الصفحة الرئيسية » تربية الطفل
التعليم بلغة المودة

2016/04/04 | الکاتب :


ينقل هذا الكتاب محاضرة وورشة عمل تقدمان معلومات ثمينة إلى المعلمين وإلى الأهل الذين يرغبون في التعليم بلغة المودة، أي تطوير علاقات سليمة مع الأطفال والتخلي عن السلوكيات الماضية المثيرة للإحباط وإقامة تواصل وتفاهم بين طرفي عملية التعليم، أي التلميذ والأستاذ. ويستند التعليم بلغة المودة إلى مبادئ التواصل غير العنيف المطبقة على النطاق المدرسي وفي داخل الفصل.

 

أجد التعليم مثيراً للاهتمام حينما يكرم الحياة ويكون مدفوعاً بالرغبة في اكتساب مهارات جديدة ومعارف جديدة تساعدنا على المساهمة أكثر في صنع سعادتنا وسعادة الآخرين. وفي المقابل، أشعر بحزن عميق حينما ألاحظ أشكال تعليم بواسطة القوة. وأنا أعتبر أنّ استخدام القوة موجود متى درس تلميذ خوفاً من أن يتلقى عقاباً أو رغبة في مكافأة على شكل درجات أو سواها، أو أيضاً لأنّه يفعل هذا بدافع الواجب وأنّه ملزم بالقيام به. أرى أنّ التعلم ثمين إلى درجة لا يجب معها أن يكون مدفوعاً بأي من هذه التكتيكات المقيدة.

لهذا السبب بدأت أراقب الأشخاص الذين يملكون القدرة على تحفيز الآخرين للتعلم، مع دافع هو خدمة الحياة وليس لأنّهم ملزمون أن يتعلموا. أما أحد الأشياء التي تعلمتها عند مراقبة هؤلاء الأشخاص فهو اللغة التي يتكلمونها والتي تسهم في تحفيز الآخرين من أجل أن يتعلموا حُباً بالحياة. وهذه اللغة مختلفة عن تلك التي علموني إياها. إنّها لغة أطلقت عليها رسمياً لغة التواصل غير العنيف، ولكن من أجل أن ألهو بعض الشيء وأيضاً من أجل تسهيل عملية التعلم أطلقت عليها لقباً هو "لغة الزرافة". للأسف، إنّ لغة الزرافة ليست هي التي علموني التحدث بها، وقد ارتدت مدارس "ابن آوى". وفي مدارس ابن آوى يتكلم المعلمون لغة ابن آوى وليس لغة الزرافة. وإني آمل ألا يكون أي منكم قد سمع لغة ابن آوى التي أود أن تُمنع من كلّ المدارس في العالم. واسمحوا لي أن أعطيكم فكرة عما هي لغة ابن آوى عند المعلم:

فلنتخيل أنّكم تلاميذي وأنا أستاذكم. أرى أحدكم يقوم بسلوك لا يتفق مع القيم التي أحملها، أراه جالساً على مقعده وبدل أن يعمل كما طلبت من الفصل أن يفعل أخذ يرسمني مع سكين مغروز في ظهري والدم يسيل في كلّ مكان. كيف سيكون تقييمي لهذا التلميذ لو كنت أستاذاً يتحدث لغة ابن آوى؟ سأجد في التلميذ شخصاً مضطرباً على المستوى العاطفي لأنّ الشخص الذي يتحدث بلغة ابن آوى مدرّب على التفكير بالطريقة الآتية: حين يعيش نزاعاً مع شخص آخر يبحث عما هو على غير ما يرام لدى الشخص الآخر صاحب السلوك الذي يتضارب مع القيم التي يحملها. فلنتخيل كذلك أنّ التلميذ لا يفهم ما شرحته له، سيكون حُكمي عليه أنّه بطيء الفهم، أو أني أتكلم بسرعة كبيرة وهو لا يستطيع أن يتابعني فأقول له: "هل تعاني مشكلة في السمع؟ "أو "هل لديك مشكلة في النطق؟".

أنتم ترون أنّ التعليم على طريقة ابن آوى تجربة غريبة جداً، كما لو أنّك بائع سيارات لم ينجح في بيع أي سيارة فيأخذ بطرد كلّ زبون يأتيه. في مدارس ابن آوى التي ترددت إليها كانت لغة ابن آوى هي المستخدمة أساساً، وإذا كنت غير قادر على التأقلم معها فإنّك لن تنجح ولن تُكافأ. وقد لاحظت أنّ اللغة التي تسمح حقاً للناس بالقيام بالتعليم هي "لغة الزرافة". لماذا أسميتها هكذا؟ لأنّ الزرافات، من بين كلّ الحيوانات على الأرض، تحمل القلب الأكبر حجماً، واسمحوا لي أن أشارككم هذه اللغة في حل النزاعات مع التلامذة والزملاء والأهل.

يستلزم التواصل غير العنيف أن نعي في كلّ لحظة الجمال الموجود في داخلنا وعند الآخرين وعدم التلفظ بما قد يشوه إدراك أي كان بالجمال الذي في داخله، التواصل غير العنيف يفتح لنا طريق النزاهة الحقيقي من دون انتقاد أو إهانة أو إذلال أو إصدار أحكام فكرية توحي بأنّ الآخر على خطأ أو سيئ. فكلما استخدمنا كلمات هي من صنف الانتقاد وجد محدثونا صعوبة في البقاء على اتصال مع الجمال في داخلهم.

اقترح عليكم اليوم الامتناع عن استخدام لغة ابن آوى لتقييم التلاميذ. فلنحاول أن نلغي من وعينا التعليمي كلمات مثل: جيد، سيئ، أو أيضاً صح، خطأ، وعبارات مثل "هو يتعلم بسرعة" أو "ببطء". فهذه اللغة خطرة. لقد عملت مع أساتذة من النظام التعليمي الأمريكي لا يمكنهم أن يتخيلوا تمضية يوم واحد من دون استخدام كلمات مثل تلك التي ذكرتها. وقد سألوني: "كيف يسعنا إذاً أن نقيم نتائج التلاميذ؟". كانوا يريدون مني أن أدلهم على كيفية العمل بحسب التواصل غير العنيف، فأعطيت بنفسي في ذلك اليوم سلسلة من الدروس في الرياضيات والتعبير الفني واللغة الإنجليزية. تابعوني بكاميرا فيديو حتى يتمكنوا بعد هذا من عرض طريقة استخدام لغة الزرافة في التقييم بدل لغة ابن آوى. استمر التسجيل لمدة أربع ساعات ولكنهم قالوا لي بعدها إنّهم لا يحتاجون سوى إلى العشر دقائق الأولى من أجل تبيان الطريقة وإقناع المدرسين بتعلم لغة الزرافة والتخلي عن لغة ابن آوى في الفصل.

ما الذي جرى في العشر دقائق هذه؟ كنت قد وصلت إلى جانب ولد في حوالي التاسعة من عمره أنهى لتوه صفحة من عمليات الجمع ورأيت أنّه قد كتب أنّ تسعة زائد ثمانية يساوي أربعة عشرة. ونحن نعلم جميعنا أنّ الجواب هو سبعة عشرة. فقلت له: "يا بني، إني أسأل نفسي حقاً عن الطريقة التي حصلت بها على هذا الجواب. فإنّ النتيجة لدي مختلفة. هل تود أن تدلني على طريقتك؟" هكذا نتكلم لتقويم نتيجة من هذا النوع بلغة الزرافة. وإليكم ما حصل: خفض الصبي رأسه وامتلأت عيناه بالدموع، فقلت له: "ماذا يجري يا صديقي؟"، أجاب: "لقد أخطأت". وهكذا ترون أنّه في السنة الثالثة من المرحلة الابتدائية كان هذا الولد قد تعلم ارتداء أذني ابن آوى، إلى درجة أنّه حتى لو كلّمه أحدهم بقلبه كان يسمع أنّه قد أخطأ. وكان من الواضح أنّه لم يكن قد استوعب فقط كلمة "خطأ"، بل استوعب معها كلّ العار والخجل الذي يشعر به حين يربط بين "لقد أخطأت" وبين "أنا غبي". وهذا مفهوم آخر من مفاهيم ابن آوى حيث إنّ الناس يصنفون إلى فئتين: الناس الأذكياء والناس الأغبياء، والأسئلة الجيدة والأسئلة الغبية.

وهكذا حين نعد الناس لسماع الانتقادات والأحكام السلبية، يصبح أي تعلم شبيهاً بزيارة طبيب الأسنان! وإذا ما سمعنا انتقاداً يقوله لنا الآخرون، أو قلقنا مما يظنونه بنا، فإنّ النتيجة على إدراكنا لأنفسنا ستكون فظيعة. لن نرى جمالاً في داخلنا. لقد علمني التعليم كيفية إزالة الإنسانية عن البشر لهذا السبب عملت جاهداً حتى أطور هذه اللغة الأخرى التي تساعدني على البقاء متصلاً مع الجمال في داخل كلّ واحد منا.

طلب مني المدير المسؤول عن مدارس المقاطعة التوجه إلى واحدة من المدارس من أجل العمل على حل نزاع قائم بين الأساتذة والمدير فيها. وحين سألت الأساتذة أن يذكروا لي شيئاً فعله المدير يجعل حياتهم صعبة، قال أحدهم: "إنّه طاحونة كلام". يمكنكم أن تروا الفرق بين السؤال والجواب، فأنا قد طلبت ملاحظة سلوكية محددة وقد حصلت على حكم قيمة. وهذا من ميزات لغة ابن آوى الذي يصعب عليه التمييز بين الملاحظة والتقييم. وحين لفت نظر المجيب إلى هذه الناحية، حاول أن يقوم بملاحظة من دون حكم قيمة ولكنه لم يفلح، فجاء جوابه الثاني على الشكل الآتي:

"المدير يتكلم كثيراً". لاحظوا أنّ كلمة "كثيراً" هي أيضاً من أحكام القيمة فطلبت تغييره لتأتيني إجابات أخرى على الشكل الآتي: "يعتقد أنّه الوحيد الذي يملك شيئاً مثيراً يقوله للآخرين"، وعندما رفضتها هي أيضاً اعتبر الأساتذة أنّه من الصعب جدّاً التحدث من دون إصدار حكم قيمة والتمييز بين الملاحظة والتقييم.

يقول الفيلسوف الهندي كريشنامورتي أنّ الشكل الأرقى للذكاء الإنساني هو القدرة على الملاحظة من دون التقييم. وبعد أن ساعدت هؤلاء الأساتذة وصلنا في النهاية إلى ملاحظة واضحة. ماذا كانت هذه الملاحظة؟ كان ثمة العديد من الملاحظات ولكن أكثر ما كان يزعج الجميع هو الآتي: في خلال الاجتماعات الأسبوعية للأساتذة مع المدير، لم يكن هذا الأخير يلتزم بجدول الأعمال وكان يروي حكايات حرب ومغامرات من طفولته، فيدوم الاجتماع حوالي عشرين دقيقة أكثر مما هو محدد له. وهذا بالتحديد هو السلوك الذي يريد الأساتذة من المدير أن يتخلى عنه.

تأليف: د. مارشال روزنبرج

إعداد: د. هدى محيو 

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 684
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 التربية قبل التعليم
 الدورات التعليمية.. لماذا لا يُعدّ التعلّم عن بُعد فعّالاً؟
 هوس المعلومات في منظومة التعليم
 العلم.. للحياة
 التعليم بلغة المودة
 أطفالنا والمذاكرة والملل ثالثهما
 الخرافات التعليمية
 القرآن الكريم وفضل العلم
 الفقر الروحي والفكري
 الفقر المعنوي

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا