الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
لغة الحوار ومنطق القوة

2016/01/08 | الکاتب : عمار كاظم


 

الحوار تعبير عن قيمة عظيمة، بل القيمة الكبرى في التكوين الأساسي للإنسان والبشرية.. الفطرة.. فالدين هو الفطرة، «فطْرَةَ اللَّه الَّتي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْديلَ لخَلْق اللَّه» (الرّوم/ 30)... فطرة الله هذه، دين الإنسانية هذا، تكرر ذكره في الكتب السماوية فحمل تعابير: المحبة والتوبة والندامة والنور والكلمة والبشارة والقلم والقلب واللسان والمغفرة والتسامح والشفقة والرأفة وملح الأرض والمصالحة والفرح والعناية والغفران والبرّ والتقوى والحكمة والرشد والكرامة والهداية واللطف والحسنة والصدقة وسواء السبيل والصراط المستقيم والعمل الصالح والعبادة والقيام... وكلها هي الحوار.. فالدين هو الحوار: «لا إكْرَاهَ في الدّين قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ منَ الْغَي» (البقرة/ 256). والحوار هو الدين: «ادْعُ إلَى سَبيل رَبّكَ بالْحكْمَة وَالْمَوْعظَة الْحَسَنَة وَجَادلْهُمْ بالَّتي هيَ أَحْسَنُ» (النحل/ 125). ومن مستلزمات الحوار الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحقّ. والصبر. الحوار إذاً هو جوهر ولب الرسالات السماوية والفطرة الإنسانية وهو طريق الرشد والرشاد في الدنيا والآخرة.. ذلك بأنّ الله رب العالمين غني عن الناس، ولو شاء لما خلقهم أصلاً، ولو شاء لجعلهم أمة واحدة... ولكن حكمة الله في الخلق وفي اختلاف الناس نعمة ورحمة ولطف إلهي وسنة لا تبديل لها. إنّها سنة التدافع، أي الحوار الدائم، بالتي هي أحسن، بالكلمة الطيبة «أصلها ثابت وفرعها في السماء»، بالحسنة والموعظة والحكمة، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بجهاد النفس وهو الجهاد الأكبر... «ادْفَعْ بالَّتي هيَ أَحْسَنُ فَإذَا الَّذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَليٌّ حَميمٌ» (فصّلت/ 34). «وَلَوْلا دَفْعُ اللَّه النَّاسَ بَعْضَهُمْ ببَعْضٍ لَفَسَدَت الأرْضُ وَلَكنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمينَ)» (البقرة/ 251). هذا الحوار، السنّة الإلهية الكونية، ملح الأرض، هو حوار الحياة، حوار التدافع والمدافعة، المجادلة والحكمة، المشاركة والعيش، إنّه حوار النضال المشترك من أجل الإنسان وقضاياه، من أجل الحرية والعدل والاستقلال والأمن والسلام والكرامة والخير للجميع.. «يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ إنَكَ كَادحٌ إلَى رَبكَ كَدْحًا فَمُلاقيه.» (الإنشقاق/ 6)، وفردية... فبناء الإنسان الحر والشخصية القرآنية، يمران عبر الحوار مع الآخر... «كَلا إنَّ الإنسانَ لَيَطْغَى» (العلق/ 6)، «أَلا تَطْغَوْا في الْميزَان» (الرحمن/ 8). إن الحوار رغم كونه أسلوباً حضارياً في التخاطب والتفاهم وتسوية الخلافات والصراعات وتنضيج الرؤى، لكننا لا نلجأ إليه دائماً، فقد نعمد إلى استخدام القوة أو التهديد أو الشتائم أو إلحاق الأذى المادي والمعنوي بالآخر لأنّنا نعجز عن إقناعه بالحوار الهادئ المتزن السليم الذي يعبّر عن إنسانية الإنسان، وعن تقديره لقيمة عقله وعقل غيره. ولعلّنا لا نغالي إذا قلنا إنّ كثيراً من حالات المواجهة بالعنف – فردية كانت أو جماعية – كان يمكن تفاديها فيما لو اعتمد الحوار كأسلوب من أساليب الحسم. إذاً فإمّا «الحوار» كوسيلة إيجابية للوصول إلى عقل وقلب الآخر، وأمّا الوسائل أو البدائل السلبية، وهي العنف والشتائم والاتهامات والتراشق بالكلمات الجارحة سواء باللسان أو الكتابة، أو بالغيبة باعتبارها نقداً سلبياً يعبّر عن عجز، أو التهميش والتسقيط والغاء الآخر.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 220
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 شهر شعبان.. شهر التنافس
 إشراقات التضحية في مدرسة الحسين (ع)
 مكارم العبّاس (ع) وشجاعته
 آداب وشروط الدعاء
 شعبان المبارك.. تدريب وتأهيل
 كمالات الإمام زين العابدين (ع) الإنسانية
 خط الإمام الحسين (ع) ومنهجه الهادف
 التوسّع في فعل الخير
 من وصايا الإمام الكاظم (ع)
 محمّد (ص) .. الأُمّي العالِم العابد

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا