الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
إضاءات من حياة الإمام الكاظم (ع)

2016/04/29 | الکاتب : عمار كاظم


شهادة الإمام الكاظم (ع) في الخامس والعشرين من شهر رجب سنة 183هـ. قال الله تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران/ 134). وقطع الإمام موسى شوطاً من طفولته وهو ناعم البال يستقبل الحياة كلّ يوم بحفاوة وتكريم، فأبوه يغدق عليه بعطفه المستفيض، وجماهير المسلمين تقابله بالعناية والتكريم، وقد قدمه الإمام الصادق (ع) على بقية ولده، وحمل له من الحب ما لا يحمله لغيره. كما عُرف الإمام الكاظم (ع) كبقية أئمة أهل البيت بالعلاقة الوطيدة مع كتاب الله تعالى. فقد ورد أنّه كان أحسن الناس صوتاً بالقرآن وأحفظهم لآياته، وكان (ع) إذا قرأ القرآن يحزن، ويبكي السامعون لتلاوته، وقال أحد سامعيه يتلو كتاب الله: «كانت قراءته حزناً، فإذا قرأ فكأنه يخاطب إنساناً». وكان (ع) كثير العبادة لله تعالى، غزير الدمعة، يبكي من خشية الله حتى تخضب لحيته بالدموع، حتى سمّاه أهل المدينة بـ(زين المتهجّدين)، وورد أنّ أحد العيون سمعه بعد دخوله السجن يقول في دعائه: «اللّهمّ إنّك تعلم أنّني كنت أسألك أن تفرّغني لعبادتك، اللّهمّ وقد فعلت، فلك الحمد». كما ورد أنّ الفضل بن ربيع جلس على سطح مشرف على المكان الذي سجن فيه الإمام (ع)، وسأل أحدهم: ماذا ترى؟ فأجاب: ثوباً مطروحاً. فقال له: انظر حسناً، فتأمّل ذلك الرجل فقال: رجل ساجد، عندها قال له الفضل: هو موسى بن جعفر، اتفقّده الليل والنهار، فلم أجده في وقت من الأوقات إلّا على هذه الحالة. إنّه يصلي الفجر، فيعقّب إلى أن تطلع الشمس، ثمّ يسجد سجدة، فلا يزال ساجداً حتى تزول الشمس. وقد وكّل مَن يترصّد أوقات الصلاة، فإذا أخبره وثب يصلّي من غير تجديد وضوء وهو دأبه، فإذا صلّى العتمة أفطر، ثمّ يجدّد الوضوء، ثمّ يسجد، فلا يزال يصلّي في جوف الليل حتى يطلع الفجر. كما روي أنّه (ع) دخل مسجد رسول الله (ص) فسجد سجدة في أوّل الليل وسُمع وهو يقول: «عظم الذنب من عبدك فليحسن العفو من عندك، يا أهل التقوى، ويا أهل المغفرة»، وجعل يردّدها حتى أصبح. وتحدّث أحد أصحابه قائلاً: «كنت أسير مع أبي الحسن (ع) في بعض أطراف المدينة، إذ ثنى رجله عن دابته، فخرّ ساجداً، فأطال وأطال، ثمّ رفع رأسه وركب دابّته، فقلت: جعلت فداك، قد أطلت السجود. فقال (ع): «إنّني ذكرت نعمة الله بها عليّ فأحببت أن أشكر ربّي». وكان كثير الاستغفار وعنه (ع) ورد: «إنّي استغفر الله في كلّ يوم خمسة آلاف مرّة». وعُرف (ع) بأنّه باب الحوائج إلى الله تعالى، فكان قبل شهادته باباً لقضاء حوائج فقراء أهل المدينة الذين كان يحمل إليهم في الليل ما يحتاجونه من دون أن يعلموا من أيّ جهة هو، وبقي بعد شهادته باباً للحوائج إلى الله تعالى كما يشهد بذلك القريب والبعيد. فقد روي أنّ امرأة شوهدت في بغداد تهرول، فقيل لها إلى أين؟ قالت: إلى موسى بن جعفر فإنّه حُبس ابني، فقال لها أحدهم: إنّه قد مات في الحبس. فقالت: بحقّ المقتول في الحبس أن تريني القدرة. فإذا بابنها قد أطلق سراحه. وفي تاريخ بغداد أنّ شيخ الحنابلة الحسن بن إبراهيم الخلّال قال: ما همّني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر (ع) فتوسّلت به إلّا سهّل الله تعالى لي ما أحبّ. كما قد عرف القاصي والداني ماذا كانت تعني مدرسة الإمام جعفر الصادق (ع) والد الإمام الكاظم (ع) بالنسبة للتاريخ والإنسانية. لقد مثلت قفزة في التاريخ، ونقلة من حيث الكم والنوع في رحاب طلب العلم والتوسع في آفاق الفكر بشكل عام. قام الإمام الصادق (ع) ببناء صرح جامعته الكبرى في وقت انشغلت فيه المنطقة بصراعات سياسية بين الجناح الأموي والجناح العباسي، والتي آلت فيما بعد إلى انقضاء عهد الحكم الأموي ونشوء العهد العباسي. وحتى في بداية نشوء الحكم العباسي الفتي، كان الحاكم العباسي مشغولا بتصفية خصومه وترسيخ بناء الدولة الجديدة؛ وهو أمر استثمره الإمام الصادق (ع) في بناء صرح مدرسته الفكرية. تخرّج من مدرسة الإمام الصادق (ع) حوالي 4000 إنسان. فلم تكن هذه المدرسة تعطي دروسها في الفقه والتفسير والحديث فحسب، بل تجاوزتها إلى علوم طبيعية نسميها اليوم الكيمياء والفيزياء والأحياء وغيرها. واصل الصادق (ع) قيادة مدرسته حتى نهاية حياته الشريفة، ثم آلت القيادة إلى ولده الإمام موسى بن جعفر (ع)، فواصل إلقاء الدروس ونشر الفكر المحمدي على تلامذته، وتخرج على يده الشريفة أكثر من ثلاثمائة طالب أخذوا عنه العلم. بقي الأمر على هذا الحال في الشطر الأول من إمامته (ع)، انحسر نشاط الإمام (ع) من جراء المضايقات التي فرضتها السلطة الحاكمة والاعتقالات المتكررة للإمام. أودع تراث الإمام موسى بن جعفر (ع) طلبته في كتبهم التي صنفوها وفي المباحث التي كتبوها، ثم نقلوها لغيرهم، وهي مودعة الآن في كتب كبرى، وهي المعين الذي يستقي منه طلبة العلوم الدينية والفكرية معارفهم.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 267
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 قيمة الحمد والشكر لله تعالى
 انطلاقة جديدة في باب الاستغفار
 تسخير طاقة الشباب في خدمة المجتمع
 التوعية الصحية بالسلامة النفسية
 الإمام السجاد (عليه السلام).. مدرسة إسلامية متحركة
 الحسين (عليه السلام) وتلبية الأمر الإلهي
 الشباب.. الثروة الحقيقية للمجتمع
 الأمر بالعدل والإحسان
 اليوم العالمي للمعلم.. دعوة للشكر والعرفان
 الأهمية العالمية لمبدأ اللاعنف

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا