الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الحوار.. إثراء فكر وترسيخ قيمة عليا

2016/02/26 | الکاتب : عمار كاظم


انّ الحوار في معناه الصحيح لا يقوم ولا يؤدي الى الهدف المنشود الّا اذا كان هناك احترام متبادل بين أطراف الحوار، واحترام كلّ جانب لوجهة نظر الجانب الآخر. وبهذا المعنى فانّ الحوار يعني التسامح واحترام حرّية الآخرين، واحترامُ الرأي الآخر لا يعني بالضرورة القبول به. وليس الهدف من الحوار مجرد فكّ الاشتباك بين الآراء المختلفة أو تحييد كلّ طرف ازاء الطرف الآخر، وانّما هدفُه الأكبر هو اثراء الفكر وترسيخ قيمة التسامح بين الناس، وتمهيد الطريق للتعاون المثمر فيما يعود على جميع الأطراف بالخير، وذلك بالبحث عن القواسم المشتركة التي تشكل الأساس المتين للتعاون البنّاء بين الأمم والشعوب.

والحوار بهذا المعنى يُعد قيمة حضارية ينبغي الحرص عليها والتمسك بها واشاعتها على جميع المستويات. والوعي بذلك كلّه أمر ضروري يجب أن نعلّمه للأجيال الجديدة، وبصفة خاصة عن طريق القدوة وليس عن طريق التلقين. ولا جدال في أنّ الحوار قد أصبح في عصرنا الحاضر أكثر الحاحاً من أي وقت مضى، بل أصبح ضرورة من ضرورات العصر، ليس فقط على مستوى الأفراد والجماعات، وانما على مستوى العلاقات بين الأمم والشعوب المختلفة. ومن منطلق الأهمية البالغة للتعارف بين الأمم والشعوب والحضارات والأديان -على الرغم من الاختلافات فيما بينها- كانت دعوة الاسلام الى الحوار بين الأديان. وذلك لما للأديان من تأثير عميق في النفوس. ويعد الاسلام أول دين يوجه هذه الدعوة واضحة صريحة في قوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا اِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ اِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَاِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (آل عمران/ 64). ولم يكتفِ القرآن بمجرد الدعوة الى الحوار بين الأديان، بل رسم المنهج الذي ينبغي اتباعه في مثل هذا الحوار. وذلك في قوله تعالى: وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْـلَ الْكِتَابِ اِلاَّ بِالَّتِـي هِيَ أَحْسَنُ اِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْـزِلَ اِلَيْنَا وَأُنْزِلَ اِلَيْكُمْ وَاِلَهُنَا وَاِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (العنكبوت/ 46).

أما الحكم على الآخرين الذين يشاركوننا في الانسانية، فيجدر بنا أن نتركه لله جل شأنه؛ وخير لنا بدلاً من ذلك أن نجتهد في أن نسلك حيالهم مسلكاً عادلاً متسامحاً طالما لم يسيئوا الينا. فالدين لا يحفل الّا بالأعمال التي نتحمل نحن مسؤوليتها؛ ولهذا يقول القرآن الكريم في موضع آخر: وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ اللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَاِلَيْهِ الْمَصِيرُ (الشورى/ 15). ولا نبالغ ان قلنا انّ الحوار أصبح سمة عهدنا الحالي. الحوار يعني قيام المجموعات المختلفة للجماعات الانسانية التي تعيش معاً بحوار فيما بينها محاولين بذلك فهْم أحدهم للآخر والاعتراف به واستخراج الأسس المشتركة الموجودة بينهم على قدر الامكان والتي تشكّل أرضية قانونية تساعدهم على العيش معاً بأمن وسلام. ومن زاوية النظرة القرآنية فانّ البشر خُلقوا بخصائص غنية ومختلفة، وانّ من الخطأ اتخاذ هذا الاختلاف سبباً للصراع وللخصام؛ فمثل هذا الخطأ سيؤدِّي الى الاخلال بالأمن وبالسلام، ويُلحق ضرراً كبيراً بالانسانية، وينسف جميع جسور التفاهم. بينما الصواب هو عدّ كلّ هذه الاختلافات كزهور فوّاحة تملك كلّ زهرة منها جمالاً وعطراً خاصّاً بها تشكل حديقة انسانية مباركة. هناك طريقان لتعايش الناس معاً؛ أحدهما استعمال القوة والبطش، والثاني قيام الأناس الأحرار بالوصول الى التفاهم فيما بينهم وارساء هذا التفاهم بعقد قانوني معيَّن، وتعيين أسلوب التصرف والتعامل وحقوق كلّ انسان ومسؤولياته. ولم توضع الدساتير والقوانين والعهود والمواثيق الانسانية الاّ لتأمين هذا الأمر. ولا شك أنّه لولا وجود متونِ ونصوص المعاهدات والمواثيق لَما تحقق أي سلام اجتماعي ولا أي وحدة سياسية. ولكن المهم هنا أنّ هذه المعاهدات يجب أن تسجل بارادة انسانية حُرة وبرِضَا الأطراف ودون أي اكراه. ويمكن القول بأنّ الاسلام يملك في هذا الموضوع تراثاً غنيّاً. فقد قام التاريخ الاسلامي والتجربة التاريخية للاسلام بشكل عام على قبول الخصوصيات المتنوعة لكافة المجموعات المختلفة دينية كانت أم قومية أم ثقافية أم لغوية. وقد وَجدت أديان ومذاهب وثقافات عديدة وأقوام عديدون امكانيةَ العيش بأمان في ظل الاسلام. وانّ وثيقة المدينة المنورة التي كانت تحت رعاية نبينا الكريم محمّد (ص) مثال واضح وجيد طبّق في الواقع العملي فعلاً وأنموذج للعيش معاً بسلام. كانت هذه الوثيقة عالمية وموضوعية وفَوق الطوائف الاجتماعية، أي لم يكن بوسع المسلمين واليهود والمشركين الخروج خارج نطاقها العام.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 201
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 حاجتنا إلى التسامح
 وصية الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)
 عاقبة الصبر
 حصانة الشباب بتقوى الله
 سموّ الإمام الصادق (ع) بعلمه ومعرفته
 مسـؤولياتنا اليوم كشبّان
 منهج الإمام الصادق (ع) التربوي
 الإمام جعفر الصادق (ع).. إمام العلماء وأستاذ الفقهاء
 الإجازة الصيفية.. متعة، فائدة وإنجاز
 مفهوم التسامح ودرجاته

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا