الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
مجتمع الرسول «ص» التراحم والمحبة

2015/12/19 | الکاتب : عمار كاظم


   إنَّ الإسلام يصوّر لنا مجتمع الرسول(ص) الذي انطبع بأخلاقه وشخصيته، واستطاع من خلال هذه الأخلاق التي شملت الواقع الإسلامي، أن يحصل على العنصر الأساسي الذي أعطاه القوّة، ومواقع القوّة الاجتماعية التي انطلقت من تعامله الإنساني مع الآخر، لأنَّ أخلاق القوّة ليست هي أخلاق العنف، بل قد تكون أخلاق اللين، عندما يتحرّك اللين ليجعل المجتمع مجتمعاً واحداً يرتبط بالرباط الإنساني. إنَّ اللّه يحدّثنا أنَّ الرحمة ليست مجـرّد خُلُق نعيشه، بل هي مسؤولية عليك أن تتحمّلها {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ}، أن توصي أخاك بأن يرحم أخاه، فتكون الرحمة وصيّة المؤمنين في مجتمعهم، لكي لا تأخذ المشاكل حريتها في الحركة، وتسيطر على مواقع الأمن الاجتماعي لتنسفه، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}. انطلقوا بفعل الرحمة نحو المتخاصمين، وادخلوا بينهم، ولا تسمحوا للمشاكل بأن تتعقد، بحيث تتحوّل إلى مشاكل مستعصية تحرق الأخضر واليابس، فلو أصرَّ أحدهم على البقاء في مواقع البغي، فإنَّه يجب على المجتمع أن يتحرّك على أساس الرحمة، بإجراء عملية جراحية ينقذ بها نفسه {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}. إنَّ المجتمع الإسلامي مجتمع الرحمة بين أفراده، فلنقدّر الظروف، ولننطلق من موقع المحبة في كلّ ما نمارسه، بحيث يعيش المسلم منا همّ المسلم الآخر. عندما انطلقت الدعوة الإسلامية في المدينة، وأصبحت المدينة الركيزة الأساسية للمسلمين، جاء المهاجرون من مكة، ولم يكونوا يملكون مالاً ولا ثياباً ولا سكناً، لأنَّ قريش شردتهم من ديارهم من دون أن تمنحهم فرصة ليأخذوا معهم ما يتّخذونه أساساً لحياةٍ جديدة، فأضحوا بذلك في موقعهم الجديد محتاجين، فكيف واجههم الأنصار في المدينة؟ إنَّ اللّه يحدّثنا عن ذلك، فيقول للفقراء المهاجرين: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}. وقد يتضايق النّاس من المؤمنين ومن المجاهدين إذا حمَّلوهم مسؤوليةً أو احتاجوا إليهم، ولكن أهل المدينة، كما عبّر القرآن: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ}، كانت قلوبهم مفتوحة لكلّ المهاجرين إليهم، {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ}، كانوا يحبّونهم، وشعورهم نحوهم ليس مجرّد شعور الإنسان عندما يلتقي بإنسان من خلال انتمائه، ولكنَّه شعور الإنسان الذي يحبّ كلّ إنسان آمن باللّه وجاهد في سبيله. لهذا، كانت المحبة هي الشعور الغالب لكلّ هؤلاء الذين تبوأوا الدار والإيمان، لأنَّهم يشعرون بأنَّ علاقة الإيمان تفوق علاقة المحبة. إذاً، وبتعبير آخر، فالإيمان ليس مجرّد حالة عقلية تعيشها من خلال ما تحمله من فكر، بل هو حالة شعورية عميقة تشعر فيها بالعاطفة تّجاه كلّ من يحمل هذا الإيمان، لأنَّ معنى أن تحبّ اللّه، أن تحبّ من أحبّ اللّه، وأن تحبّ من أحبّه اللّه. وبتعبير آخر، إنَّ الإيمان حركة فكر في عقلك، وحركة عاطفة في قلبك، {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا}، فلا يشعرون في صدورهم بأيّ حرج أو ضيق أو مشكلة، {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}، كانوا يمنعون أنفسهم من المال الذي يحتاجون إليه، ومن الغذاء الذي يقتاتون به، ليعطوه للمهاجرين {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، هذا مظهر من مظاهر الرحمة. وبذلك، انطلقت الرحمة لتكون مصدر قوّة لهم، لأنَّ المجتمع الذي يعيش الحالة الشعورية المترابطة فيما هي العاطفة والشفقة والرحمة، هو مجتمع لا يستطيع الآخرون أن ينفذوا إلى داخله، لأنَّ الرحمة تسدّ الثغرات التي يستغلها الآخرون، وتمنعهم من النفاذ إلى داخل البيئة الاجتماعية. كيف ينفذ الآخرون إلى مجتمعاتنا؟! إنَّهم ينفذون لأنَّنا لا نعيش بشخصية المجتمع، ولكنَّنا نعيش بشخصية الفرد. من الطبيعي أن أعيش معك وتعيش معي في بيت واحد، ولكن عندما تفكر في نفسك بصفتك الفردية، وأفكر في نفسي بصفتي الفردية، فمعنى ذلك أنَّه لا رابطة بيننا، وإن كان البيت يضمّنا معاً. إنَّنا عندما نكون أفراداً مجتمعين في مكان واحد، لا تربط بيننا رابطة عضوية، ولا تحكمنا حالة شعورية عاطفية، فإنَّ معنى ذلك أنَّ الثغرات تعيش في حياتنا بشكل طبيعي جداً، ويمكن أن ينفذ منها كلّ النّاس، ولذلك، فإنَّ الأعداء عندما ينفذون إلى أيّ مجتمع، إنَّما ينفذون إليه لأنَّ أبناءه لا يُمثّلون مجتمعاً مترابطاً، بل أفراداً متفرقين يتحرّك كلّ منهم في دائرته الخاصة، وإن جمعهم تجمُّع واحد. وحدهم المؤمنون الذين يعيشون الإيمان بعمق، ويخلصون للّه بعمق، هم الذين يعتبرون الترابط فيما بينهم أمراً أساسياً، بحيث لا يسمح إيمانُ أيِّ إنسان منهم أن ينفصل عن أخيه، أو أن لا يعيش همّ أخيه، بحيث إنَّه لو فقد اهتمامه بآلام إخوانه، فإنَّه يخرج عن الإسلام: «مَثَلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى»، هذا هو مثل المجتمع المؤمن. وهكذا نجد: «لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه». ومن الصَّعب أن يربي الإنسان نفسه هذه التربية، بأن يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه. و«من لـم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم»، و«من سمع رجلاً ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم». ومن هنا، نرى أنَّ الإسلام يركّز على العلاقة التي تجعل الإنسان يعيش الشعور بالآخرين من المؤمنين، كما يشعر بنفسه، والمسألة تحتاج إلى تربية، ومعاناة، وجهاد نفس، ووعي للإسلام. وهكذا، استطاع ذلك المجتمع المسلم الصغير، بالرغم من وجود نقاط الضعف والمشاكل فيه، أن يشكل قوّة {أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ}، وهذه صفة ثانية من المواصفات التي أودعها اللّه في المؤمنين، بأنَّهم يقفون بقوّة أمام مجتمع الكفر والاستكبار والظلم الذي يحاول قهر المجتمعات الأخرى، ولأجل ذلك، يستنفرون كلّ عناصر القوّة، وكلّ عناصر الشدّة، وكلّ عناصر العنف، في مواجهة الذين يريدون أن يفرضوا عليهم سيطرتهم من مواقع الشدّة والقوّة، ليكونوا الأقوياء في هذا المجال، لأنَّ القرآن كان يحشد القوّة في نفوسهم، ويحشد الشدّة في كلّ مواقفهم: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}، وهذا ما نحتاج إلى أن نعيشه إلى جانب أن نكون الرحماء فيما بيننا، أن نكون الأشداء على كلّ الذين يريدون أن يحاربونا في ديننا، أو في حريتنا، أو في عزّتنا، أو في كلّ مواقع العدالة في مجتمعنا، فلا نستسلم لهم، ولا نضعف أمامهم، ولا نسترخي عندما يواجهوننا بالتحديات، أن لا نعاونهم، ولا نتجسس لهم، وأن لا نكون الجنود الذين يحاربون معهم، ولا الأصوات التي تؤيدهم، أو تبرر ظلمهم. ومن يفعل ذلك، فهو خارج عن خطّ رسول اللّه ودائرته ودائرة المسلمين، وداخلٌ في دائرة الكافرين، فأيّ كفر أعظم من أن تعين الكافر والظالـم على أخيك! أيّ كفر عملي أعظم من ذلك! فما قيمة أن تكون مؤمناً بلسانك إذا كانت كلّ حياتك حركةً في اتجاه تقوية الكفر ودعمه، أيّاً كانت مواقع الكفر، سواء كانت مواقع ثقافية أو سياسية أو أمنية واقتصادية؟! فالذين يتجسّسون للكافرين في الداخل والخارج، ويعملون على تمكينهم من المؤمنين، هم في دائرة الكفر لا في دائرة الإسلام، وهؤلاء خانوا اللّه ورسوله، وغداً يوم القيامة، سيحاسبهم حساباً عسيراً، ولذلك، علينا أن نكون أشداء على الكفّار، لا أن نكون أشداء لمصلحة الكفّار، ولا أن نكون جنوداً ومخابرين لهم. الصفة الثالثة: {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا}، فإذا كنت تريد أن تدخل في مجتمع رسول اللّه، وأن تنال محبته شفاعته، أخلص للّه في عبوديتك، وكن الراكع للّه بعقلك وبقلبك، وكن الساجد للّه بعقلك وبقلبك، لأنَّ الكثيرين يسجدون للّه على جباههم، ولكنَّهم يسجدون للشيطان في عقولهم وقلوبهم، وأن تكون قريباً إلى اللّه في سجودك إذا توافق سجودك الجسدي مع سجودك القلبي للّه، بحيث كان قلبك خاضعاً للّه ساجداً له، تماماً كما هي جبهتك ساجدة له. فالمؤمنون في مجتمع الرسول(ص) كانوا يعيشون ذلك، يركعون ويطلبون من اللّه أن يمنحهم فضله، يسجدون وقلوبهم متعلّقة بكلّ ما يمنحهم اللّه من فضله، {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ}، لأنَّ السجود كان طبيعةً من طبائع حياتهم، لذلك أثرّ في جباههم تأثيراً طبيعياً. وفي هذا الجو، أحبّ أن أؤكد أنَّ التركيز الإلهي جاء على أنَّ مجتمع الرسول(ص) هو مجتمع الراكعين الساجدين، الذين يبتغون من اللّه فضلاً ورضواناً، وهذا يعني أنَّ الجانب الروحي الذي ينفتح على اللّه، من خلال مواقع العبادة للّه، والخضوع له، والابتهال إليه، يعتبر الأساس في حياة المسلم. أن تربي نفسك على أن تكون الراكع للّه بقلبك وعقلك وضميرك وحياتك وجبهتك، وأن تكون الساجد للّه في ذلك كلّه، أن تكون روحيتك منفتحة على اللّه، وأن يكون قلبك خاشعاً للّه، وأن تكون كلّ حياتك بين يدي اللّه، لأنَّه لا يكفي أن تكون مسلماً بكلامك وبفكرك وجهادك، ما لـم تكن مسلماً بروحك المنفتحة على اللّه والخاشعة له: {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}، لهذا أؤكد التربية الروحية، فلنربّ أنفسنا وندربها على أن ننمي روحيتنا بانفتاحنا على اللّه، لأنَّنا كلّما استطعنا أن نحصل على الانفتاح على اللّه أكثر، وعلى القوّة الروحية أكثر، كنّا الأقوى في مواجهة الشدائد.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 574
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 فاطمة الزهراء «عليها السلام».. القدوة الشاملة
 رجب.. شهر استجابة الدعاء
 ملامح الهدوء النفسي في الأسرة
 القراءة الواعية للقرآن الكريم
 الإقبال على ساحة الله المقدسة بالدعاء
 وظائف الأسرة الصالحة
 طلب الرزق.. عبادة خالصة
 الزهراء (ع) قمة في العطاء والصبر
 سيدة نساء العالمين بفضائلها
 إدارة الوقت.. رضا ونجاح

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 فوائد زيت السمسم
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا