الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الأخوة المتآلفة في الإسلام

2016/02/12 | الکاتب : عمار كاظم


يمكن إدراك مفهوم الأخوة في الإسلام، بالرجوع إلى معنى الأخ أو الشقيق في اللغة العربية.. فالأخوان شقيقان اشتقا من مادة واحدة.. ولذلك فهما متساويان في شؤون الأسرة الواحدة.. وكذلك أخوة الإيمان.. مؤمنان اشتقّا من مادة واحدة هي الإيمان، فهما أخوان، تجمع بينهما رابطة القلب والعقيدة والدين.. والأخوة في العرف الإنساني لخّصها الإمام عليّ (ع) تلخيصاً دقيقاً وافياً فيقول متحدثاً عن الناس: ... فإنّهم صنفان: إمّا أخ لك في الدين وإمّا نظير لك في الخلق.. ومبدأ الأخوة في الإسلام لا يقتصر على الجانب النظري المثالي، بل ينزل إلى واقع التطبيق في الساحة الاجتماعية. فيدعو القرآن الكريم إلى ضرورة تقوية أواصر الصلة الاجتماعية والتكافل الاجتماعي، والرفق باليتامى، والعفو عن المعارضين للدين والعقيدة إذا تابوا، والتواصي بالحقّ والتواصي بالصبر، أي أن يوصي الناس بعضهم بعضاً باتّباع الدين، والصبر على المعاناة.. وأن يعمل بمبدأ القصاص، ولو أنّ العفو أرجى عند الله سبحانه وتعالى.. ويربط الإسلام هذه الأعمال كلّها بمفهوم الاعتصام بحبل الله سبحانه والرجوع إلى القرآن الكريم.. وأنّ العمل الذي يقوم به الإنسان لا يتحمل وزرَهُ إلّا الإنسان القائم به.. وأنّ الإسلام كدين ورسالة سماوية لم يُبعَثْ إلّا لهداية الناس، وتنظيم الحياة الإنسانية، وتأليف القلوب المتباعدة.. ويقرِّر القرآن الكريم مبدأ الأخوة الإيمانية، في آية قرآنية تتعرض لقضية الاقتتال والمشاجرة بين مجموعتين من المؤمنين، على ما ذكر التاريخ، تشاجروا لسبب تافه لا يستحق أن يُذكر، فأنزل الله سبحانه وتعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات/ 9 - 10)، أي إنّ الأخوة في الإسلام لها آثار اجتماعية، وثمرة الأخوة الإسلامية هو أن يحضى المجتمع بثوب السعادة الإنسانية، حيث تذوب رذائل المجتمع الإنساني كالخيانة والظلم والغش.. كما يقول الإمام الصادق (ع): المؤمن أخو المؤمن عينه ودليله لا يخونه ولا يظلمه ولا يغشّه ولا يعده عدَة فيخلفه. وفي سياق مماثل دعا القرآن الكريم، عموم المسلمين، في خطاب وجهه إلى طائفة منهم كانوا قد آمنوا بعد كفرهم، عاشوا حالة الحروب والقتال في زمن الجاهلية، فلا يزالون لا يفقهون حقيقة الأمن العام الذي يعمّ المجتمع الإسلامي.. دعاهم القرآن إلى الاعتصام بحبل الله، وهو الكتاب المنزّل من الله سبحانه وتعالى.. وهو ما يربط الإنسان المؤمن بالله سبحانه.. ونهاهم عن التفرق والتشتت والتمزق، لأنّ رسالة التوحيد جاءت لتأليف القلوب وتواددها، فأصبح المسلمون بنعمة الإسلام اخواناً في الدين والعقيدة.. يقول تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران/3)، والآية، متعرضة لحكم الجماعة المجتمعة، بذكره (جميعاً) و(لا تتفرقوا)، بمعنى أنّ الآية تأمر المجتمع الإسلامي ككلّ بالاعصام بكتاب الله، وتنهاهم عن التفرّق والتشتت، وتذكّرهم بأنّ أيام الجاهلية، حيث التناحر والعداوة والتقاتل، قد انقضت إلى غير رجعة، فبدأ زمن الأخوة والحب والأمان.. بعد ذلك عرج القرآن الكريم على وصف الأخوة الإسلامية، وكيف أنّ الله عزّ وجلّ ألّف بين قلوب المؤمنين، فربط على قلوبهم برابطة الإيمان، ثم ذكّر القرآن الكريم باستحالة تآلف قلوب المشركين والمنافقين، وأعداء العقيدة بشكل عام.. يقول تعالى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ* وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال/ 61 - 63). فالمجتمع الإسلامي كالنفس الواحدة، والجسد الواحد تتعاون أعضاؤه وأجزاؤه في سبيل النفع العام.. وتآلف القلوب هو الخطوة الأساسية في ضمان تطبيق التشريع الإسلامي، وهي خطوة مهمة في سبيل تماسك تركيبة المجتمع، وتثبيت مفهوم التكافل الاجتماعي.. ومن المظاهر الأخلاقية الرائعة التي دعا إليها الإسلام، كخطوة لنشر مفهوم الأخوة الإسلامية في المجتمع، هي تأكيده على صلة الرحم. وفي التأكيد على صلة الرحم في الإسلام معاني، منها أنّ صلة العقيدة والمبدأ الواحد، لا تلغي صلة الدم.. بل إنّ الإيمان بالله سبحانه وتعالى، يدفع الإنسان المؤمن، بأن يكون أكثر قرباً من أرحامه وأقربائه، يدعوهم إلى عقيدة التوحيد، ويمارس معهم تطبيق أحكام الشريعة، ويعيش معهم الآلام والمعاناة.. لذلك فإنّ القرآن المجيد أثنى على المؤمنين الذين يمارسون هذه الصفة الكريمة.. صفة وصل الأرحام.. يقول تعالى: (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ* وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ* جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) (الرعد/ 21 - 24). وأمام هذا التأكيد على صلة الرحم نجد أنّ القرآن الكريم يعتبر أنّ المبدأية هي الأساس في التعامل.. فالعقيدة أوّلاً وقبل كلّ شيء، حتى قبل علاقة الدم، وعلاقة الأبوة والأخوة... ولذلك فقد نهى القرآن عن تولّي الكافرين حتى ولو كان المؤمنون يرتبطون بهم برباط الأخوة الطبيعية أو برباط الأبوة.. هنا تتوقف صلة الرحم، ويتوقف المفهوم الأخوي في التعامل، لأنّ الكافر بالله سبحانه، إنسان لا يستحق أي علاقة إنسانية، حتى لو كان أباً أو أخاً، فما قيمة رابطة الدم، ما لم تتفاعل مع الرابطة العقائدية فتصبح رابطة أخوية حقيقية.. لذلك حملت الآية القرآنية الكريمة التي تتعامل مع هذا المعنى تحذيراً شديد اللهجة.. يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ* قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة/ 23 - 24). ومن المفاهيم التي أكّد عليها القرآن الكريم، مفهوم الموضوعية والعدل في التفاهم مع المشركين الذين يحتمل أن تكمن في نفوسهم بذور الإيمان، فإذا طلب هؤلاء الأمان لكي يسمعوا صوت الإسلام، ومفاهيم العقيدة، فعلى النبيّ (ص)، كما يأمر القرآن الكريم، أن يعطيهم الأمان لكي يسمعوا كلام الله سبحانه، فإذا اهتدوا فإنّهم إخواننا في الدين والعقيدة.. لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، كما يقول الإمام الصادق (ع): المؤمنون في تبارهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى تداعى له سائره بالسهر والحمى. أمّا إذا تمادوا في الغيّ والضلال، وأنكروا الإيمان بالخالق العظيم، وجب تطييب الأرض من وجودهم بأية وسيلة كانت، لأنّهم مفسدون في الأرض، وكافرون بأنعم الله سبحانه.. يقول تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ* كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ* كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ* اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ* لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ* فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ* وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) (التوبة/ 6 - 12). فعلى ما في المشركين من صفات ذميمة، كنقضهم العهد، والإظهار على المؤمنين، ومقاتلتهم، بدون مراعاة القرابة والعهود.. على ما فيهم من هذه الصفات الذميمة.. إلّا أنّ نفحة إيمانية واحدة كافية لغسل وتنظيف كلّ هذه الذنوب والآثام.. فالتوبة هي المرحلة الفاصلة بين الجاهلية بكلّ مساوئها وعذاباتها، وإرباكاتها، وبين الإيمان، والتسليم لخالق الوجود، بكلّ معانيه الجميلة المطمئنة التي تدخل قلب الإنسان.. فتوبة صادقة خالصة لله سبحانه، كافية بأن تلغي الماضي الجاهلي بكلّ أبعاده، لتفتح صفحة جديدة بيضاء في تاريخ الإنسان التائب.. وهكذا يؤكِّد القرآن الكريم في معانيه الرائعة حول أولئك المشركين، الذين تابوا، وأقاموا حدود الشريعة، كإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، فأصبحوا بدون أي تعقيدات إخوة في العقية مع بقية المؤمنين الذين سبقوهم بالإيمان.. هكذا يجسد القرآن مفهوم الأخوة الإسلامية.. أبوابٌ مفتّحةٌ لكلّ إنسان، حتى المشرك بالله سبحانه، إذا تاب وندم، وطوى صفحة الجاهلية من حياته، وبدأ صفحة الإيمان، فإنّه إنسان طاهر، ومولود جديد، وأخٌ كريمٌ في الله، يعيش في كنف الرحمة الإلهية مع بقية المؤمنين الطاهرين.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 229
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 حاجتنا إلى التسامح
 وصية الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)
 عاقبة الصبر
 حصانة الشباب بتقوى الله
 سموّ الإمام الصادق (ع) بعلمه ومعرفته
 مسـؤولياتنا اليوم كشبّان
 منهج الإمام الصادق (ع) التربوي
 الإمام جعفر الصادق (ع).. إمام العلماء وأستاذ الفقهاء
 الإجازة الصيفية.. متعة، فائدة وإنجاز
 مفهوم التسامح ودرجاته

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا