الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
في توديع عام واستقبال آخر

2016/01/01 | الکاتب : عمار كاظم


في توديع عام واستقبال آخر.. هو ختام السنة، وقد اعتاد الناس أن يتوقفوا عند نهاية سنة من تاريخ معيّن ليستقبلوا بطريقة معينة سنة جديدة، ونحن كمسلمين لا نعتقد أن تكون السنة باسم السيد المسيح (ع) أو تكون السنة باسم النبيّ موسى (ع) أو تكون السنة باسم محمّد (ص)، ففي عقيدتنا الإسلامية علّمنا الله ألا نفرق بين أحد من رسله. إذن كيف نودّع سنة تمضي وكيف نستقبل سنة تجيء؟ وكيف نتصرف في كلّ حركة التأريخ فينا في تكوين التأريخ الذي نستهدفه كلّ يوم؟ هل نطلق لنأخذ بالتأريخ الميلادي لأنّ العالم يأخذ به ونترك التأريخ الهجري ليكون على الهامش؟ ففي الفكر الإسلامي يمثل الزمن عمرك وأنت تخطو مع الزمن لتستهلكه، وفي كلّ ساعة يموت شيء منك، وفي كلّ سنة تموت حقبة من عمرك، فنحن لا نموت دفعة واحدة لكنّنا نموت موتاً تدريجياً، لقد مات العمر الذي عشناه ونحن نستقبل عمراً جديداً، حتى إننا نقرأ مع الإمام زين العابدين (ع) في دعاء «يوم الأربعاء» إنّك عندما تنام فأنت تموت في يومك لأنّ الإنسان النائم ميت يتنفّس، ولذلك شبّه رسول الله (ص) الموت بالنوم كما شبه البعث باليقظة «إنّكم لتموتنّ كما تنامون ولتبعثنّ كما تستيقظون»، يقول الإمام زين العابدين (ع) مما يروى عنه، عندما يستيقظ في الصباح: «لك الحمد أن بعثتني من مرقدي ولو شئت جعلته سرمدا». فالإنسان يولد في كلّ يوم عند يقظته. وفي ضوء هذا، فإذا كان الزمن يمثل حركة عمرنا في حينه، فعلينا أن نحدق في مضمون هذا الزمن ماذا أخذ منّا وماذا حركنا فيه، وماذا قدّم لنا من فرص، وماذا انتهزناه من فرصة؟ هل عندما تقدم الزمن بنا تقدّمنا؟ أو كان الزمن يتقدم بنا ونحن نتأخر؟ كما في بعض كلمات الإمام عليّ (ع) «فلينظر أحدكم أسائر أو أراجع»، هل أنت تتخلف أو تتقدم؟ لأنّ مسألة التقدم في الفكر والروح وفي الثقافة وفي حركة الحياة لا تقاس بالساعات أو بالأيام، إنّما تقاس بحجم ذاتك ماذا حملت؟ كان فكرك محدوداً فهل توسّع؟ كان قلبك مقفلاً فهل انفتح؟ كانت حياتك تتحرك في ساحة ضيقة فهل اتسعت تلك الساحة؟ أي هل أصبحت تتحرك بشكل أوسع؟ ماذا فعلت وماذا تريد أن تفعل؟ ولذلك أرادنا الله سبحانه وتعالى أن نحدق دائماً بالغد من خلال حسابات الأمس، وأن تكون حياتنا يقظة مع الله، لا غفلة عن الله «يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لغَدٍ» (الحشر: 18).

 

حسابات الغد

ما هي حساباتك للغد؟ أن تدرس جيداً حساباتك التي قدمتها في كتابك عندما يقدم إليك الكتاب «اقْرَأْ كتَابَكَ كَفَى بنَفْسكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسيبًا» (الإسراء: 14). فلابدّ لنا، فيما يريد الله لنا أن نتحرك، أن نقدم للغد شيئاً، قد تكون الكلمة واردة فيما قدّمت لنفسك «وَمَا تُقَدّمُوا لأنْفُسكُمْ منْ خَيْرٍ تَجدُوهُ عنْدَ اللَّه» (البقرة: 110). ولكنك كنت شخصاً تعيش مع الآخرين، ومندمجاً مع الآخرين، فأنت لم تعش وحدك، بل أنت جزء من عائلة، جزء من محلّة، جزء من مجتمع، جزء من أُمّة، ولذلك ماذا قدمت لغدٍ في مسؤوليتك عن نفسك؟ وماذا قدمت لغد في مسؤوليتك عن عائلتك؟ وماذا قدمت لغد في مسؤوليتك عن مجتمعك؟ وفي مسؤوليتك عن أُمّتك؟ وفي مسؤوليتك عن أي قضية تملك مسؤولية التحرك فيها. «واتقوا الله» بعدما تعرفون ماذا أنتم فيه «إنَّ اللَّهَ خَبيرٌ بمَا تَعْمَلُونَ»، اتقوا الله وحاسبوا أنفسكم فيما قدمتموه، واتقوا الله ثانياً بعد أن تعرفوا ما قدمتموه، اتقوا الله لتعرفوا ماذا تقدمون «وَلا تَكُونُوا كَالَّذينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئكَ هُمُ الْفَاسقُونَ» (الحشر: 19).

 

فرصة للتأمّل والمراجعة

لابدّ أن تكون نهايات السنين كنهايات الشهور وكنهايات الليالي والأيام، فرصة للفكر وفرصة للحساب، لأنّ مشكلتنا أنّنا قد نعرف كلّ الناس من حولنا ولكننا نجهل شيئاً أساسياً أنّنا نجهل أنفسنا، فلو سألك أي سائل عن صديقك أو قريبك فإنّك تقضي اليوم في الحديث عنه ولا تنتهي، ولكنه لو سألك إنسان نبذة عن نفسك؟! ما هي أفكارك؟ ما هو خط عاطفتك؟ ما هي خطوط انتمائك؟ ما هي أسس علاقتك؟ ما هي نظرتك لمستقبلك؟ هل تملك أن تجيب؟ الكثيرون منّا لا يملكون أن يجيبوا، لأنّهم لا يحدقون بأنفسهم، والله يريد لنا دائماً أن نحدق بأنفسنا «من عرف نفسه عرف ربّه»، علينا ألا نؤمن فيما يخوض به الخائضون لتكون بداية السنة رصاصة طائشة نطلقها في الهواء، ولتكون بدايات السنة سكرة يغيب الإنسان فيها عن الوعي، ولتكون نهاية السنة رقصة يرقص الإنسان فيها على آلام أُمته وعلى هزائمها وعلى سقوط قيمتها، ألا تكون مجرد غيبوبة عن الوعي، ذلك لأنّ على الإنسان أن يكون أكثر وعياً في نهايات الزمن، فقد تكون نهايات الزمن نهاية عمرنا، عليك أن تستعد للزمن فقد يأتي الغد وأنت تحت التراب. لذلك، لابدّ أن يكون الزمن نابعاً منّاً، حياً، منفتحاً، مسؤولاً، متحركاً، وألا نشعر بالزمن كعبء عندما يقول بعضنا لبعض ولا سيّما في ليالي الشتاء الطويلة: تعالوا لنقتل الوقت، لنضيع الوقت، فهل الوقت خصم تريد أن تقتله، تريد أن تقطعه وتمزقه؟! إنّ هذه التعابير تدلّ على خلفيّة ذهنية الأُمّة وقد لا تجدها عند الأُمم الأخرى لأنّها تحترم الزمن باعتبار أنّه يمثل فرصتها للإنتاج، وفرصتها للتقدم، أما عندنا في الشرق فنحن لا نحترم الزمن. فنحن مسلمون نملك التعاليم الإسلامية بعدم إخلاف الوعد، ولكنه من منّا لا يخلف وعده؟! عندما نقيم حفلاتنا ومواسمنا فمن الصعب أن نبدأها بالدقيقة الأولى من الوعد، ومن الصعب أن يأتي الإنسان على الموعد نفسه. لأنّ الزمن لا قيمة له عندنا، لا قيمة له في حياتنا. وعندما يحدث هناك أي حدث نضرب يومين أو ثلاثة أيام أو أشهراً ولا نفكر كم تخسر الأُمّة في هذا الوقت. بينما في أكثر الدول الحضارية عندما يراد التعبير عن احتجاج فهناك خمس دقائق، ثمّ بعد ذلك ينطلق الاقتصاديون ليحسبوا ماذا خسرت الأُمّة في حركتها الإنتاجية في هذه الدقائق الخمس؟!

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 266
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 حاجتنا إلى التسامح
 وصية الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)
 عاقبة الصبر
 حصانة الشباب بتقوى الله
 سموّ الإمام الصادق (ع) بعلمه ومعرفته
 مسـؤولياتنا اليوم كشبّان
 منهج الإمام الصادق (ع) التربوي
 الإمام جعفر الصادق (ع).. إمام العلماء وأستاذ الفقهاء
 الإجازة الصيفية.. متعة، فائدة وإنجاز
 مفهوم التسامح ودرجاته

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا