الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
للدعاء آثار عظيمة ومعانٍ جليلة

2016/04/22 | الکاتب : عمار كاظم


الدعاء من مستلزمات العبادة إذ هو الصلة التي تربط بين الإنسان وخالقه. والدعاء فطري في الإنسان فهو يشعر بحنين إلى الله يفزع إليه عند الشدائد، ويتضرع إليه في كشف السوء عنه، فهو ضعيف أمام أحداث الحياة لا يجد سنداً لضعفه غير الدعاء، لذلك أمر الله المؤمنين بالدعاء بقوله: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غافر/ 60). إنّ المحطة النهائية لأثر الدعاء لا تنحصر في تربية الفرد المؤمن وقضاء حاجاته فحسب، بل هي تنعكس على المجتمع كلّه حيث تسهم في بناء المجتمع الصالح السعيد. فحينما يتربى الفرد المؤمن في أحضان الدعاء وتتربى عائلته معه فإنّ الأسرة جميعها ستكون قد عاشت أجواء الصفاء الروحي والعلاقة الصادقة مع الله وعندها تكون قد صلحت اللبنة الأساسية في المجتمع وبتكاثر اللبنات الصالحة تترسخ قواعد المجتمع الصالح. وقد شرع الإسلام الدعاء أيضاً الروحي والعروج به في معارج الكمالات، بجانب ما يطلبه الداعي من فضل الله وتسيير أموره وكشف الضر عنه، ولهذا يُعلم الله المؤمنين كيف يدعونه بما ذكره على لسان أنبيائه والصالحين. (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ) (إبراهيم/ 40). (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) (الأحقاف/ 15). إنّ ذكر الله في نظر الإسلام مسألة أساسية ينبغي أن تأخذ أبعادها في حياة المؤمن وذلك لأنّ المقصود بالذكر إنما هو ذكر القلب أساساً أو استشعار حضور الله تبارك وتعالى في كلّ مكان وكلّ زمان وكلّ حال، فالذاكر لله هو الذي يعيش قلبه مع الله حيث يرى آثار عظمته وقدرته وجلاله في كلّ شيء من أشياء هذا الكون العظيم فليس هناك شيء غير الله في الواقع وكلّ ما سواه هو أثر من أثاره وانعكاس لصفاته وأسماءه. فتلك الصورة الجميلة العذبة التي تنشد إليها النفوس في بعض ما خلق الله، ما هي إلّا جزء من فيض جماله وحسن فعاله، وتلك القدرة الفذة التي أوجدها الله في بعض مخلوقاته إنما هي جزء من قدرة الله وعظمته، وتلك الصفات الجميلة التي تهفوا إليها الأرواح إنما هي مظهر من مظاهر كماله، وهكذا لا يرى الذاكر لله غير الله تبارك وتعالى في كلّ ما حوله ولا يرى غير إرادته ومشيئته شيئاً فاعلاً في هذا الوجود. وحين يسود مثل هذا الشعور فإنّ القلب يزهر بحب الله تبارك وتعالى فيسارع المؤمن إلى طاعة مولاه والتقرُّب إليه بما يحب من الأعمال الصالحة ويترك مما يبغضه من المعاصي والسيئات التي تمنع رضاه وتحول دون قرب العبد منه. فالذكر يقترن على الدوام بالشوق للطاعة والوقوف عند حدود المولى فيما أحلّ وحرّم. حينما يمتلىء وعاء القلب بالمشاعر والإحساسات الغامرة بعظمة المولى وكمال صفاته وأسمائه فإنّه يفيض على الجوارح والأعضاء من هذه المشاعر الخاشعة فتتحرك بدورها متجاوبة مع خلجات النفس وما تطويه من انفعالات، وذكر اللسان هو أهم مظهر من مظاهر التعبير عن الإحساس النفسي الذي يقابل تلك المشاعر والأحاسيس حيث ينطلق اللسان بتمجيد الله وحمده والثناء عليه وذكر آلائه ونعمه، قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- : «مَن أُعطي لساناً ذاكراً فقد أُعطي خير الدنيا والآخرة». ولذا فتوفيق الذكر هو عطاء رباني ونعمة إلهية عظيمة يعد الله فيها العبد لفيوضات الكمال في الدنيا والآخرة ولا ينال توفيق الذكر إلّا مَن أخلص لله وأطاعه وعرف حقّه وحرمته. فعندئذ يفتح الله عليه من أبواب العرفان والحكمة ما تقصر بقية قلوب الناس عن استيعابه والوصول إليه. وبهذا تتجلى عظمة ذكر الله وأثره في تربية الإنسان وإنارة قلبه ويتجلى مكان الذاكرين وقربهم من الله عزّ وجلّ، وبعد معرفة هذه الحقيقة تظهر أهمية الدعاء ودوره كوسيلة تربوية فعّالة في شدّ الإنسان إلى خالقه ليذكره على الدوام وليعيش معه وله يستلهم معاني الكمال منه تبارك وتعالى. فالدعاء في محتواه أساساً علاقة وطيدة متينة بين العبد وربّه، يقف العبد فيها بين يدي مولاه في كلّ مكان وكلّ حال يدعوه ويناجيه ويشكو إليه ويخاطبه بكلّ خلجات قلبه وجوارحه وبالمقابل يتلطّف المولى الكريم الغني عن عبده خالق العبد ومحييه ومغنيه يتلطّف هذا المولى الرحيم فيغدق على عبده من مننه وعطاياه ما يسعده في الدنيا والآخرة. أي وسيلة أفضل من هذه الوسيلة في تربية الإنسان وإصلاح أمره؟ وأي أداة تربوية قادرة على إعطاء مثل هذا الشدّ العميق المحكم للإنسان نحو ربّه ومولاه؟ ولذا وصف رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- الدعاء بقوله: «أفضل العبادة الدعاء وإذا أذن الله لعبد بالدعاء فتح له أبواب الرحمة».

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 156
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 فاطمة الزهراء «عليها السلام».. القدوة الشاملة
 رجب.. شهر استجابة الدعاء
 ملامح الهدوء النفسي في الأسرة
 القراءة الواعية للقرآن الكريم
 الإقبال على ساحة الله المقدسة بالدعاء
 وظائف الأسرة الصالحة
 طلب الرزق.. عبادة خالصة
 الزهراء (ع) قمة في العطاء والصبر
 سيدة نساء العالمين بفضائلها
 إدارة الوقت.. رضا ونجاح

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 فوائد زيت السمسم
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا