الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
«الاعتصام بحبل الله» سبيل الوحدة

2016/04/01 | الکاتب : عمار كاظم


(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا)، فهو في مضمونه الشامل الذي يشمل الإسلام كلّه، وحركة القيادة في خططها العملية، يمثّل العروة الوثقى التي لا انفصام لها ولا انقطاع، فلابدّ لكم من التمسك به والارتباط به، واعتباره الخطّ الذي يتواصل به الجميع، والرابط الذي يربط بين الأفراد الذين قد يختلفون في خصوصياتهم ومواقعهم. وَلا تَفَرَّقُوا) ليقف كلّ واحدٍ منكم في ناحية بعيدة عن الناحية التي يقف فيها الآخر، على أساس العصبية الذاتية أو العائلية أو القومية أو العرقية أو الوطنية أو الإقليمية... وغير ذلك مما يختلف عليه الناس في قضاياهم العامة والخاصة، فإنّ التفرّق والاختلاف يؤدّيان إلى الضعف تارةً، وإلى السقوط أخرى، وإلى الابتعاد عن الخطّ المستقيم ثالثة. (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) بالإسلام الذي هداكم إليه؛ الذي جمعكم بعد فرقة، ووحّدكم بعد تمزّق، (إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً) لا تلتقون على موقف، ولا ترتكزون على قاعدةٍ، يحقد بعضكم على بعض، ويلعن بعضكم بعضاً (فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ) بما أودعه في داخلها من الإسلام المنفتح على الله الذي يشيع الإلفة الروحية من خلال العقيدة الواحدة والشريعة الواحدة والخطّ الواحد والهدف الواحد، (فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) متراحمين، متناصحين، مجتمعين على أمرٍ واحدٍ، متحابين، خاضعين لعنوان واحد، وهو الأخوّة في الله التي تفتح القلوب بعضها على بعض، وتزيل الحقد والعداوة والبغضاء. (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ) أي على حافة الهاوية التي كادت أن تسقطكم في النار، من خلال الكفر الذي كنتم تقيمون عليه، وتتحرّكون في دائرته، وتختلفون فيما بينكم من خلال نوازعه وأوضاعه، (فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها) بالإسلام الذي فتح لكم أبواب الخير كلّه، وأبواب رضوانه الذي ينتهي بكم إلى الجنة ويُبعدكم عن النار، (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ) التي توضح لكم سبيل السلامة في الدنيا والآخرة، وموارد الهلاك، لتأخذوا تلك وتتركوا هذه (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) إلى الحقّ والصواب، بالمعرفة الواضحة، والحجّة القوية، والمنهج القويم. وقد نستوحي من كلمة (الاعتصام بحبل الله) وإلحاقها بكلمة (وَلا تَفَرَّقُوا)، أنّ من الضروري للمسلمين أن يتلمّسوا الركائز التي ترتكز عليها الوحدة من خلال ما يلتقون عليه من مبادئ الإسلام ومفاهيمه العامّة، ليشعروا بالوحدة الفكرية والعملية التي تجمعهم، ويتركوا ما اختلفوا فيه من ذلك، فيرجعوا فيه إلى الله والرسول في ما أفاض فيه القرآن من أساليب وقواعد للحوار من أجل الوصول إلى الحقيقة، ويبتعدوا عن الاستغراق في خلافاتهم من مواقع العقدة الطائفية المشبعة بالحقد والضغينة ومختلف عوامل الإثارة... فإنّ السير في هذا الخطّ، ينطلق من الاعتصام بحبل الله، الذي يجمع ولا يفرّق. وقد يبدو للبعض، أنّ مفهوم «الاعتصام بحبل الله»، يفرض الالتقاء على المبادئ الأصيلة في الكتاب والسنّة فقط، ولا يشمل الحالات التي يشعر فيها كلّ فريق بأنّ الفريق الآخر لا يصدُر عن الحقيقة في عقيدته وفي علمه، ما يجعل الالتقاء به على هذا الصعيد التقاءً مع الانحراف والضلال... ولكنّنا نحسب أنّ هذه الفكرة غير دقيقة، لأنّ المفهوم من (الاعتصام بحبل الله)، هو اعتبار الكتاب أساساً للوحدة في المبادئ المتفق عليها، وفي أسلوب الوصول إلى الوفاق في المبادئ المختلف عليها، لأنّ الرجوع إلى الكتاب، يعني الالتزام بقواعده وتشريعاته في طبيعة الفكرة وفي أسلوب الوصول إليها. وإنّنا نعتقد أنّ السبب في ما وصل إليه المسلمون من تناحر واختلاف وتفرّق، هو أنّهم انطلقوا من موقع العقد الذاتية التي تتحكم بأعصابهم وانفعالاتهم، ولم ينطلقوا في مواجهة خلافاتهم من موقع الحوار الإسلامي على هدي القرآن وطريقه.
الاعتصام بالله القاعدة الصلبة: ربّما يحتاج المسلمون إلى وقفة تأمّل أمام هذا الواقع كلّه، ليفكّروا في حبل الله الذي يجب أن يعتصموا به ويرجعوا إليه، في ظلّ هذه الفوضى الفكرية والسياسية التي يعيشون فيها، ليعرفوا مواطن الوفاق فيلتقوا عليها، ويكتشفوا عناصر الخلاف فيتفاهموا عليها، ويتفهموا طبيعة الساحة التي يدور حولها الصراع من خلال الظروف الموضوعية المحيطة بها، ونوعية القوى الطاغية الكافرة المتحرّكة فيها، وعلاقة هذه القوى بتفجير الواقع الإسلامي من الداخل ضدّ المصالح الحقيقية للإسلام والمسلمين... فقد يجد المسلمون في ذلك كلّه سبيلاً للقاء على أساس الاعتصام بحبل الله، وقد يقف الواعون منهم وقفة مقارنةٍ بين ماضي الإسلام وحاضره، ولكن بطريقة معكوسة، لأنّ الآية تدفع إلى الإصرار على الإخلاص للواقع الحاضر، على أساس دراسة تجربة الماضي، بينما يفرض علينا الواقع أن نتخلّص من واقعنا السيِّئ، على أساس التجربة التي عاشها الإسلام في الماضي... إنّ الاعتصام بحبل الله يمثّل القاعدة الصلبة التي يمكن للمسلمين أن يستندوا إليها، من أجل توحيد المسيرة وتوحيد الهدف في نطاق توحيد الأُمّة، وذلك في ظلّ التخطيط الواعي الذي يتجاوز السلبيات إلى الإيجابيات، ويقف مع السلبيات وقفة فكر لا وقفة عاطفة، ويعتبر أنّ وضوح الرؤية لدى أيّة جهة لا يعني وضوحها لدى الآخرين، ما يستدعي مزيداً من الصبر والتحمّل في سبيل الوصول إلى وحدة الرؤية للأشياء وللمواقف في اتجاه وحدة الهدف الكبير، وذلك هو ما يبعدنا عن متاهات النظريات والتحليلات التي يثيرها الآخرون في أجواء غير إسلامية، مما استحدثوه واستنتجوه من تجارب ذاتية، أو أهواء منحرفة... ففي القرآن الكثير الكثير مما نستطيع أن نتعلّمه ونعمل به، وفيه الكثير الكثير مما يمكن أن يحلّ لنا مشاكلنا الفكرية والعملية، إذا أحسنا النظرة والأسلوب في كيفية التعامل مع الأشياء من خلال الأجواء القرآنية الواقعية.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 126
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 فاطمة الزهراء «عليها السلام».. القدوة الشاملة
 رجب.. شهر استجابة الدعاء
 ملامح الهدوء النفسي في الأسرة
 القراءة الواعية للقرآن الكريم
 الإقبال على ساحة الله المقدسة بالدعاء
 وظائف الأسرة الصالحة
 طلب الرزق.. عبادة خالصة
 الزهراء (ع) قمة في العطاء والصبر
 سيدة نساء العالمين بفضائلها
 إدارة الوقت.. رضا ونجاح

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 فوائد زيت السمسم
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا