الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الصحبة الطيبة

2016/02/05 | الکاتب : عمار كاظم


قال تعالى في معرض الامتنان: (لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُم) (الأنفال/ 63). وقال تعالى: (فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ اِخْوَانًا) (آل عمران/ 3)، يعني بالالفة. ثم ذم التفرقة وزجر عنها فقال: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا) (آل عمران/ 103). وقال: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا) (آل عمران/ 105). وقال النبيّ (ص): «مَن أراد الله به خيراً رزقه خليلاً صالحاً، ان نسي ذكره وان ذكر أعانه». وقال (ص): «مَن آخى أخاً في الله رفع الله له درجة في الجنة لا ينالها بشي من عمله». وقال أمير المؤمنين (ع): «أعجز الناس مَن عجز عن اكتساب الاخوان، وأعجز منه مَن ضيّع مَن ظفر به». وقال النبيّ (ص): «أوثق عرى الايمان الحب في الله والبغض في الله والتولي لأولياء الله والتبري من أعداء الله». وقال الباقر (ع): «اذا أردت أن تعلم أنّ فيك خيراً فانظر الى قلبك، فان كان يحب أهل طاعة الله ويبغض أهل معصيته ففيك خير والله يحبك، واذا كان يبغض أهل طاعة الله ويحب أهل معصيته فليس فيك خير والله يبغضك، والمرء مع مَن أحب». وتحقيق المقام في بيان الحب والبغض في الله: انّ الصحبة تنقسم الى ما يقع بالاتفاق كالصحبة بحسب الجوار وبحسب الاجتماع في مدرسة أو سوق أو سفر أو على باب السلطان أو غير ذلك والى ما ينشأ اختياراً أو يقصد، وهو الذي يبعث على الأخوة في الدين، اذ لا ثواب الّا على الأفعال الاختيارية. والصحبة عبارة عن المجالسة والمخالطة والمجاورة، وهذه الأمور لا يقصد بها الانسان غيره الّا اذا أحبه، فانّ غير المحبوب يجتنب ويباعد ولا تقصد مخالطته. والمحبوب اما أن يحب لذاته، واما أن يحب ليتوصل به الى مقصود آخر وراءه، وذلك المقصود اما أن يكون مقصوراً على الدنيا وحظوظها، واما أن يكون متعلقاً بالآخرة، واما أن يكون متعلقاً بالله تعالى. فهذه أربعة أقسام: القسم الأوّل: وهو حبك الانسان لذاته، وهو ممكن أن يكون هو في ذاته محبوباً عندك على معنى أنّك تلتذ برؤيته ومعيته ومشاهدة أخلاقه لاستحسانك له، فانّ كلّ جميل لذيذ في حقّ مَن أدرك جماله، وكلّ لذيذ محبوب، واللذة تتبع الاستحسان، والاستحسان يتبع الملاءمة والمناسبة والموافقة بين الطباع. ثم ذلك المستحسن اما أن يكون الصورة الظاهرة أي الخلقة واما أن يكون الصورة الباطنة، وهي كمال العقل وحسن الخلق، ويتبع حُسن الأخلاق حُسن الأفعال لا محالة، ويتبع كمال العقل غزارة العلم، وكلّ ذلك مستحسن عند ذي الطبع السليم والعقل المستقيم. وكلّ مستحسن مستلذ به ومحبوب، بل في ائتلاف القلوب أمر أغمض من هذا، فانّه قد تستحكم المودة بين شخصين من غير ملاحة في صورة وحُسن في خلق، ولكن بمناسبة باطنة توجب الالفة والموافقة، فان شبه الشيء ينجذب اليه بالطبع، والأشباه الباطنة خفية ولها أسباب دقيقة ليس في قوة البشر الاطلاع عليها، وعنه رسول الله (ص) بقوله: «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف». فالتناكر نتيجة التباين، والائتلاف نتيجة التناسب الذي عبر عنه بالتعارف. ويدخل في هذا القسم المحبة للجمال اذا لم يكن المقصود قضاء الشهوة وهذا الحب لا يدخل فيه الحب لله، بل هو الحب بالطبع وشهوة النفس، وهو ان اتصل به غرض مذموم صار مذموماً والّا فهو مباح. القسم الثاني: أن يحبه لينال من ذاته غير ذاته، فيكون وسيلة الى محبوب غيره، والوسيلة الى المحبوب محبوب، ولذلك يحب الناس الذهب والفضة من حيث انهما وسيلة الى المقاصد، وهو ان كان لفائدة دنيوية لم يكن من جملة الحب في الله، ثم ينقسم ذلك الى مذموم ومباح. القسم الثالث: أن يحبه لا لذاته بل لغيره، وذلك الغير غير راجع الى حظوظه في الدنيا بل يرجع الى حظوظه في الآخرة، كمن يحب أستاذه وشيخه لأن يتوسل به الى تحصيل العلم وتحسين العمل، ومقصوده من العلم والعمل الفوز في الآخرة، فهذا من جملة المحبين لله، وكذلك مَن يحب تلميذه لأنّه يتلقف منه العلم وينال بواسطته رتبة التعليم ويترقى به الى درجة التعظيم في ملكوت السماء. القسم الرابع: أن يحب في الله ولله لا ينال منه علماً أو عملاً أو يتوسل به الى أمر وراء ذاته، وهذا أعلى الدرجات وأعظمها، وهذا القسم أيضاً ممكن فانّ من آثار غلبة الحب أن يتعدى الى كلّ مَن يتعلق بالمحبوب ويناسبه ولو من بعد، فمن أحب انساناً حباً شديداً أحب محب ذلك الانسان وأحب محبوبه وأحب مَن يخدمه وأحب مَن يثني عليه محبوبه وأحب مَن يتسارع الى رضا محبوبه، وكذلك مَن أحب الله تعالى أحب أحباءه.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 356
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 الأبعاد الرسالية لثورة الإمام الحسين (عليه السلام)
 مسلم بن عقيل.. سفير القيم الفاضلة
 الحسين (عليه السلام).. تجسيداً حيّاً للقيم الإسلامية
 ملحمة عاشوراء.. إرث للبشريّة جمعاء
 أبرز أهداف النهضة الحسينية
 إن العهد كان مسؤولا
 آثار ونتائج النهضة الحسينية
 الشمولية الإنسانية في الثورة الحسينية
 الحسين (عليه السلام).. رمزُ الإباء
 العِبرة في قضية الإمام الحسين (عليه السلام)

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا