الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الزهراء في أحضان الرّسالة النبويَّة

2016/02/20 | الکاتب : عمار كاظم


الزهراء وصناعة القيم

وهكذا، عاشت الزهراء (ع)، من خلال قيم أهل البيت (ع)، كلّ معنى الرّوح في كلِّ كيانها وذاتها، لأنها عاشت مع رسول الله (ص) في كلِّ روحانيّته وفي كلّ ابتهالاته، وعاشت كلَّ هذا القلب الكبير الّذي كان يعتصر عندما يعيش آلام الناس من حوله، والّذي كان يحرصُ على النَّاس كما يحرص على نفسه. وقد كانت تراه كيف يتألّم للفقراء والبؤساء والحزانى واليتامى، وهو الّذي قال الله عنه: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ يثقل عليه ويؤلمه عندما يراكم تواجهون مشقة الحياة حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ كما تحرص الأمُّ على أطفالها بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}، وقد كانت الزهراء (ع) ترى كيف يرأف بكلّ الناس الّذين يعيشون حوله ومعه، سواء كانوا من الذين يؤمنون به، أو من الّذين لا يؤمنون به.

لم تعرف في النبي (ص) أية نبضة حقد، فقد كان يحبُّ الناس جميعاً؛ كان يحبُّ المؤمنين به ليتحرَّك معهم في خطّ الدعوة إلى الله والعمل في سبيله، ويحبُّ الذين لا يؤمنون به حتى يهديهم بالمحبّة، من خلال قلبه الكبير الذي اتَّسع لكلِّ الناس، وكانت تتعلّم منه، تماماً كما تعلَّم منه أمير المؤمنين (ع)، الّذي أعطانا درساً في الانفتاح على الآخر، وفي نزع الحقد من صدره، عندما قال: احصد الشرَّ من صدر غيرك بقلعه من صدرك.

كن القلب الّذي لا يحمل الشّرّ للآخر، ولا يحقد عليه، كن القلب الّذي ينفتح على الناس كلّهم، كن القلب الّذي جسّده عليّ (ع) عندما قال لعامله مالك الأشتر عن الناس: فإنَّهم صنفان؛ إمَّا أخٌ لك في الدين، وإمّا نظير لك في الخلق. كن الإنسان الّذي يتحرّك في الآخر، وإن لم يكن مؤمناً بما تؤمن به، ولكن حاول أن تنفتح على إنسانيّته، لأنّك ستجد في داخل إنسانيته نبعاً يمكن أن يغنيك، فيؤمن في نهاية المطاف.

 

الزهراء في صفاء الإيمان

وكانت الزهراء (ع) تسمع كلَّ الكلمات القاسية الّتي كانت تقال بحقّ الرسول (ص)، بأنه ساحر وكاهن ومجنون، وكانت تسمعهم يقولون عن القرآن، وهي في طفولتها الأولى، إنّه أساطير الأوّلين {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}. كانت تراهم يضعون الأوساخ على ظهر أبيها، وكانت تزحف في طفولتها البريئة الطيبة الطاهرة وهي تبكي وتنـزع ذلك عنه، وتنتظر منه أن يوجّه إليهم الكلمات القاسية، في محاولة منه للردّ على ما يقومون به. ولكن عندما كان القوم يُسيئون إلى الرسول (ص)، ويشتمونه، ويتحدّثون عنه بكلِّ شيء، كانت تسمعه بكلِّ رحابة النبوّة في عقله، وبكلِّ صفاء الإيمان في قلبه، وبكلّ تلك المحبَّة التي تنطلق من أجل أن ترعى إنسانيّة الإنسان، تسمعه يقول: اللّهمّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون[8]، اللّهمّ اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون[9]، يا ربي، لا تعذّبهم حتى وهم يضطهدونني، أمهلهم لأنَّ قلوبهم عاشت كلّ تحجّر الجاهليّة، ولأنّ عقولهم عاشت كلّ ذلك الظَّلام، اتركهم يا ربّ، سأحدّثهم عنك كثيراً، وسأقرأ لهم آياتك، وسأعطيهم كلّ ما يمكن أن يفتح لهم أبواب الإيمان. يا ربّ، لا تعذّبهم، وأمهلهم حتى أعلّمهم. وكانت الزّهراء (ع) شاهدةً على ذلك كلّه، وكانت تستمع إليه وهو يتحدّث إليهم بلين القول، وقد عبَّر الله عن ذلك بقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}.

 

كفاءة العقل والإيمان

عاشت الزَّهراء (ع) كلَّ هذا، ولم تكنْ طفولتها في مستوى طفولة الأطفال، فقد استطاعت أن تبلغ بعقلها مبلغاً كبيراً، جعلها تعيش مع رسول الله في طفولتها الأولى لتشعر بمسؤوليّتها، فاستطاعت أن تعطيه حناناً فقده عندما فقد أمّه، وأن تعطيه شيئاً يفتح كلّ روحه عندما يأتي إلى البيت، ولا سيّما بعد أن فقد زوجته المخلصة الحانية الوفية السيّدة خديجة. كان وحده في البيت، وليس معه إلا عليٌّ وفاطمة، وكانت فاطمة (ع) تختصر في شخصيّتها أمّه، وتختصر في شخصيتها أمّها، وتختصر في شخصيّتها المعنى الكامل للبنت في موقفها من أبيها، فقد كانت تعطيه عطف الأمّ، وعطف الزّوجة، وكان يقول وهو يتلقّى ذلك، والزهراء تملأ قلبه حناناً وعاطفةً وإخلاصاً وطهراً وصفاءً ونقاءً، إنها أمّ أبيها. وهكذا أيُّها الأحبة، كانت تلميذة رسول الله الأولى، وكان عليٌّ رفيقها في التلمذة في بيت رسول الله (ص)، كانت تتعلم ما يتعلّمه علي (ع)، وكانت تنفتح على الروحانية الفيَّاضة من روح رسول الله (ص)، كما كان علي (ع) ينفتح على ذلك، وكانت (ع) تعيش آفاق الرسالة في كلِّ حركة الدعوة وفي كلّ مشاكلها وآلامها وتحدّياتها هناك، كما كان يعيشها عليّ (ع). ولذلك، كان عليّ (ع) كفؤها، لأنّ الكفاءة ليست فقط في كفاءة النّسب، ولكنّها كفاءة العقل الذي يزاوج العقل، وكفاءة القلب الّذي يلتقي مع القلب، وكفاءة الرّوح التي تذوب في الروح، وكفاءة ذلك الوعي المنفتح على الإسلام فكراً ومنهجاً وحركة. وهكذا، عاشت مع علي (ع) دون أن تبتعد عن رسول الله (ص)، فكان الثلاثة في بيتها الجديد، لأنّ رسول الله (ص) كان يقضي أغلب وقته عندها، إذ كان يجد في أجواء بيتها أجواء البيت الإسلامي الذي أراده أن يكون نموذج البيت الذي يعيش مع الله تعالى، ومع الرسالة، ومع الناس، ومع المسؤوليّة. لذلك، كان ينطلق، إذا أراد سفراً، من بيت فاطمة (ع) لا من بيت زوجاته، وكن كثراً. وعندما كان يعود من سفره، كان بيت فاطمة أول بيت يدخله، لأنّه كان يعتبر أنّ بيتها فيه امتداد لبيته منذ أن انطلق بالرّسالة.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 178
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 مفاهيم رمضانية
 التنافس في المودّة
 صحبتنا مع الشهر الكريم
 ليلة القدر.. ليلة المقادير السنوية
 الخوف والرجاء
 أُسس الإيمان الواعي
 الدعوة إلى الله في كل مجالات الحياة
 العتق من النار
 في وداع الشهر الفضيل
 التوبة إلى الله سبحانه وتعالى

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا