الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
ثمرات الأخوة

2016/02/20 | الکاتب : عمار كاظم


هي منحة قدسية، وإشراقة ربانية، ونعمة إلهية.. يقذفها الله في قلوب المخلصين من عباده، والأصفياء من أوليائه والأتقياء من خلقه.. قال تعالى: (لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال/63). وقال جلّ وعلا: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) (آل عمران/103). والأخوة أيضاً هي قوة إيمانية نفسية تورث الشعور العميق بالعاطفة، والمحبة، والاحترام، والثقة المتبادلة.. مع كلّ مَن تربطه وإياه أواصر العقيدة الإسلامية، ووشائج الإيمان والتقوى.. فهذا الشعور الأخوي الصادق يولد في نفس المؤمن أصدق العواطف النبيلة، وأخلص الأحاسيس الصادقة في اتخاذ مواقف إيجابية من التعاون والإيثار، والرحمة، والعفو، والتنفيس وقت الشدة، والتكافل عند العجز.. وفي اتخاذ مواقف سلبية من الابتعاد عن كلّ ما يضر بالناس في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وكرامتهم الإنسانية . ولذا كانت الأخوة في الإسلام صفة ملازمة للإيمان وخصلة مرافقة للتقوى.. إذاً لا أخوة بدون إيمان ولا إيمان بدون أخوة.. قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات/10). والنفس الإنسانية القائمة علي الإيمان والممتزجة بالتقوى بمجرد أن تلتقي مع مَن يماثلها إيماناً وتقوى فإنّها تشعر بالأنس في أول لحظات اللقاء، وتحس بالصفاء في أول لمحات التعارف.. بل تمتزج نفساهما كأنهما نفس واحدة، ويتجاذب قلبهما كأنهما قلب واحد، فإذا المحبة تنبض في عروقهما والأخوة تسري في دمائهما، والمودة تتألق في وجهيهما.. فيمسك الأخ بيد أخيه في رفق وإشفاق وحنو.. ليسيرا معاً في رياض الصفاء، ويتنسما جنبا إلى جنب نسمات الوفاء، ويتفيئا أثناء المسير ظلال المحبة الوارفة. فثمة روايات عديدة تشير إلى لزوم محبة المسلم لأخيه المسلم. فعن الإمام علي (ع) قال: «القريب من قرّبته المودّة وإن بعد نسبه، والبعيد مَن باعدته البغضاء وإن قرب نسبه، وشيء أقرب من يد إلى جسد، وإنّ اليد إذا غلت قطعت، وإذا قطعت حسمت». وعن رسول الله (ص) قال: «أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله التودّد إلى الناس». وعن الإمام الباقر (ع) قال: «ودّ المؤمن للمؤمن في الله من أعظم شعب الإيمان». وفي رواية عن أبي عبد الله (ع) قال: «إنّ من حقّ المسلم الواجب على أخيه إجابة دعوته». وعن رسول الله (ص): «لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث». إضافة إلى الروايات التي تدعو المسلم أن يجعل نفسه ميزاناً فيما بينه وبين غيره، وأن يحبّ لغيره ما يحبّ لنفسه، ويكره له ما يكرهه لنفسه... والروايات التي تحثّ الناس على التحبّب إلى الناس، وأنّ أفضلهم أشدّهم حبّاً لأخيه... فالأخوة في الله لها أهمية عظيمة، ومما يدل على أهميتها أنّ الله جلّ وعلا رتب عليها الأجر العظيم، وهي عبادة نتقرب إلى الله بها، بل قد تكون سبباً من أسباب دخول الجنة. فعن رسول الله (ص) قال: «اثنان خير من واحد، وثلاثة خير من اثنين، وأربعة خير من ثلاثة، فعليكم بالجماعة، فإنّ يد الله مع الجماعة». والذين عاشوا الأخوة في الله، وجدوا الطمأنينة والسلام في عالم يعاني من القلق والتوتر، وتيقنوا أنّ الأخ الحقيقي ليس بالضرورة أن تلده أمك، فنعموا بالعديد من الإخوان ينتشرون في بقاع الأرض، بعضهم رأوهم وعايشوهم، وبعضهم تبادلوا معهم الحب الصافي، والمودة الخالصة على الرغم من تباعد المسافات. الأخوة لها ثمرات طيبة ومن أعظمها وأجلها وأكرمها عند الله، حينما تكمل نقص أخيك وحينما تكون عوناً لأخيك على طاعة الله ومرضاة الله، كلّ منا يحتاج إلى مَن يناصره، يحتاج إلى مَن يؤازره، يحتاج إلى مَن يكون قريباً منه يذكره بالله إذا نسي، ويعينه على ذكر الله إذا غفل، كلنا نحتاج إلى ذلك العضد. إنّ تشريع الأخوة الدينية في الإسلام له أهداف واضحة في تمتين أواصر المجتمع وربطها ربطاً محكماً بالشريعة.. فلم يهمل القرآن الكريم شرائح المجتمع الصغيرة، كالأيتام، وأولاد التبني وغيرهم، بل دعا إلى مؤاخاتهم مؤاخاةً تقوم على أسس الدين والعقيدة.. فقال صراحة: فإخوانكم في الدين، أي اجعلوهم إخوانكم في الدين من زاوية أنّكم إخواناً وأشقاء مشتقون من مادة واحدة وهي الإيمان بعقيدة التوحيد. وتمتد رحمة الإسلام، امتداداً أفقياً شاملاً في ساحة المجتمع الإنساني، فيعالج الإسلام ظواهر ما كانت لتخطر ببال إنسان.. من هذه الظواهر، ظاهرة اليتيم الذي فقد الأب أو الأُم أو كليهما، وفقد معهما كلّ معاني الحب والعطف والرحمة، وفقد اليد التي ترعى، وتسهر، وتعاني من أجله.. فأنزل الله سبحانه وتعالى كلاماً فيه تشديد كبير على ضرورة الاعتناء بأمر اليتامى، والمحافظة على حقوقهم وأموالهم، وضرورة رعايتهم وتربيتهم. وضرورة مخالطة اليتيم، مخالطة أخوية، أي مخالطة مبنيّة على التساوي في الحقوق، وإلغاء جميع الصفات المميّزة بين اليتيم الضعيف، والوليّ القوي، لإعادة المجتمع توازنه الإنساني السليم.. يقول تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة/ 220). فالله سبحانه وتعالى أراد للمجتمع، أن يعيش أفراده على أساس أن يكونوا متآخين، متعاونين، متفاهمين، متناصرين، ولذلك أكّد تعالى المبدأ الذي يربط الإنسان المؤمن بأخيه المؤمن، وهو مبدأ الأخوّة بين المؤمنين، لأنّ علاقة المؤمن بالمؤمن الآخر، هي علاقة يرعاها الله وتتّصل به، فالإيمان بالله وبرسوله وبدينه، هو الذي يربط المؤمن بالمؤمن، وربما يكون أقوى من علاقة الأخوّة النسبية، لأنّ العلاقة النَّسَبية هي علاقة الدّم من خلال القرابة، بينما العلاقة الإيمانية هي علاقة تشمل حياة الإنسان المؤمن في التزاماته العقلية والروحية وحركته العملية، فهي أخوّة تجعل المؤمن ملتصقاً التصاق الكيان بالإنسان الآخر. وعلى هذا الأساس جعل الله مسؤوليةً على المؤمن للمؤمن من الآخر، فقال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (الحجرات/ 10)، الأخوّة تفرض علينا الإصلاح بين الأخوين المؤمنين إذا حدثت بينهما بعض الخلافات وبعض المنازعات. عندما تَحدُث هناك بعض المشاكل بين المؤمنين أو بين الناس بشكلٍ عام، لأنّ المجتمع إذا اختلّ نظامه أو انقطعت علاقاته، فإنّ النتائج السلبية ستمتدّ إلى جميع أفراده، حتى أنّه عندما يختلف غير المسلمين في المجتمع المختلط، فإنّ ذلك سيترك تأثيره السلبي على المسلمين، سواء من الناحية الاقتصادية أو الأمنيّة أو الاجتماعية.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 244
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 شهر شعبان.. شهر التنافس
 إشراقات التضحية في مدرسة الحسين (ع)
 مكارم العبّاس (ع) وشجاعته
 آداب وشروط الدعاء
 شعبان المبارك.. تدريب وتأهيل
 كمالات الإمام زين العابدين (ع) الإنسانية
 خط الإمام الحسين (ع) ومنهجه الهادف
 التوسّع في فعل الخير
 من وصايا الإمام الكاظم (ع)
 محمّد (ص) .. الأُمّي العالِم العابد

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا