الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
عبادة الإمام العسكري «ع» وزهده وتقواه

2015/12/19 | الکاتب : عمار كاظم


أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) هم المطهّرون الذين أذهبَ اللهُ عنهم الرِّجسَ، فكانوا قدوة الأُمّة في العلم والعمل والزُّهد والعبادة والإخلاص لله الواحد الأحد. وواضحٌ أنّ أبرز عنصر من العناصر المقوِّمة للإمامة هو عنصر الإخلاص لله، والتعلّق به دون سواه، وإنّ أبرز معالم هذا الإخلاص والعبودية لله في حياة البشرية هو العبادة والتسليم لأمر الله سبحانه، والاتّجاه إليه في كلّ الأحوال والظروف، ومَن يدرسُ حياة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وسيرتهم، يجدهم المثل الأعلى بالتقوى والزُّهد والعبادة، واستقامة السلوك والشخصية. وما كانت دعوتهم وجهادهم، إلّا لتوحيد الله وعبادته، وقيادة البشرية في طريق الهدى والصلاح. وقد حدّثنا التأريخ عن عبادة الإمام أبي محمّد الحسن العسكري (ع)، كما تحدّث عن آبائه الكرام (عليهم السلام). وواضح أنّ أبرز هذه الروايات، وأكثرها إغناء لحياة الإنسان المسلم، وهدياً له، هي تلك الروايات التي تتحدّث عن عبادة الإمام في السجن، وتعلّقه بالله سبحانه؛ وإنّ هذه الصورة التي تنقل عن الإمام العسكري (ع)، تعيد إلى أذهاننا صورة جدّه الإمام الكاظم موسى بن جعفر (ع) في سجن الخليفة العباسي هارون الرشيد، الذي قضى فيه سنين عديدة بالعبادة والتوجّه إلى الله. وكان يقول غير متبرِّمٍ، ولا جَزعٍ من السجن والقيد: «إنّي دعوتُ الله أن يُفرغني للعبادة ففَعَلَ». ولقد كان خصوم الإمام العسكري (ع) يسعون للتضييق عليه، وتشديد ظروف السجن والمعاناة من حوله، ومع كلّ ذلك فهو صابرٌ لا يتزحزح، ومطمئن النفس لا يضطرب موقفه، ولا يتراجع عن دوره القيادي ومسؤوليته العقائدية. وقد حفل التأريخ بالأخبار والروايات المتحدِّثة عن عبادة الإمام وزهده وتقواه، نذكر منها ما يلي: 1- شهادة خصمه عبد الله بن خاقان لابنه أحمد، فقد قال له، وهو يصف الإمام العسكري (ع): «لو زالت الخلافة عن بني العباس ما استحقّها أحد من بني هاشم غيره، لفضله وعفافه وصومه وصلاته وصيانته وزهده وجميع أخلاقه». 2- قال محمّد الشاكري: «كان (ع) يجلس في المحراب ويسجدُ، فأنامُ وأنتبهُ وهو ساجد». 3- قال أبو هاشم داود بن القسم الجعفري: «كان الحسن يقوم في السجن، فإذا أفطر أكلنا معه من طعام كان يحمله غلامه إليه في جونة مختومة». 4- قال محمّد بن إسماعيل: «إنّه وهو في السجن كان يصومُ النهارَ، ويقومُ اللّيل كلّه، لا يتكلّم ولا يتشاغل بغير العبادة». 5- روى الشيخ المفيد، فقال: «إنّ الإمام في أحد سجونه سُلِّم إلى نحرير، وكان يُضيِّقُ عليه ويُؤذيه، فقالت له امرأتُهُ: إتّق الله، فإنّك لا تدري مَن في منزلك، وذكرت له صلاحه وعبادته، وقالت له: إنّي أخاف عليك». نماذج من رسائل الإمام (ع) ووصاياه: لقد حفظت لنا كتب التأريخ والرواية العديد من وصايا الإمام وكتبه الموجّهة إلى بعض أصحابه، يشرح فيها بعض الأفكار والمفاهيم الإسلامية، ويوضِّح فيها الأحكام الشرعية، ويبيِّن مسائل الحلال والحرام، ويورد بها المواعظ والإرشادات والدعوة إلى تقوى الله وعبادته. قال ابن شهر آشوب مشيراً إلى الجوانب المهمّة التي حَوَتها بعض رسائل الإمام: «وخرج مِن عند أبي محمّد (ع) في سنة خمس وخمسين ومائتين كتاب (ترجمة رسائل المقنعة) يشتمل على أكثر علم الحلال والحرام، وأوّله أخبرني عليّ بن محمّد بن موسى، وذكر الحميري في كتاب سمّاه مكاتبات الرجال عن العسكريين (عليّ الهادي وولده الحسن) من قطعه ومن أحكام الدِّين». وممّا كان يدعو الإمام إليه أصحابه، ويربِّيهم عليه، هو عمل المعروف، وفعل الخير، فكان يذكِّرهم بثواب الآخرة، ويحثّهم على ذلك، قال أبو هاشم: سمعته يقول: «إنّ في الجنّة باباً يُقال له المعروف، لا يدخله إلّا أهل المعروف»، فحمدت الله في نفسي، وفرحتُ بما أتكلّف من حوائج الناس، فنظر إليّ، وقال: «نعم، فَدُم على ما أنت عليه، فإنّ أهل المعروف في الدنيا، أهل المعروف في الآخرة. جعلك الله منهم يا أبا هاشم ورحمك». أوصى الإمام الحسن العسكري (ع) شيعتَهُ والتابعين له بوصيّة جمع فيها مكارم الاخلاق وأُسُس التقوى والصلاح، قال (ع): «أوصيكم بتقوى الله، والورع في دينكم، والاجتهاد لله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة إلى من ائتمنكم من بَرٍّ أو فاجر، وطول السجود، وحُسن الجوار، فبهذا جاء محمّد (ص)، صلّوا في عشائرهم، واشهدوا جنائزهم، وعودوا مرضاهم، وأدّوا حقوقهم، فإنّ الرجل منكم إذا ورع في دينه، وصَدَقَ في حديثه، وأدّى الأمانة، وحَسَّن خُلقَهُ مع الناس، قيل: هذا شيعيٌّ، فيسرّني ذلك. اتّقوا الله، وكونوا زَيناً، ولا تكونوا شَيْناً، جُرّوا إلينا كلّ مودّة، وادفعوا عنّا كلّ قبيح، فإنّه ما قيل فينا من حَسَنٍ فنحنُ أهلُهُ، وما قيل فينا من سوء فما نحن كذلك، لنا حقٌّ في كتاب الله، وقرابةٌ من رسول الله (ص)، وتطهيرٌ من الله، لا يدَّعيه أحدٌ غيرنا إلّا كذّاب، أكثروا ذكر الله، وذكر الموت، وتلاوة القرآن، والصلاة على النبيّ (ص)، فإنّ الصلاة على رسول الله (ص) عشر حسنات. إحفظوا ما وصّيتُكُم به، وأستودِعُكُم الله، وأقرأُ عليكم السلام». ومن وصية الإمام العسكري (ع) التي كتبها إلى أحد أصحابه، وهو عليّ ابن الحسين بن بابويه القمّي: «أوصيك بتقوى الله، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، فإنّه لا تُقبَلُ الصلاة من مانع الزكاة، وأوصيك بمغفرة الذنب، وكظم الغيظ، وصلة الرحم، ومواساة الاخوان، والسعي في حوائجهم في العسر واليُسر، والحلم عند الجهل، والتفقّه في الدِّين، والتثبُّت في الأمور، والتعاهد للقرآن، وحُسن الخُلُق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، قال الله تعالى: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) (النساء/ 114)، واجتناب الفواحش كلّها. وعليك بصلاةِ اللّيل، فإنّ النبي (ص) أوصى عليّاً (ع) فقال: «يا عليّ! عليك بصلاة اللّيل، عليك بصلاة اللّيل، ومن استخفّ بصلاة اللّيل فليس منّا»، فاعمل بوصيتي، وَأمرْ جميع شيعتي بما أمرتُكَ به، حتى يعملوا عليه، وعليك بالصبر وانتظار الفرج، فإنّ النبيّ (ص) قال: «أفضلُ أعمال أُمّتي انتظار الفَرَجِ». وهكذا يربِّي الإمام أتباعه وتلامذته على مكارم الأخلاق وقيم الإسلام، والتمسُّك بها، ليكونوا قُدوةً في العلم والزُّهد والعبادة والخلق والجهاد، كما كان يربِّي فيهم الوعي السياسي، والحسّ الاجتماعي، واليقظة الفكرية، ليصنع منهم شخصياتٍ إسلاميةً تمثِّل مدرسة أهل البيت (ع)، وتمثِّل نظرتهم إلى الدِّين والحياة.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 313
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 دوافع العمل
 الآداب المعنوية للدعاء
 التجارة الرابحة مع الله تعالى
 شهر رمضان.. فرصة لتهذيب النفس
 رباط المودة والإخاء
 رمضان.. شهر العبودية والخشوع
 خير وسيلة لإصلاح المجتمع الدعاء
 الله تعالى.. منبع كل سعادة وطمأنينة
 العزة.. قوة وصلابة من الله تعالى
 الخشية الدائمة من الله

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا