الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
منهاج الحرية الفكرية

2016/01/29 | الکاتب : عمار كاظم


إنّه ليس من شكّ في أنّ الإنسان محدودٌ بحدود الزمان والمكان وما يتحرّك في إطارهما من ظروف وعوامل، وتعرضُ عليه المتغيّرات تبعاً لذلك، ومن المعلوم أنّ التأسيس لأي نهج ذي بُعدٍ حضاريّ، لابدّ أن ينظر إلى ن.تاج حركة البشرية ككلّ، لا إلى زاوية محدّدة من الزمان، أو إلى بقعة محدّدة من المكان، أو إلى ن.تاج ثقافي محدّد، ولذلك فالمطلوب التأسيسُ لمسارٍ يسمح بتجدّد الأفكار تبعاً لتطوّر الزمان، وتغيّر موقع الإنسان فيه، وذلك بهدف تأمين الأرضية الدائمة لتحقيق الرؤية الكلّية التي تحكم وجود الإنسان على هذه الأرض. إنّ الرؤية الإلهية – إذا صحَّ التعبير – لوجود الإنسان على الأرض هي بناء الحضارة الإنسانية على هدى الله – سبحانه وتعالى – وهو ما بيّنته آيتان ضمن الآيات التي تحدّثت عن استخلاف الإنسان: الأولى، قوله تعالى: «إنّي جَاعلٌ في الأرْض خَليفَةً» (البقرة/ 30)، والثانية قوله تعالى: «قُلْنَا اهْبطُوا منْهَا جَميعًا فَإمَّا يَأْتيَنَّكُمْ مني هُدًى فَمَنْ تَبعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» (البقرة/ 38). إن الحديث عن بناء الحضارة هو البُعد التطويري الذي نستوحيه من الحوار الذي جرى بين الله – تعالى – وبين الملائكة حول المخلوق الجديد (الإنسان)؛ لأنّ الظاهر من هذا الحوار أنّ الملائكة – في طبيعة تكوينهم – عاجزون عن القيام بمهمّةٍ، الإنسانُ هو الكائنُ المؤهَّلُ لها، والأرجح أنّ الأسماء التي علّمها الله لآدم ليست صور الأشياء فحسب؛ فإنّ هذا أمرٌ تدركه الملائكة، وإنّما البُعد الحركي لتلك الصور، أي القدرة على التركيب والتحليل والاستنتاج، أو – بعبارة أخرى – البُعد التطويري للمفاهيم. إنّ تحقيق ذلك لا يتمّ من خلال جيلٍ أو جيلينٍ من حياة البشر، وهذا ما نستوحيه من مسألة إهلاك الله تعالى للأُمم التي استعصت على إصلاح الأنبياء، باعتبار أنّ المراد هو حذف العنصر السلبي المؤثّر في حركة الهداية البشرية بشكل عام، كما يوحي بذلك قوله تعالى: «إنَّكَ إنْ تَذَرْهُمْ يُضلُّوا عبَادَكَ وَلا يَلدُوا إلا فَاجرًا كَفَّارًا» (نوح/ 27)، كما نستوحي ذلك من تطوّر الرسالات التي كانت تنفتح على تغيّرات الزمن، كما حكى الله تعالى عن رسالة السيد المسيح (ع): «وَلأحلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذي حُرّمَ عَلَيْكُمْ» (آل عمران/ 50)، وغير ذلك ممّا يرجح أنّ النظرة الإلهية لمسار تحقيق إرادته على الأرض (دور الخلافة) إنّما ترتبط بمسار عامّ للبشرية، وكلُّ فردٍ يتحمّل مسؤوليةً بحسب موقعه من هذه السلسلة، والعظماء الذين تلمعُ أسماؤهم هم الذين يفعّلون كلّ طاقاتهم في خدمة هذا الموقع المحدّد في حكمة الله، والذين يسقطون إنّما هم الذين تنازلوا عن موقعهم، واستسلموا لقيادة الشيطان الذي يهدف – منذ البداية – إلى تعطيل المشروع الإلهي على الأرض، عبر تعطيل دور كلّ فردٍ في سلسلة الوجود البشريّ. في كلّ الأحوال، قد يزيدنا استيحاءً لذلك قوله تعالى في جوابه للملائكة عندما اعترضوا – أو تساءلوا – عن الحكمة من جعل إنسانٍ خليفةً والحال أنّه «يفسد في الأرض ويسفك الدماء»، فقال تعالى: (إنّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) (البقرة/ 30)، الذي نفهمه أنّه إشارة إلى أنّ المسألة لا ترتبط بفردٍ، وإنّما ترتبط بمسارٍ سينتهي بالحتميّة الإلهية، وهي تحقيق المشروع الإلهيّ على الأرض، وعبر الإنسان خاصّة، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا في الزَّبُور منْ بَعْد الذكْر أَنَّ الأرْضَ يَرثُهَا عبَاديَ الصَّالحُونَ» (الأنبياء/ 105)، وكما قال تعالى: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنُوا منْكُمْ وَعَملُوا الصَّالحَات لَيَسْتَخْلفَنَّهُمْ في الأرْض كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذينَ منْ قَبْلهمْ وَلَيُمَكنَنَّ لَهُمْ دينَهُمُ الَّذي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ منْ بَعْد خَوْفهمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَني لا يُشْركُونَ بي شَيْئًا...» (النّور/ 55).

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 274
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 مفاهيم رمضانية
 التنافس في المودّة
 صحبتنا مع الشهر الكريم
 ليلة القدر.. ليلة المقادير السنوية
 الخوف والرجاء
 أُسس الإيمان الواعي
 الدعوة إلى الله في كل مجالات الحياة
 العتق من النار
 في وداع الشهر الفضيل
 التوبة إلى الله سبحانه وتعالى

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا