الصفحة الرئيسية » المجتمع المسلم
أصحاب البصائر

2015/12/05 | الکاتب : عمار كاظم


الوعي والبصيرة:

البصيرة هذه القدرة على الرؤية الصحيحة المتشكّلة من عقل الإنسان وثقافته وتربيته وتجربته ودينه، وهي ما نصطلح عليها اليوم بالوعي، قد يكون الإنسان ذا بصرٍ حادّ لكنه ذو بصيرة عليلة ضعيفة (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج/ 46)، فالإنسان إذا فقد البصيرة يتورّط في التشخيص الخاطئ للأشخاص وللأمور. فالإنسان العاقل الذي يعي الواقع ويدركه ويعرف الناس من حوله، أي إنّ لديه القدرة على التمييز بين ما هو مستقيم وما هو منحرف وما هو عدل وما هو ظلم وما هو حقّ وما هو باطل، فالخير منه مأمول لأنّه مستقيم في فكره وفي عمله. وقد تلتبس الأمور والأشخاص والعناوين على بعضنا لأنّ قدرته على الفرز والتشخيص بين مَن هو صادق ومَن هو كاذب أو مَن هو على حقّ ومَن هو على باطل ضعيفة. لذلك تراه يقع فريسة الخداع والتضليل. أما إذا كان ذا بصيرة نافذة فإنّ مقدرته على التمييز ستكون كبيرة بمعنى أنّه سيتمكّن من تصنيف الناس فلا يضعهم جميعاً في خانة واحدة، وخير تعبير عن امتلاك الوعي الكامل والبصيرة النافذة التي لا تهتزّ أمام الالتباسات ما قاله أمير المؤمنين (ع): "وإنّ معي لبصيرتي لا لُبست ولا أُلتبس علي" أيّ إنّ مَن كان تلميذ مدرسة الإسلام والقرآن والنبوّة لابدّ أن يكون واعياً للدرجة التي لا ينطلي عليه شيء ولا بداخله شك ما هو فيه من قناعات.

 

القناعات الحقيقية:

أصحاب البصائر أصحاب حجج وبراهين وشواهد مقنعة، فهم لا ينطلقون إلّا من وعي، ولا يتحرّكون إلّا بوعي، ولا يحكمون إلّا بدليل، ولا يشهدون إلّا على ما رأوه بأمِّ أعينهم. ففي الحديث جاء رجل إلى الإمام الصادق (ع) وسأله: كيف يمكن أن يرى الحقيقة؟ فقال له: كما ترى كفّك. أي أن يكون الشيء ماثلاً أمام عينيك فلا يتطرّق إليك أدنى شك. صاحب الوعي والبصيرة لا يقول على شيء إنّه حقّ وعلى آخر إنّه حقيقة إلّا بعد أن تكون علائم الحقّ والحقيقة واضحة كالشمس أو ككفّه. أصحاب البصائر والوعي الراجح لا يصدّقون الأقوال على علّاتها ولا يأخذونها على عواهنها أو أخذ المسلّمات والبديهيات. وإنّما يطرحون أسئلة تقودهم إلى معرفة الحقيقة، مَن هو القائل؟ وماذا قال؟ ولماذا قال ذلك؟ وأين قاله ومتى؟ وماذا عن أقواله السابقة؟ وكيف قاله؟ وفي أيِّ سياق جاء؟ وما إلى ذلك لأنّ الإجابة عن هذه الأسئلة ترفد البصيرة بزخمٍ من الوعي، فلا يمكن للإنسان أن يكون بصيراً وهو مكبّل يعيش الانقياد والتبعية لغيره، فالوعي يتطلّب الهواء الطلق ليتنفّس فيه لأنّ كلام الناس وعاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم وتجمّعاتهم وأحزابهم تشكّل ضغوطاً وشروطاً قاهرة تحدّ من حرِّية التفكير واستقلاله، وإذا حدّدت الحرية أو قيّدت البصيرة فإنّها تكون بين أحد خيارين؛ إما أن تطفئ أنوارها لتغطّ في الظلام وإما أن تكون إمّعة تساير الناس والمسايرة انقياد أعمى وليس بصيرة. على الإنسان أن يتأمّل في كيفية تشكيل قناعاته في هذه الحياة، بين ما هو نتيجة السائد والموجود وما هو نتيجة جهد شخصيّ، عليه أن يتأكّد من أنّ خياراته وأعماله وأفكاره وخطواته وانتماءاته هي نتيجة فهمه وإيمانه هو، وليست انعكاساً لآراء الآخرين وخياراتهم وانتمائه الناجم عن التعصّب دون معرفة وتدقيق. وهل عمله بما تقوم به جماعته وأهله وناسه وتجمّعه وحزبه ومجتمعه؟ على الإنسان أن يشكّل قناعاته الحقيقية من خلال الفهم العميق للأشياء وليس تعصّباً لها، وهذا هو البناء المتين للشخصية التي لا تهزّها الأزمات.

 

المصدر: كتاب مفاهيمُ خيرٍ وصلاح

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 605
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 متعدد المهام أو المسؤوليات.. مَن هو؟
 فن تغيير المعايشة العقلية
 ما نوع العقل الذي تحمل؟
 اهتمام القرآن بالعقل
 العقل البشري وقدراته الكامنة
 العقل مخزن الذكريات
 الوسائل العقلية في التربية
 أصحاب البصائر
 الإدراك والواقع وعقل الإنسان
 الصحة العقلية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 فوائد زيت السمسم
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا