الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
السياسة ما بين فن الممكن وفن مراكمة الانجازات

2016/02/20 | الکاتب : د. إبراهيم أبراش


صحيح، إنّ السياسة ليست عالم المثاليات الذي يلبي كلّ مطالب الشعب ويعبر عن كلّ نزعاته، وصحيح أيضا أن السياسة تتضمن فن الممكن أو هي فن الممكن كما يقول البعض. لكن القول بأنّ السياسة فن الممكن يجب أن لا يكون ذريعة لتبرير العجز والفشل أو التنازل عن الحقوق والثوابت الوطنية، ذلك أنّ الممكن يجب أن يكون في إطار القانون والدستور وبما لا يتعارض مع المصلحة الوطنية العليا، وليس الممكن بما تستطيعه النخب الحاكمة ويتوافق مع مصالحها فقط.

إن كانت السياسة تتضمن فن الممكن في إطار الشروط أعلاه، فهي أيضاً وقبل ذلك فن مراكمة الانجازات. وقد أثبتت التجربة التاريخية أن المجتمعات والحضارة الإنسانية بشكل عام تتطور وتتقدم من خلال مراكمة الانجازات: انجازات الأنظمة السياسية وانجازات المعارضة السياسية وانجازات الشعب وإنجازات العلماء والمفكرين والمثقفين والعسكريين إلخ. سياسة مراكمة الانجازات تؤسَس على مبدأ التواصل التاريخي ورفض منطق القطع والتجاوز، والاستفادة من التجارب التاريخية دون استنساخها أو التعامل معها كحقائق ومسلمات.

من هذا المنطلق لا يجوز لمن يصلوا للسلطة، سواء عن طريق صناديق الانتخابات أو الثورة والانقلاب، أن يقدموا أنفسهم كالمخلِّصين الطهورين، ويتهموا من سبقوهم بالخيانة أو تكفيرهم، والأخطر من ذلك أن يسفِّهوا كل ما تم انجازه عبر السنين، محاولين البدء من نقطة الصفر، حتى وإن أدى ذلك لتدمير كلّ ما تم انجازه سابقا بما في ذلك الدولة والمجتمع.

التاريخ يعلمنا بأنّ الحضارة الإنسانية وتقدم المجتمعات يخضعان لسنن التطور ومراكمة الانجازات، وبالتالي لا يجوز لأي حزب أو نظام سياسي أن يتصرف وكأن التاريخ بدأ معه أو يزعم أنه يحتكر الحقيقة.

ما ينطبق على الدول ينطبق على حركات التحرر الوطني وعلى واقع الحالة الفلسطينية تحديداً، من حيث التوظيف الخاطئ لمفهوم (السياسة فن الممكن) وغياب إستراتيجية لمراكمة الانجازات. فنظراً لغياب إستراتيجية وطنية ولحالة الانقسام الحاد فإنّ القوى السياسية يشتغل كلّ منها على الممكن الحزبي وليس الممكن الوطني، وكلّ منها تعمل بمعزل عن الأخرى وبحسب ما تملك من قدرات وإمكانيات حزبية وفي الحيز الذي تديره جغرافياً وسياسياً. هذا الفهم للسياسة كفن الممكن يتجاهل وجود ممكنات وطنية أخرى.

النتيجة المنطقية لكلّ ذلك محدودية الانجازات وتفوق إسرائيل في كلّ المواجهات العسكرية والسياسية التي يخوضها الفلسطينيون، ليس هذا فحسب، بل ولأنّ كلّ طرف سياسي يناصب الطرف الآخر الخصومة فإنّه يتم تشكيك كلّ طرف بانجازات الطرف الثاني، في تجاهل للشيء القليل من الانجاز الذي تم تحقيقه، كما أنّ كلّ حزب يعتقد أن الممكن الذي يحققه في إطار استراتيجيته الحزبية هو الممكن الوطني الوحيد والصحيح أما إستراتيجية الأطراف الأخرى وممكناتها فهي خاطئة وغير وطنية!. وهناك وجه آخر من التوظيف الخاطئ والخطير لمقولة السياسة فن الممكن  وهو تبرير حالة العجز والفشل – وهي حالة منطقية في ظل غياب وحدة وطنية – بالقول هذا ما يمكننا تحقيقه!.

وهكذا تعتقد حركة حماس مثلاً أنّ العمل العسكري والجهادي هو الإستراتيجية الصحيحة وما ينتج عنها هو الممكن الوطني الوحيد وبالتالي ترد على كلّ مَن يتهمها بالعجز والفشل عن تحقيق الأهداف الوطنية بالتحرير، حتى وإن اقتصر ممكن حماس على سلطة هزيلة محاصرة في قطاع غزة. نفس الأمر بالنسبة لمنظمة التحرير والسلطة وممارستهما للعمل السياسي والدبلوماسي حيث تعتقدان أنّ ما يتم انجازه في هذا السياق هو الممكن الوطني الوحيد، حتى وإن اقتصر الأمر على الحفاظ على السلطة القائمة أو قرار دولي هنا أو هناك.

وفي حقيقة الأمر فإنّ اعتماد هذه الرؤية من الطرفين أمر خاطئ بالأساس لأنّ العمل العسكري ليس إستراتيجية قائمة بذاتها وكذلك العمل السياسي والدبلوماسي، بل هما أدوات توَظَف في سياق إستراتيجية وطنية شمولية، وبالتالي فإنّ الممكن الذي يتم تحقيقه من خلال الدبلوماسية أو من خلال العمل العسكري سيكون أكثر جدوى لو تم التعامل معهما كشيئين يكمل كلّ منهما الآخر وليس بدائل لبعضهما البعض.

خلال قرن تقريباً من النضال الوطني في مواجهة المشروع الصهيوني لم يتوان الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات عن القيام بواجبه. في المشهد الوطني اليوم كثير من الانجازات: صمود محمد القيق المُضرب عن الطعام وآلاف الأسرى في سجون الاحتلال، بطولات شباب الانتفاضة الحالية والانتفاضات السابقة وصمود أهلنا في الضفة والقدس في مواجهة الاستيطان والتهويد، صمود أهلنا في داخل الخط الأخضر المتشبثين بأرضهم وهويتهم في مواجهة السياسة العنصرية الصهيونية، صمود وبطولات أهلنا في قطاع غزة في مواجهة موجات العدوان العسكري والحصار، صبر وصمود أهلنا في مخيمات الشتات وخصوصاً في مخيم اليرموك في سوريا، والجهود الدبلوماسية الحثيثة للرئيس أبو مازن ومنظمة التحرير لمحاصرة إسرائيل دولياً وانتزاع مزيد من الاعتراف بحقّ الشعب الفلسطيني بدولة مستقلة.

كلّ هذه الانجازات، حتى وإن كانت في إطار (سياسة فن الممكن)، كان من الممكن أن يكون لها مردود أفضل ويتم تثميرها لو كانت في سياق وحدة وإستراتيجية وطنية، انجازات تُكمل بعضها البعض وليست بديلاً عن بعضها البعض.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 291
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 المصالحة .. الخروج من المأزق لا يسوّغ الدخول في مآزق
 سيدي الرئيس لا تفجع شعبك ولا تقتل فرحة أهلك
 الاثنين العظيم اليوم المرتقب والوعد المنتظر
 معوقات المصالحة مبهمةٌ وذرائعها محيرةٌ
 سيادة الرئيس: أنا لست كغيري، لذلك لم تقنعني!
 المصالحة الفلسطينية أملٌ وحقيقةٌ أم وهمٌ وخيالٌ
 لماذا تجاهل ترامب في خطابه الصراع بالمنطقة؟
 المصالحة في خلطة التخليل
 أبعاد سياسة الاستيطان الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية
 مشاريعٌ أوروبيةٌ تقوَّضُ ومؤسساتٌ أمميةٌ تدمرُ

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا