الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
على درب الإمام الكاظم (ع)

2016/04/29 | الکاتب : عمار كاظم


الإمام موسى بن جعفر (ع) هو السابع من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وقد ولد سنة 128هـ، أواخر الدولة الأموية، التي انهارت سنة 132هـ على أيدي العباسيين. واستشهد في الخامس والعشرين من شهر رجب من سنة 183هـ، وهو في الخامسة والخمسين من عمره. نشأ وتربى في ظل أبيه الإمام جعفر الصادق، الذي أتاحت له الظروف آنذاك القيام بحركة علمية كبيرة، مستثمراً ضعف الدولة الأموية الآفلة، والدولة العباسية الناشئة، فاهتم بتربية الكفاءات العلمية في مختلف التخصصات، حتى بلغ عدد تلامذته والرواة عنه أربعة آلاف، حسبما ذكر العديد من المؤرخين. في هذه الأجواء العلمية عاش الإمام موسى مع أبيه الإمام جعفر عشرين سنة، حيث التحق الإمام الصادق بالرفيق الأعلى سنة 148هـ، فآلت إليه زعامة البيت النبوي، والإمامة الدينية. وتحمل أعباءها لمدة خمسة وثلاثين عاماً. فقد جسّد الإمام الكاظم (ع) دور الإمامة بأجمل صورها ومعانيها، فكان أعبد أهل زمانه وأزهدهم في الدنيا وأفقههم وأعلمهم. وكان دائم التوجّه لله سبحانه حتى في أحرج الأوقات التي قضاها في سجون العباسيين، حيث كان دعاؤه «اللهمَّ إنكَ تعلمُ أَني كنتُ أسألُكَ أنْ تفرّغَني لعبادتكَ وقدْ فعلْتَ فلكَ الحمدُ». كما كان للإمام (ع) مكانة مرموقة على صعيد معالجة قضايا العقيدة والشريعة في عصره .حيث برز في مواجهة الاتجاهات العقائدية المنحرفة والمذاهب الدينية المتطرفة والأحاديث المدسوسة من خلال عقد الحلقات والمناظرات الفكرية. نعم، هذا الإمام الذي إذا قرأناه في تراثه كلّه، فإنَّنا نجده ككلّ أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، لم يترك جانباً من جوانب حركة الإسلام إلّا وأولاه اهتماماً، سواء في عقل الإنسان بما يريد أن يربّي للإنسان عقله، وفي قلبه بما يريد أن يربّي به قلبه، وفي سلوكيّات حياته بما يريد أن يعمّق له الخطّ المستقيم في حركته في الحياة؛ هذا الإمام الذي لا بدَّ للنّاس من أن يقرأوه في هذا الأفق الواسع الممتدّ في عالم المعرفة، والذي يربط الإنسان بالله، ويربط الإنسان بالإنسان، ويربط الإنسان بمسؤوليَّته عن الحياة كلّها، فلا يكون مجرّد شخصٍ يعيش في سجن ذاته، ولكن ليشعر بأنّه إنسان لا بدَّ من أن يعيش في حجم العالم كلّه، لينمّي طاقاته بالمستوى الّذي يستطيع أن يكون فيه عالميّاً.. ولا بدَّ لكلّ مسلم من أن يعيش هذا الأفق، فلا يحبس نفسه في ذاته، ولا في عائلته، ولا في وطنه، ولا في قوميّته، بل يعيش إنسانيّته في معنى الإنسان.

العفو
لقد عاش هذا الإمام رحابة الأفق في خلقه، فكان يحسن إلى من أساء إليه، ويعفو عمَّن اعتدى عليه، ويتَّسع صدره إلى درجةٍ يحتضن فيها أعداءه، ليعلّمهم كيف يحبّ الإنسان الإنسان، بقطع النّظر عن التّعقيدات التي يمكن أن تتحرَّك هنا وهناك. كان (ع) يواجه الغيظ من كلّ الذين لا يحترمون إنسانية الإنسان، ومن كلّ المستكبرين في الأرض، والذين يعيشون على أساس الحقد والعداوة والبغضاء، ويعملون على أساس أن ينفّسوا عن حقدهم ضدّ الطيّبين، والإمام (ع) كان يكظم غيظه، فلا يتحرَّك بردّ فعل سلبيّ، بل كان لديه فعلٌ من نوعٍ آخر، محاولاً أن يعطي القوم الذين يسيئون إليه درساً في معنى الإحسان، ودرساً في معنى العفو، ولذلك سمّي كاظم الغيظ. كان الإنسان الذي عاش مع الله سبحانه وتعالى بأعلى الدرجات، فكان الله حاضراً في عقله، فليس في عقله مكان إلّا لله، وكان الله حاضراً في حياته كلّها، فكانت حياته للرسالة كلّها، وكان يعيش لذّة اللقاء بالله، ولذلك كان يطيل السجود، فتمتدّ سجدته من الصباح إلى الزوال، ومن الزوال إلى الغروب، ولم تكن سجدة تقليديّة، بل كانت سجدة يرتفع من خلالها بروحه إلى الله عزَّ وجلّ، فيناجيه ويلبّيه ويدعوه ويعطيه الحبّ كلّه، فإنّه كان العاشق لربّه، يحبّه، يناجيه، يتحدَّث معه، ويتواضع له، وكان يكرّر في سجوده: «اللّهمّ إني أسألك الرّاحة عند الموت، والعفو عند الحساب»، وليس هناك ذنب يستغفر الله منه، ولكنَّه تواضعٌ جمٌّ لله، بحيث يجلس بين يديه ليعيش كما يعيش العبد أمام سيّده، لأنَّ عبوديّة الإمام (ع) كعبوديّة آبائه وأبنائه، ارتفعت إلى المستوى الذي اندفع فيه مع الله في كلّ معاني الذّوبان في الله.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 196
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 مفاهيم رمضانية
 التنافس في المودّة
 صحبتنا مع الشهر الكريم
 ليلة القدر.. ليلة المقادير السنوية
 الخوف والرجاء
 أُسس الإيمان الواعي
 الدعوة إلى الله في كل مجالات الحياة
 العتق من النار
 في وداع الشهر الفضيل
 التوبة إلى الله سبحانه وتعالى

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا