الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
أُم البنين.. رمز الوفاء والإخلاص

2016/03/18 | الکاتب : عمار كاظم


فاطمة بنت حزام المعروفة بأم البنين (ع) قد بلغت درجة من الفضل والکمال حيث رضي أمير المؤمنين (ع) بخلقها ودينها، غلبت الكُنية على الاسم، لأمرين، الأوّل: لأنّها كُنّيت بـ «أمّ البنين » تشبّهاً وتيمّناً بجدّتها ليلى بنت عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، حيث كان لها خمسة أبناء أكبرهم أبو براء مُلاعب الأسنّة. أمّا السبب الثاني في غلبة الكنية فهو التماسها أن يقتصر أميرُ المؤمنين (ع) في ندائِه عليها، على الكنية، لئلاّ يتذكّر الحسنانِ (عليهما السّلام) أمَّهما فاطمة (ع) يوم كان يناديها في الدار، إذْ أنّ اسم أُمّ البنين هو ( فاطمة ) الكلابيّة من آل الوحيد، وأهلُها هم من سادات العرب وأشرافهم وزعمائهم وأبطالِهم المشهورين، وأبوها أبو المحلّ واسمُه حزام بن خَالد بن ربيعة.. فأمّ البنين (ع) تنحدر من آباء وأخوال عرفهم التاريخ وعرّفهم بأنّهم فرسان العرب في الجاهليّة، سطّروا على تلك رمال الصحراء الأمجاد المعروفة في المغازي فتركوا الناس يتحدثون عن بسالتهم وسؤددهم، حتّى أذعن لهم الملوك، وهمُ الذين عناهم عقيلُ بن أبي طالب بقوله لأخيه الإمام عليّ (ع): «ليس في العرب أشجع من آبائها ولا أفرس». اختار الله تعالى لأمّ البنين (ع) أن تنشأ في منبت طاهر، في بيت شجاعةٍ وكرم. وقد كان أبوها حزام مسافراً يوماً ما فرأى في نومه كأنّه جالسٌ في أرض خصبة، منعزلاً عن جماعته وبيده درّة يقلّبها متعجّباً من رونقها، فإذا برجل أقبل إليه من صدر البريّة على فرس له، سلّم عليه، فردّ حزامٌ السلام عليه، ثمّ قال الرجل: بكم تبيع هذه الدرّة، قال: لا أعرف قيمتَها، ولكن بكم تشتريها أنت؟ فقال الرجل: لا أعرف قيمتها لكن إهدِها إلى أحد الأمراء وأنا الضامنُ لك بشيءٍ هو أغلى من الدراهم والدنانير، قال: ما هو؟ قال: أضمنُ لك بالحظوة عنده والزلفى والشرف والسؤدد أبد الآبدين. قال له حزام: وتكون أنت الواسطة؟ قال: نعم، أعطني إيّاها. فأعطاها، فلمّا انتبه حزام من نومه قصّ رؤياه على جماعته وطلب تأويلها، فقال له أحدهم: إن صدقت رؤياك فإنك تُرزق بنتاً يخطبها منك أحد العظماء، وتنال عنده بسببه القُربى والشرفَ والسؤدد. فلمّا عاد من سفره بُشّر حزام بأنّ زوجته ثمامة بنت سهيل قد وضعت بنتاً، فتهلّل وجهه وسُرّ بها، فقيل له: ما نُسمّيها، فقال: سمّوها فاطمة، وكنّوها بـ (أمّ البنين). فنشأت بين أبوينِ شريفين عُرِفا بالأدب والعقل، وقد حباها الله سبحانه بجميل ألطافه، إذْ وهبها نفساً حرّةً عفيفةً طاهرة، وقلباً زكيّاً سليماً، ورزقها الفطنة والعقل الرشيد، فلمّا كبرت كانت مثالاً شريفاً بين النساء في الخُلق الفاضل الحميد، فجمعت إلى النسب الرفيع حسباً منيفاً، لذا وقع اختيار عقيل عليها لأن تكون قرينةَ أمير المؤمنين عليّ (ع). والله سبحانه رزقها أربعة أولاد (مثل بدور الدجى) فصاروا مفخرة البشرية إلى يوم القيامة. والشيء القليل الذي نعرفه عن أم البنين (ع) مرتبط ببعض الماديات وما أشبه، کنسبها وزواجها بعليّ أمير المؤمنين (ع) وأولادها الأربع وشيء عن أدبها الجم وبعض قضاياها بعد قصة کربلاء.. أما مقدار معنوياتها العالية، ومدى معرفتها وعلومها.. فلم نعلم منه شيئاً يذکر. کان أولادها الأبطال أبناء أمير المؤمنين (ع) وقد استشهدوا جميعاً في نصرة أخيهم الإمام الحسين (ع) في کربلاء يوم عاشوراء أکبرهم وأفضلهم: العباس (ع) ويکنّى بـ (أبي الفضل) وهو آخر مَن استشهد من الأربعة، حيث قدَّمهم بين يديه فاستشهدوا جميعاً. وكان من وفائها أنّها لمّا دخل بشْر بنُ حذلم إلى المدينة ناعياً سيّد الشهداء الحسين (ع) خرجت تسأل عن الحسين (ع) مذهولةً عن أبنائها الأربعة، فلمّا سأل عنها بشْر قيل له: هذه أمّ البنين، فقال لها: عظّم الله لكِ الأجر بولدِك جعفر.. وعثمان.. وعبدالله، وهي تقول له في كلّ مرة: خبّرْني عن الحسين، أحيٌّ هو أم لا؟ فتعجّب بشرٌ منها وهو الذي دخل المدينة ينادي بأهلها ـ كما أمره الإمام زينُ العابدين (ع): يا أهلَ يثربَ لا مُقامَ لكم بها الجسمُ منه مضرّجٌ في كربلا قُتل الحسين، فأدمعي مِدرارُ والرأسُ منه على القناةِ يُدارُ.. فقال لها: عظّمَ اللهُ لكِ الأجرَ بأبي الفضل العباس، فسقط مِن يدها طفلٌ لعلّه هو «عبيدالله بن العباس» وكان رضيعاً تحملُه معها، فقالت له: قطّعتَ نياطَ قلبي، هل سمعتني سألتُك عن أحد، خبّرني عن الحسين، فاضطُرّ بشرٌ هنا لأن يقول لها: عظّم اللهُ لكِ الأجر بأبي عبدالله الحُسين. فسقطت مغشيّاً عليها.. وكانت وفاتُها المؤلمة في الثالث عشر مِن جمادى الآخرة سنة 64 من الهجرة النبوية الشريفة.. عن الأعمش قال: «دخلتُ على الإمام زين العابدين (ع) في الثالث عشر من جمادى الآخرة، وكان يوم جمعة، فدخل الفضلُ بنُ العبّاس وهو باكٍ حزين، يقول له: لقد ماتتْ جَدّتي أمُّ البنين». فسلامٌ على تلك المرأة النجيبة الطاهرة، الوفيّة المخلصة، التي واست الزهراء (ع) في فاجعتها بالحسين (ع)، ونابت عنها في إقامة المآتم عليه، فهنيئاً لها ولكلّ من اقتدت بها من المؤمنات الصالحات.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 208
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 حاجتنا إلى التسامح
 وصية الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)
 عاقبة الصبر
 حصانة الشباب بتقوى الله
 سموّ الإمام الصادق (ع) بعلمه ومعرفته
 مسـؤولياتنا اليوم كشبّان
 منهج الإمام الصادق (ع) التربوي
 الإمام جعفر الصادق (ع).. إمام العلماء وأستاذ الفقهاء
 الإجازة الصيفية.. متعة، فائدة وإنجاز
 مفهوم التسامح ودرجاته

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا