الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
أسس التعايش والعلاقة مع الآخر

2016/01/22 | الکاتب : عمار كاظم


يتحدّث القرآن الكريم عن علاقة الإنسان بالإنسان، ويُثقّفه، ويُعلّمه أسس التّقييم، وأساليب التّعامل والتّعايش والعلاقة مع الآخر.. القرآن علّم الإنسان أنّه إنسان.. تتجلّى فيه معانٍ وقيَم إنسانية، هي قيمة حياته ووجوده، والنّاس سواسية في الإنسانية، فأصل المنشأ الإنساني واحد.. «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُمْ منْ نَفْسٍ وَاحدَةٍ وَخَلَقَ منْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ منْهُمَا رجَالا كَثيرًا وَنسَاءً» (النساء/ 1). وكرّم الله هذا الإنسان وعظّمه وثبّت أرقى المبادئ الأخلاقية والقانونية لبيان حقّ هذا الإنسان وحماية إنسانيّته من اعتداء الآخرين عليها، ومن اعتداء نفسه على إنسانيّته.. وبعبارة أخرى توفير الحماية للإنسان من ظلم أخيه الإنسان، ومن ظلم نفسه لنفسه. يتجلّى أسمى بيان لتكريم الإنسان، واحترام شخصيّته في قوله تعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَن.ي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ في الْبَرّ وَالْبَحْر وَرَزَقْنَاهُمْ منَ الطَّيّبَات وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثيرٍ ممَّنْ خَلَقْنَا تَفْضيلاً» (الإسراء/ 70). وفي تزاحم الذّوات، وصراع الأنا والمصالح، تبرز ظاهرة استعلاء البعض من بني الإنسان على أخيه الإنسان، فيشعر بالعلوّ والغرور والكبرياء الأجوف. فتتكوّن في نفسه رؤى وتصوّرات ونوازع خاطئة يرى نفسه فيها أعظم من غيره، بل قد يرى البعض من هؤلاء أنّ الوجود ملخّصاً بذاته.. وتتعاظم تلك الظّاهرة المرضيّة والحالة الإنحرافية عند هذا الصّنف من المرضى، عندما يرى نفسه متفوّقاً على غيره بالسّلطة أو المال أو الجمال أو الصّحّة أو المكانة العلمية أو الاجتماعية، بل لا يرى أنّ غيره يستحقّ أن يُحترم أو يُكرّم، أو يُعامل كإنسان له من الحقوق والكرامة ما يُعادله ويُساويه هو.. واضعاً نفسه ضمن مصاديق وصف القرآن للذّات الطّاغية المتكبّر بغير حقّ: «إنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى» (العلق/ 6-7). إنّ هذا الطّغيان يتجسّد سلوكاً عدوانياً ضدّ الآخرين، يتمثّل في احتقار الآخر والإستخفاف به، والتّهوين من شأنه، وأهمّ.يّة ما يصدر عنه.. لذا يُعيّ.ر عن ذلك بالسّخرية والغمز واللّمز والهمز والغيبة. والقرآن الحريص على حفظ كرامة الإنسان وقيمته الإنسانية، واجه تلك الظّواهر السّلوكية والأخلاقية العدوانية.. واجهها بالرّفض والتّحريم.. واعتبرها من كبائر الآثام، ومساوئ الأخلاق التي جاء الوحي ليُطهّ.ر المجتمع منها، ويُحصّ.ن الإنسان المسلم من الإصابة بها.. لذا نجده بعن أن ينهى عن تلك الأخلاقية المنحطّة.. يذكّ.ر الإنسان بوحدة النوّع وأصل المنشأ، وأنّ الإستخفاف بالآخرين والاستهزاء بهم عمل خاطئ، وتجاوز على إنسانية الإنسان.. لنقرأ النّصّ القرآنيّ، ولننصت لما يُتلى، ولنفهم ولنعي تلك الثّقافة الأخلاقية التي سعى القرآن الكريم لتربية المجتمع عليها: «يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ منْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا م.نْهُمْ وَلا نسَاءٌ منْ نسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا منْهُنَّ وَلا تَلْمزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بالألْقَاب بئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَان. وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئكَ هُمُ الظَّالمُونَ* يَا أَيُّهَا الَّذ.ينَ آمَنُوا اجْتَنبُوا كَثيرًا منَ الظَّنّ إنَّ بَعْضَ الظَّن إثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخيه مَيْتًا فَكَرهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحيمٌ* يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُمْ منْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائلَ لتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عنْدَ اللَّه أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ عَليمٌ خَبيرٌ» (الحجرات/ 11-13). تحدّث المُفسّرون عن سبب نزول هذه الآيات، وذكروا الحوادث والظّواهر الاجتماعية الّتي نزلت لتُعالجها، وتُطهّر المجتمع من آثارها.. فإنّ آيات القرآن كان بعضه ينزل بسبب وجوده بعض الحالات السّيّ.ئة في المجتمع ليُعالجها، ويُوضّح موقف الشّريعة منها، ويضع الحلول النّاجعة لها.. وفي موضع آخر يستنكر القرآن أخلاقية أولئك الذين يهمزون الناس ويلمزونهم، لغرض الحطّ من شخصيّاتهم، والنّيل منهم.. ويجعل لهم الويل والعذاب.. وفي مواضع أخرى يستعرض نماذج من سلوكيّة السّاخرين والمستهزئين بالناس بدافع التعّالي والغرور والعُجب وعبادة الذّات.. «زُينَ للَّذينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ منَ الَّذينَ آمَنُوا وَالَّذينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقيَامَة وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بغَيْر حسَابٍ» (البقرة/ 212).

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 254
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 القيّم النبيلة في شخصية الحسين (عليه السلام)
 عاشوراء.. صرخة الحرية والعدالة
 صورة الحسين (عليه السلام) في وعينا الإسلامي
 مفهوم النصر الحقيقي
 الحسين (عليه السلام).. إشراقات لا تنتهي
 الأبعاد الرسالية لثورة الإمام الحسين (عليه السلام)
 مسلم بن عقيل.. سفير القيم الفاضلة
 الحسين (عليه السلام).. تجسيداً حيّاً للقيم الإسلامية
 ملحمة عاشوراء.. إرث للبشريّة جمعاء
 أبرز أهداف النهضة الحسينية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا