الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الكويت عاصمة الثقافة الإسلامية 2016

2016/02/05 | الکاتب : عمار كاظم


إنّ الاسلام يدعو الى التعارف، أي: الى التجمُّع والتساكن وتبادل المنافع والمصالح والتعايش في أخذٍ وعطاء، وفي تأثُّرٍ وتأثيرٍ دائمين. وهو بذلك لا يرى فضلاً لأحدٍ على الآخر الّا بالتقوى. يقول عزّ وجلّ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا اِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات/ 13). والتقوى تعني طلب الوقاية التي هي الصيانة من كلّ ما قد يُصيبك من ضرر ومكروه، والحفظ منها والحصانة والمناعة. والتعارف يقتضي القدرة عليه، وأكثر ما تتمثّل فيه القدرة هو قبول الاختلاف في الرأي. انّه ينطلق من أنّ الاختلاف كامنٌ في طبيعة الحياة وجبلّة الخلق؛ اذ أنّ الله تعالى خلق الكون وما فيه، ومَن فيه على أساسٍ من الاختلاف في التنوُّع والتعدُّد ممّا يتجلّى في مختلف الظواهر والمظاهر. يقول سبحانه: (اِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ) (آل عمران/ 190). ويقول: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ اِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ(الرّوم/ 22). ويؤكّد عزّ وجلّ هذه الحقيقة التي لا تبديل فيها، فيقول: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ* اِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (هود/ 118 - 119). أي: انّ سنّة الله في الأرض تقوم على تباين البشر، سواء أكان هذا التباين يتعلّق بالجنس أم اللّغة أم الدين أم بأي مكوّنٍ من مكوّنات الحضارة والثقافة. والاسلام بذلك يرى الأمر خاضعاً لارادة الله، والسِّرُّ كامنٌ فيها، ويؤكّد الله تعالى هذه الارادة وما يترتب عليها من عدم اكراه الناس على الايمان، فيقول: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (يونس/ 99). وانّها لآية كريمةٌ تدلُّ على أنّ الله لو شاء لجعل الناس في مستوى واحدٍ من الفهم والادراك المفضيين الى الايمان. ومن ثمّ فانّ رسوله (ص) لا يستطيع أن يُزيل هذا التفاوت مهما تكن محاولاته. نعم، انّ السرّ في ترك الاختلاف يرجع الى أنّ الاسلام يدعو الى الايمان الذي يقوم على النظر والتأمُّل والاختيار، ويرجع كذلك الى أنّ الله تبارك وتعالى أتاح الفرصة لمن يؤمن ويعمل الصالحات كي ينال حسن الثواب والجزاء بالقياس الى مَن لا يؤمن ولا يعمل الصالحات وما ينتظره من وعيد؛ لأنّ الاسلام حين يُبيح الحرّية الدينية يعتبر أنّ النظر في الخلاف حولها متروك لله الذي يقول: (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (البقرة/ 113). ولعلّنا في هذا السياق نفهم معنى: (لا اِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة/ 256). أي: لا ينبغي الزام أحدٍ بالدُّخول في الاسلام عن طريق الارغام والاضطهاد والتخويف وما الى ذلك؛ لأنّه دينٌ يقوم على التفكُّر والتدبُّر. علماً بأنّ الحرّية الدينية - في منظور الاسلام - تنطلق من أنّ الدين عقيدةٌ وايمان، أي: شعورٌ ذاتيٌّ وداخليٌّ للانسان، يقوم على الاقتناع وميل النفس واطمئنانها؛ لأنّه استسلامٌ وانقيادٌ لله عزّ وجلّ. والذين يعيشون مع المسلمين في المجتمع الاسلامي من غير المسلمين فقد أظهر لهم الدين من التسامح المفضي الى التعايش، ليس فقط ما يكفله لهم حرّية ممارسة عقائدهم، ولكن كذلك ما يجعلهم مواطنين في هذا المجتمع مندمجين فيه، موفوري الحرّية والكرامة، فالدين الاسلامي مبني على الحوار بين الأديان. طالما أنّ الاسلام دينٌ يُعنى بالفرد والجماعة معاً، ويسعى الى قيام مجتمعٍ متآخٍ ومتكافل تسوده الحرّية والتسامح، ويشعر فيه كلّ واحدٍ بمسؤولية بنائه، والحفاظ عليه. ويكفل الاسلام حرّية ممارسة غير المسلمين لعقيدتهم، في طقوسها وشعائرها ومختلف مراسمها ومظاهرها الاحتفالية، وكذا احترام العادات والأعراف. يصل حرص الاسلام على حرّية العقيدة مع احترام ممارستها. التسامح شعار الاسلام ويبلغ مداه عند الممارسة والتطبيق على صعيد المجتمع كلّه انطلاقاً من توجيهات الرسول الأكرم (ص) وفق ما نقرأ في هذه الأحاديث الشريفة: «مَن آذى ذمياً فأنا خصمه، ومَن كنتُ خصمه خصمته يوم القيامة». واذا كانت الضرورة في كلّ عصرٍ تقتضي تقوية هذه الدعائم؛ فانّها تبدو اليوم أكثر الحاحاً؛ بسبب سوء فهم مدلول التعايش الحقّ - سواء بالنسبة للمسلمين أو لغيرهم - وما ترتّب عليه من تفريطٍ في شؤون الدين وابتعادٍ عنه في كثير من جوانب الحياة، وانحراف سلوك الأفراد والجماعات، وما نتج عن ذلك كلّه من ظروفٍ متأزّمة يعيشها المسلمون ومن يُساكنهم بفعل عوامل داخلية وخارجية. وهي تقتضي البدء بإصلاح الذات ومعالجة مشاكلها بما يقوِّي المجتمع بل المجتمعات الاسلامية في بنيانها الداخلي، ويجعلها قادرةً على الصمود ومواجهة كلّ التحديات والاعتداءات. انّ العصر الحاضر هو عصر التواصل الانساني، وعصر التحاور الثقافي. وهذا التوجه مهمٌّ ومفيد يلزم المسلمين استقباله، والتعامل معه بإيجابية وارتياح؛ لأنّ منهجية الحوار بالبيان والحكمة منطلقٌ أساسيٌّ في منهج القرآن الكريم وأدبيات الدعوة الى قيم الاسلام، التزاماً بالتوجيه الرباني جلّ شأنه: (ادْعُ اِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل/ 125).

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 331
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 مميزات مرحلة الشباب
 إحياء اليوم العالمي لمكافحة الفقر
 آثار الحمد لله على واقع الإنسان
 فضيلة الصدق وآثارها على المجتمع
 تهذيب النفس ومحاسبتها
 الدرس الرسالي للنهضة الحسينية
 قيمة الحمد والشكر لله تعالى
 انطلاقة جديدة في باب الاستغفار
 تسخير طاقة الشباب في خدمة المجتمع
 التوعية الصحية بالسلامة النفسية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا