الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
توحيد الكلمة وجمع الصفوف

2016/02/12 | الکاتب : عمار كاظم


من المبادئ الأساسية التي جاء بها الإسلام توحيد الكلمة وجمع الصف وتوثيق العرى بين الناس جميعاً، جاء ليجمعهم بعد شتاتهم ويؤاخي بينهم بعد فرقتهم وينشر فيما بينهم روح التعارف والتعاون فلم يدع وسيلة إلى التآلف إلّا حثّ عليها ولا يوجد سبب إلى توثيق الروابط إلّا كان سباقاً إليه جاء الإسلام موحداً للكلمة، موثقاً العلاقة بين متبعيه، ناشراً ظلال المحبة فوق بنيه ولتأكيد الصلة بين بني الإنسان دعا إلى التعارف، ومن أجل هذا سوّى بينهم في أصل الخلقة ولم يفرّق بين سيد ومسود أو حاكم ومحكوم، ونهاهم عن التقاطع والتدابر بدعوتهم إلى التقارب والتعاون وأن تسود بينهم روح الأخوة والصداقة. ودعوة الإسلام إلى التعارف ليست مقصورة على الأفراد وإنما تشمل تعارف الأمم والشعوب وتعاون القبائل والأسر، ولهذا قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (الحجرات/13)، فكانت البشرية شعوباً وقبائل ليعرف بعضهم بعضاً بإدراك صلة القرابة سواء كانت بعيدة أو قريبة ليكون ذلك سبيلاً إلى صلة الأرحام ولكي لا ينتسب أحد إلى غير أبيه. وتقسيم الناس إلى شعوب، وقبائل، وبطون، وأفخاذ، وعشائر، وفصائل، وعمائر، ليس سبيلاً إلى التفرقة العنصرية أو التمايز الطبقي، وإنما هو في حقيقة الأمر وسيلة إلى المؤاخاة والتعارف في ظل المجتمع الإنساني الكبير. ولو ترك البشر بغير ذلك التقسيم لما كان في إمكانهم أن يميزوا التمييز الدقيق بين الأفراد، فانحصار جماعة في شعب أو قبيلة أو غير ذلك أدعى إلى التعارف بين الأفراد، وإدراك ما بينهم من صلات، وحينئذ يتكون المجتمع الإنساني من شعوب وقبائل متعارفة، وبين الشعوب والقبائل والأمم تتولد أقوى الصلات وتتوثق أقوى الروابط فيشعر الجميع بالأخوة العامة في الإنسانية. ولما انحرفت الإنسانية عن الطريق القويم، وضلت في متاهات الزيغ والانحراف سادها التعصب فاتخذت تقسيم الناس إلى شعوب وقبائل طريقاً إلى التعدي والظلم والبغي والإفساد، فتفننت في كيد بعضها لبعض، وأخذت تبحث عن سبل البطش والتنكيل والدمار، واعتبر اختلاف الجنس أو اللون من مبررات السلب والنهب والاعتداء فانتشرت الخصومات، وتحركت يد البغي تبطش بالأبرياء، وساد العالم موجة الفوضى، تتيح للقوى أن يتعدى على الضعيف ويسلبه حقّه ويفتك به، وتقوم في الأذهان أطماع تنشر العداوات فاستخدمت آلات الدمار تحركها اليد الغاشمة، تنشر الخوف والفزع، فتقع الحروب وتباد الشعوب ولا يراعى كبر شيخ ولا حرمة أنثى، ولا ضعف طفل صغير، وترتفع الأصوات تنادي بالتخلص من هذا الظلم، وتطالب بإبعاد شبح الخوف، فانعقدت لذلك المؤتمرات، وتعددت المنظمات ولكن بلا جدوى، فلا تزال العصبية الضارية والتفرقة الغاشمة تسيطر على عقول البشر وتدفع بهم إلى نشر الاضطرابات. ولا مخلص للبشرية مما حل بها ففرق جمعها، وشتت شملها، وأقض مضجعها إلّا أن تتمسك بالهدى القرآني القويم، وأن تستضيء بمشاعل هذا النور لتصحو من غفوتها، وتثوب إلى رشدها، وتنظر إلى أصل مبدأها وتعتقد أنّ الناس إخوة في الإنسانية، ولتنظر إلى هذا الكتاب الذي اهتدت به أمم واستضاءت به شعوب وأخذت بمبادئه العقول المفكرة. ومَن يتأمل في دولة الإسلام على اختلاف شعوبها وقبائلها وألوانها وأجناسها وأماكنها يرى أنّها كيف كانت وحدة متماسكة متكاملة متعارفة لم يفرق بين أهلها اختلاف جنس ولا تنوع لون ولا تعدد لغة ولا تمايز أمكنة، ما ذاك إلّا لأنّهم أخذوا بشرعهم وتدبروا قرآنهم، واعتقدوا أنّ السبيل الوحيد إلى النجاة هو التخلص من الجاهلية والطبقية والعنصرية. بذلك تعارفوا دولاً وشعوباً وتآخوا قبائلاً وبطوناً واهتدوا بنور إسلامهم إلى صراط الله المستقيم. وعلى أي حال فالأساس الأوّل الذي يعتبر في التفاضل بين الناس إنما هو التقوى، وإليها يرجع كلّ ما عده الشرع من أمور التفاضل بين البشر. فالعبرة في التمايز والتفاضل بما يقوم به الإنسان من أفعال تقوي الصلة بينه وبين ربه، وتعود عليه وعلى مجتمعه بالخير والرفاهية. فما أحوج البشرية إلى الأخذ بهذا المقياس وأن تعتبره أساساً للتفاضل بينهم وأن تترك التمايز بالأباء والأحساب والأنساب، وبذلك يتكون مجتمع يقيم بنيانه على أقوى الأسس وأعظمها. وهكذا كان منهج الإسلام في العلاقات البشرية العامة، فقد سوّى بين الجميع على اختلاف ألوانهم وأجناسهم ولغاتهم وطبقاتهم، سوّى بينهم، كذلك ذكوراً وإناثاً باعتبار الأصل الأوّل الذي انحدروا منه جميعاً. فهم أخوة في البشرية، وفي سبيل التعارف والتآلف كان تقسيم الناس إلى شعوب وقبائل، وحطّم ذلك المنهج موازين البشرية الخاطئة وقضى على الأوهام الفاسدة ووضع للتفاضل والتمايز أساساً سليماً وميزاناً عادلاً فكان هذا المنهج جديراً بإصلاح البشرية وتخليصها مما عانته ولا زالت تعاني منه في العصور الحديثة فأولى بالإنسانية أن تتبع ذلك المنهج وتنفذ ما جاء فيه حتى تكتب لها السعادة في الدنيا والآخرة.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 204
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 فاطمة الزهراء «عليها السلام».. القدوة الشاملة
 رجب.. شهر استجابة الدعاء
 ملامح الهدوء النفسي في الأسرة
 القراءة الواعية للقرآن الكريم
 الإقبال على ساحة الله المقدسة بالدعاء
 وظائف الأسرة الصالحة
 طلب الرزق.. عبادة خالصة
 الزهراء (ع) قمة في العطاء والصبر
 سيدة نساء العالمين بفضائلها
 إدارة الوقت.. رضا ونجاح

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 فوائد زيت السمسم
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا