الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
نحو بناء مجتمع متماسك أفضل

2016/03/06 | الکاتب : عمار كاظم


خُلق الإنسان اجتماعياً بطبعه، فالفرد وحده لا يمكن أن يؤمّن لنفسه كلّ ما يحتاج، إذن لابدّ أن تكون الحياة شركة بين مجموعة منهم. والحياة الاجتماعية السليمة هي تلك التي يحترم فيها الأفراد القوانين وحقوق وحدود كلّ فرد منهم، ويقدّسون العدالة، ويتبادلون الحبّ والصداقة، وكلّ فرد منهم يحب للآخر ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لها، ويعتمد ويطمئن كلّ منهم بالآخر، وكلّ فرد منهم يحسّ بأنّه مسؤول في مجتمعه. والشيء الذي أكثر من غيره يجعل الحقّ محترماً، والعدالة مقدّسة، والقلوب متحابّة، والأفراد متبادلين للثقة، والتقوى والعفاف نافذين إلى أعماق الوجدان الإنساني، والقيم الخلقية حيّة، ويمنح الشجاعة لمقاومة الظلم، ويحول الأفراد إلى أعضاء جسم واحد متفقين ومتحدين، انّما هو الإيمان الديني.

المحبة في الله: إن العمل من أجل إيجاد حبّ الله في الجماعة أمر ضروري في حياتها لكي تقوم على دعامة قوية تحافظ عليها من التداعي والانهيار. انّ الصلة بالأخوان في الله أو زيارة علماء الدين، كلها معالم هدى ومنارات في الطريق إلى ترشيد السائرين إلى الله والتسريع بخطاهم إليه سبحانه وتعالى.

حاجة الفرد إلى غيره: شاءت إرادةُ المولى عزّ وجلّ أن تكون احتياجاتُ الإنسان كثيرة ومتعددة، بحيث لا يمكن لفردٍ واحد أن يوفِّرها مما يستلزم احتياج الإنسان لغيره ليتعاون معه ويتعامل. وليست الحاجاتُ وتبادل المنافع هي الدافع الوحيد لقيام العلاقات بين البشر بل هناك دوافعُ فطريةٌ ذاتية تدفعُ الإنسان لإقامة علاقات مع غيره من الناس. وهذه العلاقات أنواعٌ مختلفة؛ فهناك علاقاتٌ منشؤها التعامل الاقتصادي كالبيع والشراء والإيجار، وهناك علاقاتٌ اجتماعية كالقرابة والجِوار والصداقة والزمالة. ونوعُ العلاقة يُحدِّد غالباً قوة هذه العلاقة وامتدادها ومداها. إذ غالباً ما تبقى العلاقة في ذات نوعها الذي نشأت فيه؛ فلا تتعدى مثلاً الجانب المالي إلى جانب القرابة والمصاهرة مثلاً وإنما تتّسع وتضيق، تقوى وتضعف حسب المتغيّرات المحيطة. وإن كان من الممكن أن تتحول إلى نوعٍ آخر كالتعامل التجاري الذي يتحول إلى علاقة زواج أو بالعكس.

موقف الإسلام من العلاقة الاجتماعية: لقد دعا الإسلام الفرد المسلم لأن يكون ذا علاقةٍ مع غيره من أفراد المجتمع، وحدّد طبيعة هذه العلاقة وأهدافها وآثارها الدنيوية والأخروية. فالعلاقة بين المؤمنين هي علاقةُ الأخوّة أي علاقة الأخ بأخيه. فكما يحب المرءُ أخاه من أُمّه وأبيه فينصَحُ له، ويَخلُصُ بحبه، ويحترمه، ويبذلُ له كلَّ نفعٍ مُستطاع، ويدفع عنه كلَّ سوءٍ يَقدِرُ على دفعه هكذا شأنه مع سائر المسلمين. هذه العاطفة النبيلة عاطفةُ الأخوّة يصاحبها سلوكٌ عملي يبرهن فيه المسلم عن أخوّته لأفراد المجتمع. فليست الأخوّة في الإسلام هي انفعالٌ عاطفي محدود. كما أنّ هذه الرابطة التي تشدُّ المسلم لأخيه المسلم ليست غاية ما يمكن أن تصل إليه العلاقات الاجتماعية؛ بل هي بدايةٌ لميدانٍ فسيح من أعمال الخير والبر يمكن أن تجري فيه.

دوافع سامية: قد يحب المرء من يُحسِنُ إليه وهذه عاطفة كريمة طيِّبة. لكن الإسلام يحثُّ الفردَ على التّسامي في عواطفه ودوافعه؛ فلا يقفُ عند حدود حُبِّ مَن يفعلِ المعروف معه بل يدفعه لأنّ يحبَّ الإنسانَ للفضائل التي فيه وللخير الذي يفعله، ولو لم ينل المُحِبُّ منها شيئاً. بل إنّ مَن يُحبُّ الناس لأنهم يفعلون الخير مع غيره أسمى عاطفةً ممن يحبُّ الخيَّرين لأنّهم بذلوا الخيرَ له.

عمق المحبة: لا شكّ أنّ المحبة تقوى مع الأيام وتترسّخ لاسيّما إذا كانت قد نشأت منذ الطفولة، إذ يجدُ المرءُ في أصداقاء الطفولة ما لا يجده في غيرهم. ولعلّ مردّ ذلك إلى طهارة الطفولة وبراءتها عن المصالح الفردية ونوايا الإضرار. على أننا نجدُ علاقاتٍ نشأت واشتدّت وقويت خلال فترة وجيزة؛ فترى شخصين تعارفا، ولم يلبثا أن تآخيا وتحابّا وتآلفا، حتى يحسب من يراهما أنّهما أخوان أو صديقا طفولة. بينما لو نظرنا إلى علاقة كلّ منهما بأصدقائه ومعارفه الآخرين لوجدناها باقيةً على حالها! فما الذي جعل العلاقة بينهما تنمو هذا النمو المُلفِت للنظر؟.. هنا يوجِّهنا الحديث الشريف الوجهة الصحيحة ليبيِّن أنّ التقارب الفكري والتشابه الروحي هو السبب في الانجذاب والتقارب المادي. قال (ص): الأرواحُ جنودٌ مجنّدَةٌ، فما تعارف منها ائتلَفَ وما تناكر منها اختلف. ولعل هذا يفسِّرُ لنا كيف وقَفَت علاقتُكَ بجارك عند حدودِها يومَ التقيتَ به، رغم مرور أعوامٍ طويلة على الجوار، وكيف شعرتَ بميلٍ وتقارب لإنسانٍ تعرّفتَ عليه للتو.

إفشاء السلام: وقد بينها رسولنا الكريم في حديثه الشريف: والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنّة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء، إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم.. وليس المقصود من إفشاء السلام هو النطق بلفظه فقط.. وإنما المقصود منه تحقيق ثلاثة معانِ جليلة: المعنى الأوّل: إذا أقبل الأخ على أخيه وقد علته البشاشة، وفاض وجهه بالغبطة، وصافحه بحرارة وقوة، وغمره بجو من الحنان والعطف.. وقال له بشوق وحرارة: السّلام عليك يا أخي ورحمة الله وبركاته، واتبع سلامه بقوله: يا أخي إني أحبك في الله، وإذا أجابه أخوه بقوله: أحبك الله فيما أحببتني فيه.. فإنّ هذا السلام يربط على قلبيهما برباط الود والألفة. والمعنى الثاني: فهو أنّ إلقاءه السلام عليه عند أوّل اللقاء قد طمأنه إلى أنّ بقاءه معه لن يكون فيه إلّا ما يرضيه ويسعده، وقد أفهمه أنّه لن يجلب له أذى ولن يسبب له ضرراً، فقد ألقى إليه السلام أوّل ما لقيه، فلا غشّ ولا كذب ولا فسوق ولا عدوان، ولا سخرية ولا ظناً سيئاً ولا أي شيء مما يؤذيه.. لأنّه قال له: السلام عليكم. وأما المعنى الثالث: فهو أنّه لن يمنع عنه أذاه فحسب، وإنما سيجلب له خيراً كثيراً، وبركات كريمة من الله سبحانه، وذلك في قوله: (ورحمة الله وبركاته).. فقد تعهد له ألا يحدّثه إلا في خير، وألا يفعل أثناء وجوده معه إلّا ما يتسم بسمات الخير.

تشابه وتعارف: إنّ التشابه يدعو الناس للتلاقي والتعارف والتآلف سواء كان هذا التشابه في الخير أو في الشر. فإنّ الكريم يميلُ لمُصادقة الكريم والحي يرتاح إلى الحيّ مثله، بل إنّ المصاب بمرض أو عاهة يميل إلى مصادقة مُبتلى مثله. والسؤال الذي يُطرَحُ هنا: هل صُوَرُ التشابه هذه كلّها تدعو إلى تكوين صداقات على نفس القوة من المتانة والعمق. ليس الأمر هكذا؛ وذلك لأنّ المتشابهين في الشر لا يحملون قلوباً نقيّةً طاهرةً؛ فلا تكونُ مودَّتُهم صافيةً، فسرعان ما يظهر فساد قلوبهم بسوء تعاملهم. وأمّا االمتشابهين في الخير فأولئك يحملون قلوباً طاهرةً ونفوساً زكيةً. والمحبة الصافية تسكنُ القلوب الطاهرة وتأنسُ للنفوس الزكية؛ لذا كانت المحبة عند هؤلاء أصدق عاطفة وأوثق إحكاماً. ويرى العلماء أنّ محبة أهل التقى والصلاح هو ثمرةٌ من ثمار محبة الله تعالى. لأنّ المرء إذا أحبّ شيئاً معه كلّ من يتصل به أو مَن له به علاقة.

العدل الاجتماعي: لكي يؤكد الإسلام معنى العدل الاجتماعي بين أبنائه أمرهم بأن يتعاطفوا وأن يحب الواحد منهم لأخيه ما يحبه لنفسه وأن يؤث غيره على نفسه.. من أجل ذلك يعلم الإسلام الفرد أن واجبه العمل من أجل خير المجتمع كلّه قال تعالى: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) (الحديد/ 7)، ويقول (ص): ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جانبه وهو يعلم. لقد كرم الله الإنسان الذي يعمل على إزالة الظلم عن أخيه المسلم وعلى إرساء دعائم العدل ونشر لواء الحرية والأمن بين الناس ويعمل بكلّ طاقاته على أن يكون مجتمعه حراً لا يستذل حماه، عزيزاً لا يبغي عليه باغ فإذا ما حاول معتد أن يعتدي على أرضه وجب عليه أن ينهض لدفع هذا العدوان تحقيقاً لمعنى التكامل حسبما قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة/ 2)، وإذا أحب المؤمن أخاه كان جديراً بأن ينعم في ظلال عرش الرحمن يوم لا ينفع مال ولا بنون إلّا من أتى الله بقلب سليم.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 162
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 فاطمة الزهراء «عليها السلام».. القدوة الشاملة
 رجب.. شهر استجابة الدعاء
 ملامح الهدوء النفسي في الأسرة
 القراءة الواعية للقرآن الكريم
 الإقبال على ساحة الله المقدسة بالدعاء
 وظائف الأسرة الصالحة
 طلب الرزق.. عبادة خالصة
 الزهراء (ع) قمة في العطاء والصبر
 سيدة نساء العالمين بفضائلها
 إدارة الوقت.. رضا ونجاح

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 فوائد زيت السمسم
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا