الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
ترسيخ مفهوم الأخوة الإسلامية

2016/02/26 | الکاتب : عمار كاظم


وضع الاسلام نقاطاً عملية مهمة، يساعد تطبيقُها وممارستها ترسيخ مفهوم الأخوة الاسلامية في المجتمع، كممارسة حسن الخلق، وأداء الأمانة، ومراعاة شعور الناس، والاستغناء عن طلبهم بشكل يذلُّ المؤمن، والتواضع، والحب والبغض في الله، وحسن الظن، ومراعاة حرمة المؤمنين، والمشاورة والحلم وحسن المعاشرة، وصلة الرحم، وحسن الجوار وغيرها من الفضائل التي أكّد عليها الشارع المقدس (الله سبحانه وتعالى)، وطلب من المؤمنين الالتزام بها وممارستها بهدف تماسك المجتمع الاسلامي، ونشر مفهوم العدل والرحمة بين أفراده.. ومع أنّ القرآن الكريم أكّد على الكثير من الفضائل الأخلاقية، الّا أنّها بقيت ضمن الخطوط العامة، كما هو دأب القرآن الكريم في عرض القضايا المختلفة من زاوية عامة. أمّا التفاصيل فقد أخذت أبعاداً واسعة في قول الرسول (ص) وفعله وتقريره. عن أبي عبد الله (ع): «لا والله لا يكون المؤمن مؤمناً أبداً حتى يكون لأخيه مثل الجسد اذا ضرب عليه عرق واحد تداعت له سائر عروقه»، ويقول الامام الصادق (ع) أيضاً: «المؤمن أخو المؤمن كالجسد الواحد: ان اشتكى شيئاً منه وجد ألم ذلك في سائر جسده، وأرواحهما من روح واحدة، وانّ روح المؤمن لأشدُّ اتصالاً بروح الله من اتصال شعاع الشمس بها»، «للمسلم على أخيه المسلم من الحقّ أن يسلّم عليه اذا لقيه، ويعوده اذا مرض، وينصح له اذا غاب، ويشمِّته اذا عطس، ويجيبه اذا دعاه، ويتبعه اذا مات»، «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يخونه، ويحقُّ على المسلمين الاجتهاد في التواصل والتعاون على التعاطف والمؤاساة لأهل الحاجة وتعاطف بعضهم على بعض حتى تكونوا كما أمركم الله عزّ وجلّ (رحماء بينهم) (الفتح/ 29)، متراحمين مغتمِّين لما غاب عنكم من أمرهم: على ما مضى عليه معشرُ الأنصار على عهد رسول الله (ص)»، ويقول الامام الصادق (ع): «ثلاثة أشياء في كلّ زمان عزيزة وهي: الاخاء في الله تعالى والزوجة الصالحة الأليفة تعينه في دين الله عزّ وجلّ، والولد الرشيد ومن وجد الثلاثة فقد أصاب خير الدارين والحظ الأوفر من الدنيا والآخرة، واحذر أن تؤاخي من أرادك الطمع أو خوف أو ميل أو مال أو أكل أو شرب واطلب مواخاة الأتقياء ولو في ظلمات الأرض، وان أفنيت عمرك في طلبهم، فانّ الله عزّ وجلّ لم يخل على وجه الأرض أفضل منهم بعد النبيين، وما أنعم الله تعالى على العبد بمثل ما أنعم به من التوفيق بصحبتهم. قال الله تعالى: (الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ اِلا الْمُتَّقِينَ) (الزخرف/ 67)، وأظن أنّ مَن طلب صديقاً في زماننا هذا بلا عيب بقي بلا صديق، ألا ترى أنّ أوّل كرامة أكرم الله بها أنبياءه عند اظهار دعوتهم صديق أمين أو وليٍّ، فكذلك من أجلّ ما أكرم الله به أصدقاءه وأولياءه وأصفياءه وأمناءه وصحبة أنبيائه، وذلك دليل على أنّ ما في الدارين بعد معرفة الله تعالى نعمة أجل وأطيب وأزكى من الصُحبة في الله عزّ وجلّ والمواخاة لوجه الله تعالى». ومن النقاط العملية التي أكّد عليها القرآن الكريم، ودعا الانسان المؤمن للتحلّي بها، لترسيخ مفهوم الأخوة في المجتمع هي حُسن الخُلق، والخُلق هي الملكة النفسية التي تصدر عنها الأفعال الفضلى كالشهامة والعفّة والشجاعة، والأفعال الرذيلة، وهي معروفة.. وقد ارتبط معنى الخُلُق بالخُلق الحسن، ووجّه الله سبحانه خطابه الى الرسول الكريم (ص) واصفاً ايّاه بأنّه على درجة عالية من الأخلاق الحميدة. يقول تعالى: (وَاِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم/ 4)، ويقول تعالى أيضاً: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران/ 159). وقد ذهب القرآن الى أبعد من ذلك عندما قرّر أنّ المؤمن يجب أن لا يقابل الباطل بالباطل، بل عليه أن يدفع بالحقّ باطل أعدائه (الكافرين بالله). وأن يدفع بحمله جهلهم وبعفوه اساءتهم، والى ذلك أشار قوله تعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَاِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصّلت/ 34). وليس هناك أدنى شك في أنّ حسن الخُلق، انما هو انعكاس حقيقي لدرجة ايمان الانسان بالخالق عزّ وجلّ وبالرسالة الالهية كما يقول الامام الباقر (ع): «انّ أكمل المؤمنين ايماناً أحسنهم خلقاً»، وكما يقول الامام الصادق (ع): «... فانّ العبد يكون فيه بعض التقصير من العبادة ويكون له حسن خلق، فيبلغه الله بحسن خلقه درجة الصائم القائم». وتذكر بعض الأحاديث الشريفة أهمية مراعاة شعور الناس ومداراتهم، والمداراة معناها، ملاءمة الناس، والتجانس معهم وحسن الصُحبة، واحتمال الأذى بسببهم.. وهذه الخصلة، بالتأكيد درجة عالية من درجات الصبر والايمان، يقول الرسول الكريم (ص): «المداراة نصف الايمان»، ويقول (ص) أيضاً: «ثلاث من لم يكن فيه لم يتم عمله: ورع يحجزه عن معاصي الله، وخلق يداري به الناس، وحلم يردّ به جهل الجاهل»، ويقول (ص) أيضاً: «أمرني ربّي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض». ولا يختلف اثنان على أنّ التواضع أيضاً، وخفض الجناح عامل مهم من عوامل تأليف القلوب، ونشر الأخوة في المجتمع الانساني.. فالتكبر والاستعلاء صفة يتصف بها الانسان الذي يعيش عقدة من عقد الحياة، فيحاول أن يحتقر الآخرين ليطمئنّ أنّ النقص الذي عاش في شخصيته، يمكن أن يعوّض بشيء لا يمتلكه الآخرون، فاذا كان يمتلك القوة، يتكبّر لاذلال بسطاء الناس، واذا كان يمتلك المال يحاول الاستعلاء، لأنّه يتصور أنّه هو السيد، فما قيمة الآخرين.. وهكذا تنفتح الشقة وتتسع بين المستكبرين والمستضعفين، لتمزق أوصال المجتمع الواحد.. ولذلك حذر القرآن الكريم، المؤمنين بشكل غير مباشر، من الانزلاق بهذا المنزلق الخطر، لأنّ الاستكبار في الواقع افساد للحياة الانسانية كلّها.. يقول سبحانه وتعالى مخاطباً الرسول الكريم (ص): (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء/ 215)، ويقول تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا وَاِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا) (الفرقان/ 63). ويقرِّر القرآن الكريم نقطة في غاية الأهمية، وهي أنّ الانسان، مهما تكبّر واستعلى في الأرض، فانّ الله سبحانه وتعالى، له بالمرصاد، وهو لا يعلم ما يدبِّرُ له الله.. وما قصة استعلاء فرعون وتكبره عنا ببعيد، فقد خلق الله سبحانه موسى (ع) في وقت كان فيه فرعون في أوجّ عظمته وقوته، متطاولاً على الله سبحانه، مستضعفاً بني اسرائيل يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم، فتربى موسى في حجر عدوه، حتى اذا استوى وبلغ أشدّه نجّاه الله وأخرجه من بينهم الى مدين، ثم رجع الى قومه رسولاً من الله سبحانه، ومع التوراة هدىً وبصائر للمؤمنين، ثمّ أُغرِقَ فرعون وجنوده، وجعل بني اسرائيل هم الوارثين... ولم تُذْكر قصة موسى (ع) في القرآن الّا لتقوية قلوب المؤمنين الأوائل، الذي استضعفهم فراعنة قريش وطغاتهم، فوعدهم الله بالعزّة والنصر.. ولنا في هذه القصة عبرة عظيمة، وهي أنّ الاستكبار لله وحده، ولا يحقّ لانسان أن يستكبر على انسان آخر في المجتمع الانساني الواحد. يقول تعالى: (اِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ اِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (القصص/ 4)، ويقول أيضاً: (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ اِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ* فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ* وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ اِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ* وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ) (القصص/ 39-42). ولذلك فانّ لقمان دعا ابنه الى أن يكون متواضعاً بين الناس، فلا يعرض بوجهه عن الناس تكبراً، ولا يمشي في الأرض مشية مَن اشتدّ فرحه، فينقلب السلوك الانساني الطبيعي الى سلوك مضطرب يجرح كرامة الناس.. يقول تعالى: (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا اِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (لقمان/ 18).

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 202
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 الأبعاد التربوية لشهر رمضان المبارك
 شهرُ الصيام
 الرحمة والتراحم في خطبة النبيّ محمّد (ص)
 التثقّف بالقرآن في الشهر الكريم
 عطايا الشهر الفضيل
 شهر رمضان.. تربة صالحة لنمو الفضائل
 حكَم الصيام وآثاره
 الخشوع الصادق في الصلاة
 معنى الجهاد في الصوم
 الحكمة من فريضة الصوم

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا