الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
مع رسول الله (ص).. ومع الصادق (ع) توجيهات ووصايا

2015/12/25 | الکاتب : عمار كاظم


في السّابع عشر من شهر ربيع الأوّل، التقى مولد النبوّة في مولد النبيّ محمّد(ص)، ومولد الإمامة في مولد الإمام جعفر الصّادق(ع). وعندما نتذكَّر التأريخ، فإنَّنا لا نريد أن نستغرق فيه لننسى حاضرنا، بل نريد للتأريخ الذي يبقى مضمونه في حيويته كلّها، أن يعيش معنا، لأنَّه لن يبقى تأريخاً، بل سيتحوَّل إلى حركة حياة، يتجاوز فيها الماضي لينفتح على الحاضر والمستقبل، وهذا هو نهج القرآن في قصص التّأريخ كلّها.

فالله تعالى عندما يقدّم لنا القصص في القرآن، يقول: «لَقَدْ كَانَ في قَصَصهمْ عبْرَةٌ لّأُوْلي الأَلْبَاب»، فدعوة القرآن هي أن نأخذ من القصص الدَّرس والعبرة، وألا نستغرق فيها. أمّا مسؤوليّتنا، فهي أن نعيش عصرنا في قضاياه كلّها ومفاهيمه كلّها، وأن نعمل على أن نحرّك الإبداع فيما نرويه، لنبدع في فهمه، وفيما ننتجه، لنبدع في حركته.

ولهذا، فإنَّ ذكرى النّبيّ(ص) هي ذكرى النبوَّة في حركتها في الزَّمن، وحركتها هي حركة الرّسالة الّتي أراد الله لها أن تكون في حجم الحياة، «يَا أَيُّهَا الَّذ.ينَ آمَنُواْ اسْتَجيبُواْ للّه وَللرَّسُول إذَا دَعَاكُم لمَا يُحْييكُمْ»، الآن، وغداً، وبعد غد، لأنَّه يحمل في طبيعته سرَّ الحياة المتجدّ.دة.

ومثل ذلك، يقال عندما نثير ذكرى الإمام(ع)، فنحن بذلك نثير حركة الإمامة الّتي انطلقت من أجل أن تعطي المضمون الرّساليّ الّذي حمله الرّسول(ص) حركته وتجدّده وصفاءه، وأن تحميه من كلّ تحريفٍ وانحراف.

ومن هنا، فإنَّنا عندما نستذكر الشَّخص العظيم هنا، والشَّخص العظيم هناك، فإنّنا لا نستذكر الذّات من حيث الذّات، وإن كانت ذات الرّسول(ص) تمثّل تجسيد الرّسالة، وذات الإمام(ع) تمثّل التَّجسيد لخطّ الإمامة، لكنَّنا فيما يبقى لنا من الحياة، نتحرك مع الرّسالة في دور النبوّة، ومع الرّسالة في دور الإمامة.

وقد نطلّ على تأريخ الإمامة في إمامة أهل البيت(ع)، لنرى أنَّ دور الإمام، كما نفهمه، هو أن يعطي الناس الرسالة بكلّ حجمها وامتدادها وعمقها في القضايا كلّها، ولكنَّ المشكلة الَّتي عاشها الأئمّة من أهل البيت(ع)، تتمثّل بالحصار؛ الحصار السياسيّ والثقافيّ، بل والجسديّ أيضاً، كما هو ظاهر في حركة كلّ إمام، ما قلّص المساحة التي يتحرك فيها، بفعل ما وضعوا له من حواجز، وما بنوا من أسوار، وقد لا نجد في تراث الكثيرين منهم هذه السّعة والشّموليَّة، بالمعنى الَّذي ينفتح فيه الإمام(ع) على عصره كلّه. ولكنَّنا رأينا بعد الإمامين الحسنين(ع)، اللّذين كانا يعيشان ظروفاً صعبة معقّدة شملت المساحة الزمنيَّة الَّتي عاشاها، أنّ الإمام عليّ بن الحسين(ع) قد استطاع أن يعطي شيئاً كبيراً. وقد أشرنا في أكثر من حديث، إلى أنَّ ما يتحدَّث به الناس من أنَّ تراث الإمام زين العابدين(ع) هو تراث الدّعاء، ليس دقيقاً.

 

شخصيّة الإمام الحواريّة

فالإمام (ع) شارك في أكثر مفاصل الثقافة الإسلاميَّة في ذلك الوقت. لقد تحدَّث في العقيدة والشَّريعة والأخلاق، وفي كثيرٍ مما كان يدور بين الناس من قضايا ومنازعات وغير ذلك. حتى إذا جاءت مرحلة الإمام الباقر(ع) والصّادق(ع)، انفتحت السّاحة انفتاحاً كبيراً. ولذلك، فإنّنا عندما نقرأ سيرة الإمامين(ع)، فإنَّنا نجد أنّ هناك مشاركة في كلّ ما كان يثار في الواقع الإسلامي من قضايا في الفلسفة والكلام والفقه والأخلاقيات، مما لا تجد موضوعاً من الموضوعات التي تطرح في السّاحة الإنسانيّة الإسلاميّة، إلا وتجد معه كلمةً لهذا الإمام أو ذاك، ولاسيَّما بالنّسبة إلى الإمام جعفر الصّادق(ع)، الَّذي كانت مدرسته مفتوحةً على التّيارات والمذاهب الإسلاميَّة، بحيث لا نجد هناك أيَّ مسلم، سواء كان في درجة العلماء أو الرّواة، يحمل أية عقدة بالنّسبة إلى الإمام الصَّادق(ع)، لأنّه كان الإنسان المنفتح على عصره كلّه.

وعندما نتابع آثاره، نجد أنَّه لم يعش أيَّ حاجز إزاء أيّ شخص، سواء اختلف معه أو اتّفق. وليس هذا بغريب، طالما أنّه كان إمام الفكر الإسلاميّ والخطّ الإسلاميّ، الَّذي لم يقدّم وهو يحاور الآخرين، أيَّ تنازلٍ عن أيّ شيءٍ في الإسلام، لكنّه في شخصيّته الحواريّة، كان يفتح قلبه حتى للملحدين والزّنادقة، وكان لا يعنف، مهما كان أسلوب الطّرف المقابل هجوميّاً وعنيفاً، وكان الهادئ في أسلوبه الإنسانيّ المنفتح، لأنَّه كان الهادئ في عقله، وهذه مسألة يجب أن نعرفها جميعاً، وهي أنَّك كلّما كنت قويّاً في حجّتك، كنت هادئاً في حوارك، فالَّذين يعنفون ويشتمون، ويتحدَّثون بالكلمات اللامسؤولة، هم الَّذين يعيشون الهزيمة النفسيَّة، حتى أمام فكرهم، لأنَّك إذا أردت أن يحترمك الآخر، فعليك أن تحترمه.

لقد كان الإمام الصَّادق(ع) وهو يرى أنَّ الإسلام هو خطّ الله الوحيد في الحياة، لا يلغي الآخر، كما أنَّ القرآن لم يلغ. الآخر، حيث اعترف بعدّة وجودات: فلقد حاور الملحدين، لأنَّهم موجودون في السَّاحة، ولم يكن ذلك اعترافاً بشرعيّتهم، بل بوجودهم. واعترف أيضاً بالمشركين لأنهم موجودون، وهكذا بأهل الكتاب. ولهذا، فإنّك عندما تعترف بوجود الآخر، لابدَّ لك من أن تخطّط لكيفيّة التعامل معه، لأنَّ إلغاءك له لن يلغي وجوده. وهذا ما فعله الإمام الصَّادق(ع)، الَّذي حاور الجميع، وربما يتوهَّم بعض الناس أنَّ الإنسان لا بدَّ من أن يواجه التيارات المضادّة بالعنف والقسوة والشَّتيمة دائماً، ولكنَّ هذه النّظرة غير قرآنيّة، لأنَّ الله تعالى قال لنا: «ادْعُ إلى سَبيل رَبّكَ بالْحكْمَة وَالْمَوْعظَة الْحَسَنَة وَجَادلْهُم بالَّتي هيَ أَحْسَنُ...» (النحل: 125)، وقال: «وَلَا تُجَادلُوا أَهْلَ الْكتَاب إلَّا بالَّتي هيَ أَحْسَنُ إلَّا الَّذينَ ظَلَمُوا منْهُمْ...» (العنكبوت: 46)، وقال: «...ادْفَعْ بالَّتي هيَ أَحْسَنُ فَإذَا الَّذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَليٌّ حَميمٌ» (فصلت: 34)، لذلك، فإنَّ الّذين يشتمون، ويعنفون، ويكفّرون، ويضلّلون، حتى في الدائرة الإسلاميّة، ليسوا إسلاميّين، لا في الخطّ، ولا في المنهج، وإن كانوا يصومون ويصلّون.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 364
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 تنمية الحوار عند الشباب
 الوعي بدور العاملين في المجال الإنساني ومساندتهم
 تجسيد معاني الوحدة في فريضة الحج
 دحو الأرض.. يوم مبارك وواقعة جليلة
 المروءة في شخصية الإمام الجواد (ع)
 اليوم العالمي للعمل الإنساني
 إضاءات من شخصية الإمام الجواد (ع)
 دعوة إلى التكاتف والتآلف والوحدة
 الزهد من كمالات الأخلاق
 البعد الروحي في فريضة الحج

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا