الصفحة الرئيسية » كتاب الله
الدنيا والآخرة في الميزان القرآني

2016/02/20 | الکاتب : أسرة البلاغ


"الساحةُ مفتوحةٌ والطريقُ إلى الله بعدد أنفاسِ الخلائق، فهل نبقى في سجن شهوات الدنيا، أو أنّنا ننطلق إلى رحاب الله تعالى؟".

 

هُدى القرآن:

في القرآن هدى الفكر.. وهدى القلب.. وهدى الحياة.. وفيه حديث متنوّع دائم.. يفتح عقل الإنسان وقلبه على العناصر الحيوية التي تجعل من حياة الإنسان شيئاً مهماً يؤهله لأن يكون قريباً من الله، وأن يكون الإنسان الذي يفتح الله عليه كلّ رضوانه وكلّ جنانه.

وفي القرآن حديث متنوّع عن الحياة الدنيا في طبيعتها.. وفي هشاشتها.. وفي زوالها، إنّها مجرّد شيء طارئ لابدّ للإنسان من أن يلمّ به تماماً كما يلمّ بالأشياء الطارئة في حياته.

أمّا الثبات وأمّا العمق والامتداد فهو في الدار الآخرة (فلمن الدارُ الآخرة) هذا هو السؤال (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ) (الشورى/ 36)، في داخل ذاتكم، وفيما تبصرون، وفيما تسمعون، وفيما تلمسون، وفيما تشمّون وتذوقون وتتلذّذون، وفيما أُوتيتم في خارج ذواتكم من مالٍ وبنين وجاه وفرص وحركة حياة تشعرون فيها بالامتلاء النفسي والسرور.

(فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (الشورى/ 36)، كلّ ذلك مجرد متاع، وكلّنا يعرف مصطلح المتاع... فهو الشيء الذي تأخذه في سفرك أو تستمتع به مما يعطيك بعض الغذاء وبعض الراحة وبعض السرور، ثمّ يذوب.. ويبلى ويتمزق ولا يبقى هناك شيء، لذلك علينا أن نقرأ كلّ الذين سبقونا.. أين كلّ ما حصلوا عليه.. فهناك مَن حصل على مجد.. وهناك مَن حصل على لذّات الدنيا وشهواتها وأموالها وجنودها وما إلى ذلك.. أين هم..؟ هل تحس أحداً منهم أو تسمع له ركزاً؟! ذهبوا، وذهب كلّ ما هناك.. فأين هي دنياهم.. وأين المتاع؟

 

نعيم الآخرة:

هذا ما عند الدنيا (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ) (الشورى/ 36)، وهنا نرتفع ونسمو وننطلق إلى الآفاق التي لا أُفق فوقها "يا مَن عَلا فلا شيء فوقه" لنجد أنّ ما عند الله سبحانه خير، والخير هنا يشمل كلّ نعيم الآخرة، والخير هنا يشمل رضوان الله وهو الذي يحدثنا في قرآنه أنّ رضوانه أكبر من كلّ نعيم الجنة.

وقد يسأل الإنسان كيف هذا؟ فإنّ النعيم يغذّينا ويفتح كلّ ما تحتاجه نفوسنا على اللذة والسرور، ولكن الآخرة ليست كعالم الدنيا، حتى أنّ طيبات الآخرة تختلف في العمق عن طيّبات الدنيا.. ففي الدنيا قد تسأم من السعادة لأنّ الخلود قد يوحي إليك بالسأم، ولكن عالم الآخرة يتجدّد فيه الخلود، فهو ليس شيئاً ممتداً بطريقة رتيبة، ولكنه شيء ينطلق لتكون كلّ ثانية فيها لوناً من الحياة يختلف عن الثانية الأخرى.. ويبدو أنّ الشاعر العربي "بدويّ الجبل" لم يفهم معنى الخلود في الآخرة عندما نظّم هذين البيتين، وقال:

إنّ الخلودَ وما تروي مزاعمُهم *** عن السعادة في الأُخرى نقيضانِ

ملَّ المقيمونَ فيها من هنائتهم *** كلّ يملّ الشقاءَ المدنفُ العاني

إنّه يتصوّر خلوداً كخلود الدنيا ولكنه – في الحقيقة – شيء آخر "فيها لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"، (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) (السجدة/ 17)، فمفردات ما بعد الموت... أي الآخرة قد يكون مثل مفردات الدنيا "حور عين" و"أنهار من لبن" وما إلى ذلك، ولكنها شيء آخر، كما إنّ كلّ ما في الآخرة شيء آخر.

فهنا عالم المادة التي قد تطلّ على الروح، لكن العالم هناك روحٌ كلّه، (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) (التوبة/ 72)، من كلّ النعيم الذي يتحسسه الإنسان بعقله، وبقلبه وبكلّ مسامّ جسده، لأنّ فيه لذة تسمو على اللذة الجسدية، وفيه انفتاح يسمو على انفتاح الإنسان على الطيبات.

فكلمة "ما عند الله" يعيشها الإنسان حتى لا يقف عند أُفق، فهو المطلق الذي لا حدّ له، وما عنده يتحرّك في هذا الاتجاه (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ) (القصص/ 60) مما عندكم من متاع الحياة الدنيا (وَأَبْقَى).

 

بين الفكر والإيمان:

لمن الآخرة؟ لمن ما عند الله؟ (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (النحل/ 99)، للمؤمنين الذين عرفوا الله بعقولهم معرفة امتدت إلى كلّ كيانهم، فتحولت المعرفة إلى إيمان ومشاعر وإلى أحاسيس وإلى حب، وهذا هو الفرق بين المعادلات الفكرية وبين الحالة الإيمانية، فالفكر معادلة تبقى في عقلك، فإذا تحوّل إلى مشاعرك وأحاسيسك فهنا الإيمان، ولذلك فلا يكفي أن تفكّر بالحقيقة، بل أن تتحول الحقيقة عندك إلى أحاسيس ومشاعر تعيشها كما تعيش مع كلّ أحاسيسك ومشاعرك (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (النحل/ 42)، والتوكل هو ابنُ الإيمان ونتيجته، لأنّك عندما تعرف أنّك خلقُ ربّك.. وأنّك رحمةُ ربّك.. وأنّك لطفُ ربّك، تشعر آنذاك بأنّه يرعاك وأنت نطفة كما يرعاك وأنت في أحسن تقويم.. ويرعاك في غذائك وفي شرابك ولباسك وفي مسكنك بل وفي كلّ ما يحيط بك.

وإذن فأنت الفقرُ لله.. محض الفقر.. والله هو الغنيّ.. محضُ الغنى.. لذلك عليك أن تتوكّل عليه وأن تعيش في ظلّ إرادته.. فلو افترقت إرادته عن وجودك متّ، فكأنّ الإنسان يقول: يا ربِّ أنا خلقك وأنا أتوكّل عليك.. فافعل بي ما تشاء.. إحمني مما تشاء وأعطني مما تشاء، بيدك الخير كلّه وبيدك الأمر كلّه، ولذلك فإن تكون مؤمناً يعني أن تكون متكلاً لأنّ مَن لا يفهم التوكّل، لا يفهم الإيمان، ومَن لا يفهم الإيمان، لا يفهم التوكّل.. وأن تؤمن بالله المهيمن على كلّ شيء، وأنّ وجودك هبة منه وخاضع له، وأنّك متوكّل على الله في وجودك قبل أن تتوكّل عليه بشعورك وإحساسك.. وليس أن تجلس في بيتك لتتوكل على الله بأن يرزقك وأنت في حالة استرخاء، أو ليعلمك وأنت في حالة جهل لا تتحرّك لطلب العلم.. فلقد أعطاك الله من القوى في داخل ذاتك، وأعطاك من النعم والوسائل في خارج ذاتك ما يجعلك تتحرّك على أساس أن تفجّر طاقاتك لتحقق لنفسك ما تريد وفق ما يريده الله ويحبّه.

 

حقيقة التوكّل:

ولذلك جاء في الحديث "اعقل وتوكّل" فالمتوكّلون كما ورد في أحاديث أئمة أهل البيت (عليهم السلام) "هم الزرّاعون" فإذا أردت أن تجد التوكّل متجسّداً في شخص فانظر إلى الفلاح.. فهو يحاول أن يهيِّئ الأرض وينثر البذور ويجري عليها الماء.. يرعاها وهي تنمو ويهيِّئ لها كلّ شيء، ثمّ بعد أن يفرغ مما عنده يقول توكلت على الله من كلّ ما يقع من أحداث وأوضاع فيما بعد.

(وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ) (الشورى/ 37)، والله جعل من الذنوب صغائر وكبائر، فتوعّد على الذنوب بدخول النار، وهي كثيرة ويجمعها أنّها ترهق حياة الإنسان وتسيء إلى نظامه، وتفسد أوضاعه، وتجعله يتحرّك بعيداً عن القيم في حياته.

 

المالكون غضبهم:

(وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ)، والفواحش هي المعاصي أو الأعمال التي تتجاوز الحدود، ويغلب فيها الحديث عن الأُمور التي تتصل بالجانب الجنسي المنحرف. (وَإِذَا مَا غَضِبُوا) (الشورى/ 37)، فلا يتحرّكون في غضبهم، بالطريقة التي يفجّرون فيها غضبهم ويتصرّفون من خلال غضبهم لأنّ الله لا يريد للإنسان أن يتصرّف بدون عقل.. فالغضب عادة يذهب العقل، ففي الحديث: "مَن لم يملك غضبه لم يملك عقله" فالله لا يريد للإنسان أن يخضع لغضبه، بل يريد له أن يتسامى وأن يرتفع وأن يعيش قيمة التسامح والعفو فيغفر لمن أغضبه وآذاه (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ) (الشورى/ 37-38)، وفي كلّ دعواتهم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) (الحج/ 1-2)، و(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) (التحريم/ 6)، و(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (الحشر/ 18-19).

 

الاستجابة لله:

و(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) (الأنفال/ 24)، (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ) (الشورى/ 38)، في كلّ نداءاته وكلّ دعواته، لأنّ الله ربّهم ولأنّه سيّدهم ولأنّه إلههم ومن حقّه عليهم أن يستجيبوا له في كلّ شيء، وهو الذي يستجيب لعباده إذا دعوه، ويلبيهم إذا نادوه، ويسمع لهم إذا ناجوه.. فكيف لا يستجيبون له؟! ذلك لأنّ المسألة ليست فقط مسألة إحساس بالربوبية في عظمتها وبالعبودية في صغرها، ولكنها حبّ، ففي الدعاء "الحمد لله الذي أدعوه ولا أدعو غيره، ولو دعوت غيره لم يستجب لي دعائي، والحمد لله الذي أرجوه ولا أرجو غيره، ولو رجوت غيره لأخلف رجائي، والحمد لله الذي وكلني إليه فأكرمني ولم يكلني إلى الناس فيهينوني، والحمد لله الذي تحبّب إليَّ وهو غنيّ عنِّي، فربِّي أحمدُ شيء عندي وأحقُّ بحمدي" فأيّ ربٍّ هذا الربّ الذي يفيض عليك بكلّ العاطفة والحنان.. ولا يستحق أن تستجيب له، و(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر/ 60)، فالربّ يستجيب لنا.. وإنّه يقول ادعوني بكلّ أحلامكم وبكلّ ما تريدون من تخفيف آلامكم وما تتحرّكون فيه من قضاياكم (فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة/ 186)، فإذا كان الله يقول لك استجب لي أستجب لك، فكيف تبتعد عن ذلك (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ)، بكلّ ما أمرهم وبكلّ ما نهاهم.

 

إقامة الصّلاة:

(وَأَقَامُوا الصَّلاةَ) والصلاة ليست ركوعاً ميتاً ولا سجوداً جامداً ولا قراءة باردة ولا شيئاً تعلكه بلسانك.. وإنما الصلاة في عقلك عندما ينفتح على الله ليعرف أنّ الله أكبر وأنّه لا إله إلّا هو، وأنّه وحده الذي يُعبد، ووحده الذي يستعان به، ووحده الذي يهدي إلى الصراط المستقيم.. فإن تعيش الصلاة يعني أن يصلّي عقلك بكلّ المفاهيم التي تتحرّك في صلاتك.. وأن يصلّي قلبك بكلّ الأحاسيس التي تنطلق من أوضاع صلاتك.. وأن يصلي جسدك وهو طاهر لا من الحدث، ولكن من كلّ الدنس الذي تمثله المعصية. فإذا صلّيت كما ينبغي أن تكون الصلاة (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (العنكبوت/ 34)، فإنّك بذلك تعرج إلى الله، والصلاة (عمود الدين) لأنّها تربط الإنسان بالله وتذكّره به، بل وتجعله في حزام زمني ليرتبط في الصباح، وفي الظهر ليقترب من الله، وفي العصر لينفتح على الله، وفي المغرب ليناجي الله، وفي العشاء تكون خاتمة صلاتك الواجبة "لتتعشى" كلّ تلك الروحيّات التي يهبها الله لك في حياتك! فكلّما هربت منه جاءتك صلاة وأرجعتك إليه (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى/ 38)، فإذا أردتم ما عند الله، فلا تستبدّوا برأي، ولا تحتقروا بعضكم بعضاً فيما يحمل من آراء في الفكر وفي الحياة والسياسة والاجتماع، فلكلّ منكم تجربة ثقافية واجتماعية وسياسية، فلا تحتقروا التجارب فلربّ إنسان أُمّيٍّ يعيش تجارب الحياة هو أكثر وعياً من إنسان جامعي يملك الفكر، ولكنه لا يملك حركة الفكرة في الواقع.

 

الشورى الأُسريّة:

(وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) فلتتشاوروا في البيت، فلا يفرض الأب سلطته على أولاده ليلغي فكرهم، ويسيطر الزوج على زوجته ليلغي فكرها.. فالله أعطاها عقلاً كما أعطاك عقلاً، والله أعطاك عقلاً وأعطى أولادك تجربة عقلية يتحرّكون فيها ويتصاعدون.

فحاولوا أن تعوّدوا أولادكم على التفكير لأنّكم بذلك تصنعون منهم شخصيات تملك القرار في المستقبل، لأنّك إذا علّمت ولدك أن يخضع ويطيع ولم تسمح له بالتفكير فقد يأتي غيرك ليأمره وقد يضلّه، ولكنك إذا علّمت ولدك أن يفكّر معك لترشده في تفكيرك ولتسمح له أن يناقشك وتناقشه فإنّك تصنع ولداً يعتمد على فكره في حياته.. فنحن نصنع من أولادنا ومن بناتنا ونسائنا شخصيات ضعيفة لا تملك أن تقرّر لأنّنا لم نعطها القرار، وليس ثمة فرق بين الحاكم الذي يمنع شعبه من القرار وبين الأب الذي يمنع أبناءه من القرار.. فنحن بهذا نُنشئ شعباً لا يملك إرادة أن يقرّر، وبالتالي نساهم في المسألة السياسية والاجتماعية بشكل سلبي.

 

في الإطار القيادي:

(وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) فلابدّ أن تكون في البيت لجنة شورى، وفي المحلة، والقرية والبلد وفي كلّ مجال، فمن "شاور الرجال شاركها في عقولها" فأي عقل أكبر من عقل رسول الله (ص) وقد قال الله له: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ) (آل عمران/ 159)، ليربّي الذين معه على التشاور فيما بينهم، والقيادة المسؤولة هي التي تجعل أتباعها يفكّرون معها، لا أن تفكّر لهم.. والقائد الذي يعيش فكرة أنّه هو الذي يفكّر وعلى الآخرين أن يطيعوه قائد يشعر بالغربة والضعف، ولأنّ العقول عندما تتجمع عندك فإنّها تغني فكرك، وهذا ما قرأناه في الإيحاءات القرآنية، فنحن نجد أنّ الله عندما يتحدّث عن المؤمنين فإنّه يتحدّث عنهم مع النبي (ص) (مُحمَّدٌ رَّسُول اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ) (الفتح/ 29)، هو سيد ولد آدم وفي المرتبة العليا، ولكنه مع أصحابه (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح/ 29)، يتصف بما يتصفون به، ويتحرّك بما يتحرّكون به.

فإذا كنت قيادة شرعية فإنّ عليك أن تستشير مَن معك لتعرف كيف تصوغ قرارك ولتفهم أتباعك، فالكثير من القادة لا يفهمون الناس لأنّهم لم يستمعوا إليهم كيف يفكّرون وكيف يتحدّثون وكيف يتألمون... ولذلك فإنّ الشورى تعطيك فكرة عن الناس بأن تفهم مجتمعك وأولادك.. فإذا لم يصارحك أولادك فسوف يتحوّلون إلى صناديق مغلقة لا تملك مفتاحها، وعندما تمنع زوجتك من أن تفكّر معك فإنّ معنى ذلك أنّك لا تفهمها، وبالتالي فإنّك لا تستطيع أن تعيش معها كإنسانة، بل تعيش معها كما يعيش جسد مع جسد، وما قيمة حياة مع ولد أو زوجة أو أي إنسان عندما تكون المسألة جسداً مع جسد؟! والجسد قد يعطي اللّذة لا يعطي المودّة والرحمة.

 

حياة العطاء:

(وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (البقرة/ 3)، فهم يعيشون العطاء لأنّهم يشعرون أنّ ما رزقهم الله ليس ما لهم (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) (الحديد/ 7)، فأنت وكيل على المال الذي أعطاك الله حدّد لك مصارفه في حاجاتك وحاجات مَن تعول (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (المعارج/ 24-25)، إنّه حقّ وليس مجرّد إحسان.

(وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ) (الشورى/ 39)، فإذا اعتدي عليهم فلهم الحقّ في أن ينتصروا لأنفسهم، ولكن إذا أردت أن تنتصر لنفسك فلا تنطلق مع غريزتك ومع انفعالاتك، فللانتصار في الإسلام حدود، (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) (الشورى/ 40)، فالكلمة تردُّ بالكلمة لا بكلمتين، والضربة تردُّ بضربة لا بضربتين.. إنّها مماثلة، فمن حقّك أن تنتصر لنفسك بمثل ما اعتدي عليك.. وبعد ذلك يبقى لك أن تعفو وتتسامى وأن تكون أكبر من البغي والباغي، بأن تنفتح روحك على العفو وعلى التسامح لأنّك تريد العفو من الله فتعفو عن عباد الله من أجل أن يشملك الله بعفوه ورحمته على طريقة الإمام زين العابدين (ع): "اللّهمّ إنّك أنزلت في كتابك العفو وأمرتنا أن نعفو عمّن ظلمنا وقد ظلمنا أنفسنا فاعفو عنّا فإنّك أولى بذلك منّا".

(وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه) (الشورى/ 40)، وإنّها لجائزة عظيمة، فهو لم يحدّد لا مائة ولا مئتي حسنة، فكلمة "أجره على الله" إنّما ترد في المفاصل الكبرى كما في قوله تعالى: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (النساء/ 100)، إنّه عطاء مفتوح تماماً كقوله تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزّمر/ 10)، فلو سبّني شخص وسببته فماذا أحصل؟!، لكنّني إذا عفوت فإنّ الله سبحانه وتعالى يتكفّل بأجري وربّما يعطيني بواسطة هذا العفو سعادة الدنيا والآخرة، فإذا أراد الإنسان أن يفجِّر غيظه فعليه أن يحسب حسابات الربح والخسارة.

(إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (الشورى/ 40)، في حقّك وفيما لا حقّ لك (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) (الشورى/ 41)، فلا يحاسبهم الله لأنّ ذلك من حقّهم (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) (الشورى/ 42)، فيفسدون في الأرض حياة الناس وسياستهم واجتماعهم واقتصادهم وأمنهم.

(وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (العنكبوت/ 23)، (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمُورِ) (الشورى/ 43)، فليس ضعفاً أن تصبر، وليس جبناً أن تغفر، فالصبر مظهر قوة ومظهر إرادة وسيطرة على أعصابك وانفعالاتك، والمغفرة سموّ، بأن ترتفع عن كلّ هذا الوحل، فهذا هو خط مَن يريد ما عند الله، فهل نقف عند متاع الحياة الدنيا أو ننطلق لنطلب ما عند الله، فالساحة مفتوحة والطريق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق، فهل سنبقى في سجن شهوات الدنيا، أو أنّنا ننطلق إلى رحاب الله سبحانه وتعالى؟ 

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 424
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 التقرّب إلى الله تعالى بالقرآن
 علاقتنا بالقرآن الكريم
 علم النفس في القرآن
 كيف نفهم القرآن؟
 الزينة والجمال في ثقافة القرآن
 القرآن الكريم.. شفاء للنفوس والقلوب
 المنهج القرآني وفهم المجتمع
 مـن أسـرار البيان القرآني
 آداب حفظ وتلاوة القرآن
 عباد الله الصالحين في القرآن الكريم

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 فوائد زيت السمسم
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا