الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الحاجات المعرفية للمجتمع

2016/04/01 | الکاتب : عمار كاظم


من المهم لنجاح أي متحدث مهما كان أسلوب خطابه أن يعرف الأمور التي تشغل مخاطبيه، وتسيطر عليهم، حتى يتخذ منها أرضية مشتركة للتفاعل والتواصل معهم. في المقابل فإنّ أكبر إخفاق يواجه أي متحدث منذ البداية يمكن أن يكمن في موضوع لا يشعر المستمعون بالحاجة إلى معرفة أي شيء عنه. وذلك يتوضح حين يمضي الناس إلى حضور محاضرة أو درس، فإنّهم يتطلعون إلى سماع شيء يحتاجون إليه، حتى إنهم حين يذهبون إلى صلاة الجمعة، فإنّهم لا يهدفون إلى أداء فريضة فحسب، وإنما يرجون أيضاً أن يسمعوا شيئاً مفيداً، يساعدهم على صلاح أمورهم، من هنا تصوروا معي مثقفاً دعي لإلقاء محاضرة في إحدى الجامعات وعوضاً عن أن يتحدث عن مشكلات التعليم الجامعي أو ثقافة الطالب الجامعي مثلاً فإنّه أخذ يتحدث عن مشكلات السلامة المهنية للعمال في المصانع، هذه الغلطة قلّما يقع فيها متحدث، لكن الذي كثيراً ما نقع فيه هو أننا لا ندرك أولويات المستمعين، فالموضوعات التي يحب الناس أن يسمعوا فيها شيئاً كثيرةٌ، لكن أي تلك الموضوعات أكثرها إلحاحاً عليهم، ويعتقدون أنّ المتحدث الذي يطرقها يلامس عقولهم ومشاعرهم على النحو المطلوب؟. فقد تكون أفضل طريقة للتعرف على حاجات الناس المعرفية والتوجيهية هي سؤالهم عنها ومحاورتهم حولها؛ إذ مهما كان المحاضر أو المتحدث على اطلاع على أحوال الذين يقوم بتعليمهم وتوجيههم فإنّ تقديره لحاجاتهم يتم من أفق إدراكه لمتطلباتهم.. فإنّ عامة الناس لا يعرفون كلّ ما يُصلح حالهم، فهم مثلاً لا يعرفون المخاطر التي جاءت بها (العولمة) كما أنهم لا يدركون مدى حاجتهم إلى ثقافة تربوية جيدة يسترشدون بها في تربية أبنائهم، وهم من باب أولى لا يعرفون مفردات ما يحقق التوازن في حياتهم العامة.. وعلى الفقيه والخطيب والواعظ أن يعي ذلك، ويقدمه لهم. كما إنّ حاجات الناس، تنقسم إلى قسمين خاصة وعامة، أما الاحتياجات الخاصة، فهي ما يلاحظه المتحدث، ويتكلم عنه الناس من أمور ملحّة موجودة في بيئتهم، ويعانون منها، وقد لا تكون موجودة في بيئة أخرى، أو ليست ملحّة خارج تلك البيئة، فقد يشعر الناس مثلاً أنّ جرائم سرقة السيارات صارت في بلدهم جريمة منظَّمة، وقد زادت عن أي حد مألوف، وصارت تشكل هاجساً مزعجاً لكلّ مَن لديه سيارة، أو يشعرون أنّ تقاليد معينة تحول دون عثورهم على فرصة عمل، أما الاحتياجات العامة، فهي تلك التي لا تنفرد بها بيئة إسلامية عن بيئة أخرى؛ وذلك لأنّها احتياجات نابعة من طبيعة الثقافة السائدة، أو من الطبيعة البشرية، أو من الوضع المعيشي العالمي بفرصه وتحدياته وإمكاناته، وهذه الاحتياجات لا يدركها الناس عادة على نحو جيد؛ لأنّها تتطلب حساسية فكرية ومعرفية، لا تتوفر في الغالب لدى كثير منهم. ومن المشاكل المتداولة في مجتمعاتنا ويجب برؤية ثقافية تعالج هي مشكلة الفقر؛ حيث إنّ معظم الناس في العالم يعانون من صعوبات كبيرة في تأمين متطلبات الحياة الكريمة، ولك أن تُقدِّر ذلك من خلال استعراض أوضاع التجمعات السكانية الكبرى، وضعف الجانب الروحي لدى كثير من الناس؛ ولا سيّما الشباب، وبات الأمر يحتاج حلّاً سريعاً، فيجب تأسيس تيار روحي قوي ومنضبط بتعاليم الشريعة. كما لإدارة الوقت والاهتمام به والاستفادة منه على أفضل وجه ممكن له الحصة الأكبر؛ إذ إنّ معظم الأفراد لا يحسنون استثمار أوقاتهم، ويبدو أنّ ذلك أحد أعراض التخلف. وقلة الاهتمام بالمعرفة والكتاب والإقبال على القراءة والاطلاع على الجديد والمفيد؛ إذ إنّ ما يقضيه معظم الناس من وقت في صحبة الكتاب يُعد متدنياً للغاية إذا ما قيس بالوقت الذي يقضيه الفرد في الدول الصناعية. كما يجب تحسين مستوى اهتمام الناس بتربية أبنائهم وتحسين مستوى اهتمامهم بالاطلاع على الأساليب والمعطيات التربوية الجديدة.. فإذا ما فكّرنا بعمق من أجل العثور على شيء أساسي يحتاج الناس إلى زيادة بصيرتهم فيه، فربما انتهينا إلى أنّه الدور الشخصي الذي على كلّ واحد منهم أن ينهض للقيام به؛ إنّنا نحاول دائماً أن نصور مشكلات الأُمّة على أنها نتيجة طبيعية لأخطاء الجيل السابق أو لممارسات معينة، يقوم بها بعض أهل السلطان والنفوذ والجاه أو القيادات العلمية والشرعية والثقافية، ونتيجة لهذا التشخيص، فإنّ كلّ العامة وبعض الخاصة، يعتقدون أنّ تحسين أحوال الأمة كافة وتحسين البيئة التي يعيشون فيها منوط بأولئك الذين سببوا الأزمة، وهم القيادات السياسية والعلمية. فيحتاج الناس اليوم إلى أن نساعدهم في شيء يمكن أن نسميه «إدارة الإدراك الثقافي».

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 254
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 مميزات مرحلة الشباب
 إحياء اليوم العالمي لمكافحة الفقر
 آثار الحمد لله على واقع الإنسان
 فضيلة الصدق وآثارها على المجتمع
 تهذيب النفس ومحاسبتها
 الدرس الرسالي للنهضة الحسينية
 قيمة الحمد والشكر لله تعالى
 انطلاقة جديدة في باب الاستغفار
 تسخير طاقة الشباب في خدمة المجتمع
 التوعية الصحية بالسلامة النفسية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا