الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
هجرة الرسول محمد «ص» وشروق عهد جديد

2015/12/19 | الکاتب : عمار كاظم


بعد فراق أبوطالب عمّ الرسول (ص)، وخديجة زوجته الحياة، واحداً إثر الآخر، فكان لفقدهما أسوأ الوقع والأثر على الرسول (ص)، وهما ظهيراه وناصراه، واشتدّت بعد موتهما ضغوط قريش على المسلمين، وبخاصّة على رسول الله (ص). فأمر المسلمين أن يهاجر من يريد الهجرة منهم إلى الحبشة قائلاً: «إنّ بها (أي الحبشة) مَلكاً لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق». فهاجر فريق من المسلمين إلى الحبشة بإمرة ابن عمّ الرسول (ص) جعفر بن أبي طالب (ع). إنّ المشركين قد بذلوا كلّ ما في وسعهم وجـهـدهم من طاقات فكرية وجسدية للقضاء على نبي الإسلام (ص)، حتى أنّهم أعدوا جائزة لهذا الغرض وهي مئة ناقة، وهذا العدد من الإبل كان يعد ثروة كبرى يومئذ. هذه الجائزة لكلّ من يقبض عـلى النبيّ محمّد (ص) حتى بعد أن خرج عن قبضتهم وقد طفق الكثير يجوبون الفيافي والجبال ليبحثوا عنه طلباً لتلك الجائزة الكبرى حتى بلغوا الغار، ولكنّ اللّه سبحانه اذهب بأتعابهم أدراج الرياح. فكان قرار الهجرة المحمدية مرحلة جديدة في التأريخ الإسلامي، بل التأريخ الإنساني. في فراش رسول الله (ص): وأبلغ جبريل (ع) رسول الله (ص) بأمر الله تعالى له بالهجرة إلى يثرب فاستجاب لربِّه الأعلى عزّ وجلّ وتصرّف بما يفوِّت الفرصة على الأعداء، وحين انتشر الظلام أسرع المتآمرون لتطويق بيت رسول الله (ص) للحيلولة دون خروجه. وعندها جاء دور عليّ (ع) حيث أمره رسول الله (ص) أن ينام على فراشه، ويلتحف ببردته، وخرج الرسول (ص) من بين أعداء الله وهو يتلو قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) (يس/ 9)، فلم يشاهده أحد من المشركين. وعند طلوع الفجر اقتحم المتآمرون دار رسول الله (ص) لتنفيذ جريمتهم واتجهوا لغرفته، فوثب عليّ (ع) في وجوههم قائلاً: ما شأنكم؟ قالوا: أين محمّد؟ قال: «أجعلتموني عليه رقيباً؟ ألَستم قلتم نخرجه من بلادنا، فقد خرج عنكم». فانقلبوا خاسرين وباؤوا بالفشل الذريع، ثمّ بدا لهم أن يبحثوا عن رسول الله (ص) ويجدّوا في طلبه في الجبال والوديان، واصطحبوا لذلك أبا كرز، وهو رجل شهير بعلم معرفة الأثر، وبالفعل استطاع أبو كرز أن يتابع أثر رسول الله (ص) حتى أوصل القوم إلى غار جبل «ثور» مؤكّداً لهم أنّ محمّداً رسول الله (ص) قد وصل في نهاية شوطه إلى ذلك الغار، وإذن فلابدّ أن يكون قد عرج إلى السماء أو اختفى تحت الأرض، وحيث إنّ الله سبحانه قد بعث عنكبوتاً فنسجت بيتاً لها على باب الغار، فإنّ المتآمرين لم يخطر ببالهم أنّ رسول الله (ص) يلوذ عن كيدهم في داخل الغار الذي يقفون على بابه، وهكذا صرف الله عقولهم فولّوا الأدبار. وعند حلول اللّيلة الثانية أسرع عليّ (ع) وهند بن أبي هالة إلى الغار للاتصال بالرسول (ص) تحت جنح الظلام وتحاور رسول الله (ص) مع عليّ (ع) حول مستلزمات الهجرة، فأوصاه بأداء الأمانات إلى أهلها، وباللّحوق به (ص) بعد ذلك وأوصاه أن يحمل معه فاطمة الزهراء (ع) ومن معها من نساء أهل البيت. الانتظار في قبا: وبعد أيّام من مسيرة الركب وصل رسول الله (ص) إلى «قبا» حيث نزل عند كلثوم بن الهدم أحد زعماء بني عمرو بن عوف، وهناك أقام (ص) مسجد قبا، ومكث ينتظر قدوم عليّ بن أبي طالب (ع) إذ كتب إليه كتاباً يأمره بالمسير إليه، وقد حمل الكتاب أبو واقد الليثي، وحيث إنّ عليّاً (ع) قد أدّى ما أوصاه به رسول الله (ص) قبل هجرته وأعاد الأمانات التي كانت لدى رسول الله (ص) إلى أهلها، فقد عجّل باللِّحوق بأخيه رسول الله (ص) فبادر إلى إعداد ركائب لحمل النّساء: فاطمة بنت رسول الله، وفاطمة بنت أسد، وفاطمة بنت حمزة وفاطمة بنت الزُّبير ابن عبد المطلب. «ثمّ أمر ضعاف المؤمنين أن يتسلّلوا ليلاً إلى (ذي طوى) وخرج هو الفواطم وأيمن وأبو واقد اللّيثي نهاراً». ولم تمض غير أيّام قليلة حتى وصل ركب عليّ والفواطم إلى قبا، فاستقبلهم رسول الله (ص) وعانق عليّاً (ع) وبكى رحمةً به، وذلك لما ألَمّ به من إرهاق وأذى. وبعد مقدم عليّ (ع) على رسول الله (ص) بيومين ارتحل رسول الله (ص) وبصحبته عليّ (ع) ومَن معه من المهاجرين إلى المدينة المنوّرة. وكان الرّكب النبويّ يُستقبل استقبالاً مهيباً عند كلّ حيٍّ يمرّ به، حتى إذا وصل رسول الله (ص) إلى المكان الذي أُقيم مسجده فيه توقفت راحلته عن المسير فنزل عنها، وأقام ضيفاً عند أبي أيّوب الأنصاري (ره)، ثمّ بادر إلى بناء المسجد والدور الخاصّة به وبأهل بيته، وفي طليعتهم عليّ (ع) إذ أُقيمت حجرته بجنب حجرة عائشة زوج النبيّ (ص). وكانت للهجرة الإلهية نتائج عظيمة وانتشار واسع لدين الإسلام ورحمات ربانية على الإنسانية جمعاء.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 469
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 الأبعاد الرسالية لثورة الإمام الحسين (عليه السلام)
 مسلم بن عقيل.. سفير القيم الفاضلة
 الحسين (عليه السلام).. تجسيداً حيّاً للقيم الإسلامية
 ملحمة عاشوراء.. إرث للبشريّة جمعاء
 أبرز أهداف النهضة الحسينية
 إن العهد كان مسؤولا
 آثار ونتائج النهضة الحسينية
 الشمولية الإنسانية في الثورة الحسينية
 الحسين (عليه السلام).. رمزُ الإباء
 العِبرة في قضية الإمام الحسين (عليه السلام)

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا