الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
«اقرأ وارتقِ»

2016/03/18 | الکاتب : عمار كاظم


القراءة هي الوسيلة الأساسية للاتصال بين الأفراد والمجتمعات، فهي أداة الإنسان لكسب المعارف والتعلم، وهي أداة المجتمع للربط بين أفراده، وهي أداة البشرية للتعارف بين شعوبها مهما تفرقت أوطانهم، وبين أجيالها مهما تباعدت أزمانهم. وإذا كان الكتاب هو الخزانة التي تحفظ الخبرات المتراكمة من الأجيال الماضية، فإنّ القراءة هي المفتاح الذي يتيح الانتفاع بهذه الخزانة. قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: «اقرأ وارتقِ»، ومعناه أنّك على قدر قراءتك تنال من الرُّقي. وإذا كان الفهم التقليدي لهذا الحديث يقصر القراءة على القرآن، فإنّ قراءة غير القرآن إنما هي من مقتضيات القراءة الواعية للقرآن، وتنفيذٌ لأمره الناسَ أن يسيروا في الأرض، فينظروا كيف بدأ الخلق. إنّ القراءة الواسعة العميقة الشاملة لتراث البشرية، هي التي تجعل الإنسان عالمياً يتجاوز الألوان والأجناس والألسن والمعتقدات. فاليونان، الذين كانوا أكثر الناس قراءة، وأكثرهم إنتاجاً فكرياً في الفلسفة والحكمة والشعر، سيطروا على أكبر رقعة من العالم أيام الاسكندر تلميذ أرسطو (المعلم الأوّل). والمسلمون، الذين انطلقوا من (اقرأ)، وطلبوا العلم من كلِّ مصدر، نالوا من كرامة الله لهم في الدنيا، وسعة السلطان في الأرض، في أقصر وقت، ما لم ينله غيرهم بمثل هذه السرعة. والغربيون الذين يتمتعون بخيرات العالم في عصرنا، هم الأكثر صلة بالقراءة، والأعلى رقماً في عدد ما يصيب الفرد الواحد منهم من الكتب والصحف والمجلات. واليابان، تخلصت من الأُميّة قبل نهاية القرن التاسع عشر. وعن طريق القراءة ينطلق الفرد في التعليم المستمر، الذي أضحى ضرورة لمواكبة التطور العلمي والفني، وللتكيف الشخصي مع المتغيرات السريعة، والمستحدثات العصرية، وتوسيع مدى رؤية الفرد للأشياء. ومهما كان مجال تخصص الفرد، فإنّه سوف يجد معلوماته تتناقص عاماً بعد عام، إذا أهمل القراءة، بينما المعرفة تتفجر من حوله سواءً في نطاق اختصاصه المهني، أو في نطاق عالم الأفكار الذي لا يكف عن السير الحثيث، إنّ القراءة المستمرة، هي وحدها طريقك إلى التكيف مع العالم من حولك، وهي دأب جميع الأُمم الحية المتطلعة إلى غدٍ أفضل، فالشعار هو (طلب العلم من المهد إلى اللحد)، والسلوك المطبق (طلب العلم فريضة). أما الإهمال والغفلة والإخلاد إلى اللّهو، وإراحة العقل من التفكير، دون أن تقدم له الزاد الذي يحفظ عليه حياته، والرياضة الذهنية التي تكفل له نموه، فسوف يؤدي ذلك به إلى الضمور طبقاً لسنة الله في الأحياء (العضو الذي لا تستخدمه يضمر)، وسوف يدخل ذلك بصاحبه إلى (الكهف) ليغمض عينيه، مشاركاً أهله في نومهم العميق.. فإذا قدرت له ذات يوم (صحوة)، فوجئ بما لم يألفه، ودهش لما لم يعرفه، وأنكر ما حوله، وتلطف عائداً أدراجه إلى كهفه، قبل أن يشعر به الناس، فيأخذوا به إلى متاحف التاريخ. فالمعارف تتراكم، وتنمو بالاجتهاد، يضيف إليها كلّ جيل بمقدار ما يتمتع به من قدرة على قراءة الرصيد الذي قدمته إليه الأجيال السابقة، ووعي لمكونات هذا الرصيد، وتحليل لها في ضوء مؤشرات الزمان والمكان، وإعادة تركيبها والإضافة عليها بما يصلح للحاضر وينير طريق الأحفاد في المستقبل. إنّ توقف جيل من الأجيال عن مثل هذه القراءة يؤدي به إلى الجمود، والتقليد، ويقعد به عن مرتبة الاجتهاد والفعالية، ويتخلف به عن ركب الحضارة والتقدم، فيتجاوزه (التاريخ)، ويرمي به في سلة (المهملات). فالقارئ الذي يتوغل بقراءته إلى أعماق التاريخ يجد الكنوز المعرفية التي تغني عقله وترشده لطريق الصواب. إنّ الذين لا يقرأون التاريخ والآداب والشرائع ولا يطلعون على أحداث العالم، ومستجدات الأفكار، ولا يقارنون بينها، لا يمكن أن يزكوا على أيديهم علم، ولا ينهض بهم اجتهاد أو يتحقق إبداع. وسوف يتجاوزهم التاريخ. 

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 292
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 القيّم النبيلة في شخصية الحسين (عليه السلام)
 عاشوراء.. صرخة الحرية والعدالة
 صورة الحسين (عليه السلام) في وعينا الإسلامي
 مفهوم النصر الحقيقي
 الحسين (عليه السلام).. إشراقات لا تنتهي
 الأبعاد الرسالية لثورة الإمام الحسين (عليه السلام)
 مسلم بن عقيل.. سفير القيم الفاضلة
 الحسين (عليه السلام).. تجسيداً حيّاً للقيم الإسلامية
 ملحمة عاشوراء.. إرث للبشريّة جمعاء
 أبرز أهداف النهضة الحسينية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا