صفوف الحكومة وملتبسة بها، وتُمارس مناكداتها ومناكفاتها وتعويقاتها من داخل السلطة، ولو أنّها مارستها من خارجها لانتفعت بها الحكومة أكثر، ولظهرت المعارضة بمظهر الحريص على الوطن أكثر، ولكان الوطن والمواطن الرابحين من هذا الاختلاف الإيجابي.

 

محنة الإلغاء وثقافة الموت:

منذ أن رفض (قابيل) أن يعترف بالاختلاف ويتسامح مع أخيه (هابيل) بسبب معتقداً خطأً أنّ الأرض لا تسع لاثنين مختلفين: هو وأخوه، ومنذ أن استلّ سكينة ليطعن أخاه ويُصفِّيه جسدياً، والذهنية الإلغائية الإقصائية هي التي تفني الآخر وتُدمِّره وتُحطِّمه وتحاول بشتّى الوسائل وأخطرها القتل إزاحتَه من مشهد أو مسرح القاتل الذي -في ظنّه المريض- أنّ وجه الحياة سيخلو له وحده.

من السهل جدّاً أن (تُكفِّر) الآخر لتقتله، ولكن من الصعب جدّاً أن تثبت بالدليل اليقيني القطعي أنّه (كافر)، (هل شققت قلبه لتعرف أنّه كافر؟!)، ولذلك كثيراً ما كان (التكفير) نتيجة أفكار جزئية، فرعية، هامشية، خلافية، لا تمت إلى العمق من العقيدة ولا تمس جذور الاعتقاد، وما أخذت مسألة أو مشكلة التكفير بُعدها الخطير المدمِّر إلّا نتيجة ثقافة مشحونة بالمتفجّرات، وعقول مفخّخة، وذهنيات ملغومة، ونفوس قابيلية طافحة بالشرّ. وما فكرة (الاعتراف بالآخر) وقبول التسامح معه إلّا اكتشاف متأخّر للمخاطر والخسائر التي لحقت بالبشرية نتيجة (التكفير) حتى انتهت عقول العقلاء وحكمة الحكماء إلى أنّ الدم لن ولم يكون سبيلاً إلى السلام.

في آخر كلماته لأُمّته، وكأنّه يستشرف مستقبلها الذي نعيشه راهناً، قال النبيّ محمد 6 مُحذّراً ومُنبّهاً ومُنذراً في حجّة الوداع: «إنّ دماءَكم وأموالَكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقونه فيسألكم عن أعمالكم»[12].

وقد ملأت صرخته فضاء عرفة وأسماع مَن تواجد فيها ونقله الأثير عبر جناحه من جيل إلى جيل ولا يزال يتردّد صداه وهو يهزّ ضمير الأُمّة من الأعماق: «لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم أعناق بعض»[13]!!.

لقد قاتل الإمام عليّ 7 الخوارج الذين (كفّروه) لا لأنّهم كفّروه، بل لأنّهم كانوا خطراً على الأمن المجتمعي يومها. يقول 7 مخاطباً أحدهم: «أمّا أنا فلا أُهيجك بأذى ما دام المسلمون منك في أمان»! أي إنّ الحدّ الفاصل بين (التكفير) وبين (العقوبة) ليس هو المروق من الدين، وإنّما هو العبث بأمن المواطنين لأنّه الخط الأحمر الذي لا يحقّ ولا يجوز بأي حال من الأحوال تجاوزه.

وعلى الرغم من أنّ الخوارج قاتلوا عليّاً 7 في (الجمل) و(صفين) و(النهروان)، لكنّه فرّقَ بين موقفين أو مفهومين وطنيين إسلاميين: مفهوم البغي (القتل الباطل)، ومفهوم (القراءة الخاطئة للأحداث والمواقف)، ولذلك وصف 7 الخوارج في تعبيرات دقيقة على الرغم من خطورتهم وما أحدثوه من فتنة وبلبلة في الواقع الإسلامي، فقال: «إخواننا بغوا علينا» ولم يخرجهم من أهل الإسلام، بل إنّه 7 خاطبهم خطاباً يحمل رؤية إسلامية عالية وبعيدة عن الانجرار والتأثُّر بملابسات الواقع المأزوم، قال 7 مُميّزاً بين إجراء الحدود على المارقين الخارجين عن القانون المتهاونين في إراقة دماء الأبرياء، وبين عدم إخراجهم من أهل الإسلام: «فإنْ أبيتم إلّا أن تزعموا أنّي أخطأتُ وضللتُ، فَلِمَ تُضلِّلون عامّة أُمّة محمّد 6 بضلالي، وتأخذونهم بخطأي، وتُكفِّرونهم بذنوبي، سيوفكم على عواتقكم تضعونها مواضع البراء والسقم، وتخلطون مَن أذنب بمَن لم يُذنب، وقد علمتم أنّ رسول الله 6 رجم الزاني المُحصن ثمّ صلّى عليه ثمّ وَرَّثه أهله، وقتل القاتل وَورَّث ميراثه أهله، وقطع يد السارق وجلد الزاني غير المُحصن ثمّ قَسَمَ عليهما من الفيء ونكحا المسلمات، فأخذهم رسول الله 6 بذنوبهم، وأقام حقّ الله فيهم، ولم يمنعهم سهمهم من الإسلام، ولم يخرج أسماءهم من بين أهله»[14]!.

 

معالجة إسلامية لمشكلة التكفير:

وإنّه 7 عالج مسألة التكفير من خلال زاويتين:

الأُولى: اعتماد مبدأ (حرمة القصاص من غير الجُناة)، مؤكّداً على ما ألغاه الإسلام من عادة جاهلية مقيتة في معاقبة (الجماعي) بـ(الشخصي) انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ (فاطر/ 18)، ولقول النبيّ 6: «لا يُؤاخذ الرجلُ بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه»[15]، وتشديده 6 النكير على القتل العشوائي غير المراعي للقصاص بالإسراف في القتل وقتل البريء غير القاتل: «إنّ أعتى الناس مَن قتل غير قاتله، وضرب غير ضاربه»[16]، واعتبر 6 أنّ الفاصلة بين أن يكون المسلم مسلماً أو بين أن يبقى على الاتصاف بهذه الهُويّة وبين نزعها منه هو إراقة الدم الحرام، فقال: «ما يزال العبد في فسحة من دينه ما لم يُصب دماً حراماً»[17]، ذلك «أنّ الإنسان بُنيان الله ملعون مَن هدمه، ولئن تُهدَم الكعبة حجراً حجراً أهونُ عند الله من أن يُراق دم امرءٍ مسلم، حيث أنّ حُرمة الإنسان عند الله أعظم من حُرمة الكعبة، بل لزوال الدنيا جميعاً أهون عليه (جلّ جلاله) من دمٍ سُفك بغير حقّ»!!

في الرواية، عنه 6: «يجيء المقتول (يعني يوم القيامة) آخذاً قاتله وأوداجه تشخب دماً عند ذي العزّة، فيقول: يا ربّ، سَلْ هذا فيمَ قتلني؟ فيقول: فِيمَ قتلته؟ قال: قتلته لتكون العزّة لفلان (الفقيه الذي أمرني بقتله، أو الحزب الذي دعاني لسفك دمه، أو السُلطة الغاشمة التي أغرتني باستباحة دمه، أو المتعصِّب الذي كفّره، ودفعني إلى إزهاق روحه)، قيل: هي (أي العزّة) لله»[18].

ولذلك كلّه كان قتل نفسٍ واحدة بريئة عند الله يُساوي قتل الناس أجمعين لعظمة جريمة سفك الدم الحرام، ولهول وفداحة قتل النفس المحترمة التي حرّمَ الله تعالى قتلها إلّا بالحقّ (كأن تكون هي قاتلة، مجرمة، باطشة، مفسدة)، قال سبحانه مُعقّباً على أوّل جريمة في التاريخ: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأرْضِ لَمُسْرِفُونَ * إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (المائدة/ 32-33).

الثانية: الرجوع إلى السنّة المطهّرة إن كانوا يرون في الرجوع إليها في أصالتها صلاحاً، تقول بخلاف ما يصنعون وتحكي في الضدّ مما يقترفون، فالنبيّ 6 بشهادة أصدق مَن لازمه طوال حياته الرسالية عاقب المخالفين والمذنبين والجُناة والمجرمين بإقامة حدود الله تعالى فيهم، لكنّه 6، وهذا هو بيت القصيد: «لم يمنعهم سهمهم (حقوقهم) من الإسلام، ولم يُخرج أسماءهم من بين أهله (بمعنى أنّه لم يُكفِّر أحداً منهم)»[19]!!

إنّ مكمن الخطورة في تهديد السلامة الوطنية هو هذه (الأنا السرطانية) التي ترى أنّ الخير كلّ الخير مُتمثّل فيها، وأنّ الشرّ كلّ الشرّ منحصر في غيرها فتبيح وتتيح لنفسها الحقّ في أن تنسفه من الأرض نسفاً في رؤية جاهلية ضيّقة ومشينة ومهينة للآخر الذي لا يستحق الحياة في نظرها. يقول شاعرهم مُعبّراً عن انغلاق وإسوداد أُفقهم:

ونشربُ إنْ وردنا الماءَ صفواً             ويشرب غيرُنا كدراً وطينا؟!

ونتساءل: إذا كان في الماء المباح سعة ومتّسعاً (وفيه بلطف الله سعة واتّساع) لماذا لا نشرب ويشرب الآخرون؟! لماذا (الماء صفواً) لنا و(الماءُ كدراً وطيناً لغيرنا)؟! لماذا لا يكون الماء قَرَاحاً سائغاً شراباً لكلّ الواردين أو الشاربين أو الظامئين؟ مَن الذي وضع هذه الفواصل والحواجز الكونكريتية بين مَن يشرب ومَن لا يحقّ له أن يشرب والله جعل الماء شركةً بين الناس؟!

لماذا اعتبر (قابيل)، ومثلهُ كلُّ القابيليين -أنّ الساحة الحياتية ضيّقة- كأنّها خُرُم أو ثقب إبرة لا تسع إلّا (أناهُ)، وأنّ الآخر متغوّل يزاحمه عليها؟ لماذا لم يرمِ ببصره إلى أبعد من ذلك حتى يرى أنّ الحياة تسعه وتسع هابيل وتسع الملايين الملايين غيرهما، وأنّ الاختلاف بين الناس (مَدعاة ونعمة وشكر وثراء)، لا سبباً (للنقمة والكفر والإلغاء والإقصاء والإفناء)؟

يقول الإمام عليّ 7 مستوحياً قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ (الزخرف/ 32): «لا يزال الناس بخير ما تفاوتوا، فإذا استووا هلكوا»[20]!

وفي ذلك -لمن يفهم الحياة ويعقلها- حلٌّ لمشاكل الكثير من النزاعات والصراعات والأنانيات السرطانية الضيّقة.. على أنّ الاختلاف في (الآراء) و(الرؤى) و(الاعتقادات) و(التوجُّهات) و(الأفهام) و(القراءات) و(التصوّرات) لا ينفي أيضاً مبدأ وحدة الناس وتساويهم في البشرية التي لا تُعلِّي شأن أحد على أحد إلّا بـ(التقوى) و(العلم) و(العمل الصالح).. فكلّ الناس من آدم وآدم من تراب، وبحسب قول الإمام عليّ 7 لمن رأت الفضل لها على غيرها: «إنّي قرأت في كتاب الله فلم أجد فضلاً لبني إسماعيل على بني إسحاق»، وإذا كان الأمر كذلك وهو كذلك، فمَن أباح أو أجاز لي أن استعلي على الآخر واتطاول عليه (لأُكفِّرهُ) أوّلاً، وأمحوه من الوجود، ثانياً؟

إنّ (التكامل مع الآخر) و(التعاون معه) و(التثاقف معه) آخذ الصالح من ثقافته ويأخذ الصالح من ثقافتي، و(التسامح معه) والتبادل الثنائي بيني وبينه هو آخر وأرقى ما توصَّل إليه عقل الإنسان بعد سلسلة مريرة من نتائج فظيعة لإلغاء الآخر وإشاعة ثقافة الموت مع مَن نختلف معهم في عرق أو قومية أو دين أو مذهب أو فكر أو طائفة. ألا يقف (المُكفِّر) غيره وقفةً متأنّية بعيدة عن التعصُّب الأعمى والتشنُّج والغرائزية المستكلبة والانفعال الهمجي، ليسأل نفسه: أما يمكن أن يكون الآخر هو الذي على الحقّ وأنا على الباطل؟ ألا يمكن أن نكون كلانا على جانب من الحقّ؟ ألا يمكن أن يكون الصواب والوصول إلى الحقيقة في أن أحاوره ويحاورني، وأُقاربه ويقاربني، وأن أشرب معه من الماء القَرَاح المباح ويشرب منه، ويبقى نهر الحياة أوسع من أن (احجره) أو (احتكره) أو (امنعه) على غيري؟! ألا يمكن أن يكون خير حياتنا، وطريق وحدتنا في (تنوُّعنا) لا في إلغاء خصوصياتنا؟!

إنّ سبيلاً من سُبُل التفكير العقلاني المستقل، والوعي الديني الوطني الحرّ، هو الانفصال عن سخونة الجو الانفعالي المحتدم المحموم للتفكير بعقل هادئ ودم بارد على طريقة: ﴿قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَفُرَادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ (سبأ/ 46)، في مثل هذا الجو: يمكن لي أن استفتي قلبي، وعقلي، ووجداني، وضميري، وأن أطرح عليه جميع أسئلتي وإشكالاتي لأخلد لصفو الذات ونقاء السريرة في ما يُرضي الله وفي ما يسخطه، وفي ما يُعمّر البلدان ويُخرّبها.

 

-وَآخِرُ دَعْوَانا أنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ-



[1]- لقد كان ربيعاً حقاً ذلك المقطع الزمنيّ الذي نفض فيه الشباب العربيّ صُفرة خريف طالت واستطالت كثيراً. لم يكن خريفاً كما يصفه بعض المتشائمين. نعم، كان ربيعاً لم يستكمل شروطه، ولم يستوفِ أبعاده، وإلّا فهو في التقييم النهائي حركة في الاتجاه الصحيح.. هو (ربيع) انقلب (الخريف) عليه!

[2]- جاءت انتفاضات الربيع العربيّ، وحتى لو تجاوزنا المصطلح فاعتبرناها ثورات، بعد أن استنفدت الأنظمة الدكتاتورية أغراضها ووصلت إلى مرحلة التهرؤ ونفاد الصلاحية، وتهلهل القدرات الضبطية، ذلك أنّها وعلى الرغم من عتوّها وظاهر منعتها تهاوت بأسرع مما كان متوقعاً، الأمر الذي يكشف عن أنّ الهالة الإرعابية التي رسمتها حول نفسها لم تكن بالقوّة الفولاذية التي صَوّرها إعلامها الداخليّ والخارجيّ.

[3]-  - غرر الحكم ودُرر الكلم، مجموعة من كلمات وحِكم الإمام عليّ، الفصل 73، ص558، حرف اللام في لفظ ليس، ط دار الكتاب الإسلامي، قم – ايران.

[4]- (شَعْلَيّة): كلمة باللهجة العراقية تعني (لا دَخلَ لي).

[5]- (شو خَصني) أو (شو دَخلي): كلمات باللهجتين اللبنانية والسورية تعني (لا دَخلَ لي).

[6]- (ميهمنيش): كلمة باللهجة المصرية تعني (لا دَخلَ لي). وكلّ هذه الكلمات وما يقابلها من كلمات في اللهجات العربية الأخرى (مُدمِّرة)، (مُحطِّمة)، (فتّاكة)!

[7]- قبل دخولك الجامعة -مثلاً- أنت حرّ في اختيار الجامعة التي تريد، والقرار قرارك الحرّ، ولكن بعد أن تختار لابدّ أن تلتزم بمنهج ومقررات الجامعة التي اخترتها وضوابط النظام الموضوع لها.

[8]- الإسلام يقود الحياة، ص168.

[9]- الأوطان والشعوب التي جرّبت الضدّ النوعي للتسامح وهو (التعصُّب) حصدت ثماراً مُرّة تبدأ بالحقد والكراهية والتنفير والتكفير ولا تنتهي بالذبح على الهُويّة، فإذا لم يكن وطن الدين ممكناً في راهن الناس فوطن الإنسان بالتسامح هو الممكن.

[10]- التسامح ومنابع اللاتسامح، ماجد الغرباوي، ص17-18.

[11]- الإسلاميون على أعتاب القرن الحادي والعشرين، مقاربات نقدية، د. إحسان الأمين، ص18-19.

[12]- الفروع من الكافي، 7/273.

[13]- الفروع من الكافي، 7/273.

[14]- نهج البلاغة، الخطبة 127.

[15]- سُنن النسائي، ص702.

[16]- ميزان الحكمة، مادة (قتل).

[17]- كنز العمال، 39907.

[18]- الترغيب والترهيب 2/293.

[19]- نهج البلاغة، الخطبة 127.

[20]- عيون أخبار الرضا 7، ج2، ص53.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 1271
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا