الصفحة الرئيسية » المجتمع المسلم
مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

2016/05/01 | الکاتب : أ. جعفر الهادي


المعروف في اللغة يعني العمل الحسن، والمُنكَر يعني العمل القبيح. يقول الراغب: المعروف اسمٌ لكلّ فعلِ يُعرَف بالعقل أو بالشرع حُسنُه، والمنكرَ ما يُنكَر بهما.

إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات الإسلامية المهمة.

بواسطة هذه الفريضة تؤدى سائر الواجبات حتى الجهاد في سبيل الله، وتُترك المحرمات، ولهذا وردت تأكيداتٌ كثيرةٌ بشأن هاتين الفريضتين، وعلى سبيل المثال:

(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران/ 104).

(يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ) (لقمان/ 17).

(التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (التوبة/ 112).

(لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة/ 78-79).

إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيلُ الأنبياء، ومنهاج الصُلحاء، فريضةٌ عظيمةٌ بها تقامُ الفرائض، وتأمن المذاهب وتحلُّ المكاسب، وتردُّ المظالم، وتعمر الأرض وينتصف من الأعداء ويستقيم الأمر، فأنكروا بقلوبكم، والفظوا بألسنتكم، وسُكوا بها جباههم ولا تخافوا في الله لومة لائمٍ، فإن اتّعظوا، وإلى الحقّ رجعوا، فلا سبيل عليهم، إنما السبيلُ على الذين يظلمون الناس، ويبغون في الأرض بغير الحقّ، أولئك لهم عذابٌ أليمٌ، فجاهدوهم بأبدانكم، وابغضوهم بقلوبكم غير طالبين سُلطاناً، ولا باغين مالاً، ولا مُريدين بظلمٍ ظفراً، حتى يفيئوا إلى أمر الله، ويمضوا على طاعته.

إنّ من واجب المسلمين أن يقوموا بهذه المسؤولية الكبرى في مجالين:

المجال الأوّل: فيما بينهم وبالنسبة إلى سائر المسلمين.. فإنّ على كلّ مسلم أن يراقب سائر المسلمين أيضاً.. يدعوهم إلى القيام بالأعمال الحسنة وينهاهم عن الأعمال القبيحة.

ولو تمّت هذه الرقابة العامةُ والنظارة العمومية لسلك آحادُ المسلمين طريق الخير والصلاح، وصين المجتمع الإسلامي من التلوُّث بأدران الظلم والجور، والمفاسد الأخلاقية والاجتماعية. وبهذه الطريقة يمكن الحفاظ على وحدة الأُمّة.

ولقد أثبت القرآن الكريم أيضاً ولاية المؤمنين بعضهم بالنسبة للبعض الآخر:

(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة/ 71).

إنّ المسلم كما يجب عليه أن يقوم بالأعمال الحسنة ويتجنب ارتكاب المحرمات والسيئات كذلك يجب عليه أن يدعو سائر المسلمين والمؤمنين إلى الأعمال الحسنة وينهاهم عن الأعمال القبيحة والآثام.

إنّ كلّ مسلم لا يقصّر في القيام بهذه الرقابة والنظارة العامة يرى ثمار ذلك في الحياة الدنيوية، كما أنّه لن يؤاخذ يوم القيامة.

المجال الثاني: بالنسبة إلى سائر سُكان العالم فإنّ رسول الإسلام بُعِث لجميع البشر، وأُرسِل لكي يستأصل جذور الشرك والوثنية، وينشر تعاليم الإسلام في العالم كلّه، ويكون الدين كلّه لله.

يقول تعالى في القرآن الكريم: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة/ 33).

ومن المعلوم أنّ رسول الإسلام لا يمكنه بمفرده أن يقوم بمثل هذه المسؤولية الكبرى بل إنّ من واجب المسلمين أن يواصلوا هدف النبيّ (ص)، ويسعوا إلى تحقيقه.. فيجب عليهم أن يكافحوا الشرك والكفر والاستكبار ويدعو سُكّان العالم إلى كلمة التوحيد، والإسلام وإلى تنفيذ العدالة الاجتماعية.

إنّ هذه المسؤولية العالمية الكبرى قد وُضِعَت على عاتق المسلمين.

(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ) (الحج/ 41).

إنّ المسلمين أُمةٌ وسطٌ يجب أن يكون لها حضور في كلّ مكان من العالم.

يقول في القرآن الكريم: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة/ 143).

ومن الطبيعي أنّ القيام بمثل هذه المسؤولية الكبرى ليس عَمَلاً سهلاً يمكن أن يتحقّق من دون استعداد ومقدمات.. ولهذا فإنّ على المسلمين أن يوفّروا ويهيّئوا الأسباب والمقدمات اللازمة، وهي على سبيل الإجمال:

1-    المعرفة الصحيحة بتعاليم الإسلام والمعروف والمنكر.

2-    الاطّلاع الكامل على الأوضاع السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والدينية، والأخلاقية لسائر البلاد.

3-    المعلومات الكافية عن الأديان والمذاهب ورسومها وآدابها.

4-    تربية الأفراد العارفين باللغات المختلفة حتى المحلية منها.

5-    ارسال المبلّغين العارفين بالإسلام والملمّين باللغات.

6-    تهيئة أجهزة الإرسال القوية، واستخدامها في طريق تبليغ الإسلام والدعاء إليه.

7-    إصدار ونشر الصحف والمجلات الإسلامية باللغات المختلفة وإرسالها إلى البلاد غير الإسلامية.

8-    تأليف وترجمة الكتب الإسلامية باللغات المختلفة ونشرها وتوزيعها في نطاقٍ واسعٍ.

9-    وباختصار فإنّ على المسلمين التهيّؤ من خلال التعاون وبكلّ طريقةٍ ووسيلةٍ ممكنةٍ للقيام بهذه المسؤولية الإلهية.. وإنّ هذا الموضوع نفسه يمكن أن يكون كهدفٍ مشترك أهم عامل من عوامل وحدة الأُمّة الإسلامية.

 

الوجوب كفائيٌ أو عينيٌ:

هناك خلاف بين الفقهاء: هل إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجِب كفائيّ أو عينيّ.

والواجب الكفائي بأن يجب عملٌ واحدٌ على أفراد متعدّدين بحيث إذا قام به شخص أو عدة أشخاص سقَطَ التكليف عن الآخرين، ولكن إذا لم يقم به أحد أثم الجميع، واُوخذوا.

وأما في الواجب العينيّ فيجب عملٌ واحدٌ على أشخاصٍ متعدّدين بحيث يجب على الجميع اتيانه، والقيام به.

فإذا عرفتم معنى الوجوب العينيّ والكفائي أمكنكم – بقليل من التدبر – أن تصدّقوا بأنّ وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجوب كفائيٌ لا عينيٌ، لأنّه ليس للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بنفسه، موضوعيةٌ في نظر الإسلام، بل هو وسيلة وطريقٌ إلى الاتيان بالفعل الحَسَن، وترك العمل القبيح... فإذا تحقق الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر على يد شخص أو عدة أشخاصٍ، وحَصَل في النتيجة أن تحقّق الفعل الحسن، أو ترك الفعل القبيح خارجاً لم يبقَ مبررٌ – بعد ذلك – ولا أرضية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

نعم، إذا لم يؤثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شخص أو عدة أشخاص وجب على الآخرين أيضاً بأن يأمروا أو ينهوا، وأن يتوسّلوا بأيّة وسيلة مؤثرة مشروعة إلى أن تتحقّق النتيجة المطلوبة.

 

مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

إنّ الهدف من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو فعلُ الواجب وترك الحرام.

إنّ القيام بهذه المسؤولية يجب أن يتم في عدة مراحل، وعدة صور:

المرحلة الأولى: الإنكار القلبي.. فالمكلف في هذه المرحلة ينزعجُ من فعل المنكر قلبيّاً، ويبدي نفوره، وإنكاره القلبي بوسيلة ما، فإذا كان النهي عن المنكر بهذه الطريقة مؤثراً لا يجوز التمسك والتوسل بالوسائل الأخرى.

المرحلة الثانية: الأمر والنهي اللسانيّان مع مراعاة المراتب المختلفة، نظير الوعظ برفق ولين، والعتاب، والخطاب، والتنديد، والتهديد.

المرحلة الثالثة: استخدام القوّة للحيلولة دون وقوع المنكر، وذلك أيضاً مع مراعاة المراتب المختلفة.

 

المصدر: كتاب دروس من الثقافة الإسلامية

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 997
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
 متى يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
 فضيلة عمل المعروف
 لماذا نكره مَن يعطينا؟
 دائرة الخير والمعروف
 مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
 الأمر بالمعروف.. تثبيت للعقيدة
 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
 أحق الناس بالإحسان
 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. واجب

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا