الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الحسين (ع) الوليد والعناية الربانية

2016/05/13 | الکاتب : عمار كاظم


في الثالث من شهر شعبان ولد الإمام الحسين (ع)، وكان يوم الفرح الأكبر لولا دمعةٌ انسكبت من عين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي احتضن سبطه الحسين وأخذ يبكي، قالت له أسماء: فداك أبي وأمي ممّ بكاؤك؟! فأجابها صلوات الله عليه وآله: «من ابني هذا! تقتله الفئة الباغية من بعدي لا أنالهم الله شفاعتي». إذ أدنى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فمه الطاهر ناحية أذن الحسين اليمنى، وقال: «الله أكبر، الله أكبر» فأذّن فيها ثم أقام في أذنه اليسرى، فكانت كلمة «الله» أوّل كلمة دخلت أذن الحسين (ع)، وقد ورد في الخبر أنّ ذلك عصمة للمولود من الشيطان الرجيم. واختار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لسبطه اسم الحسين (ع)، وقال المؤرّخون: لم تكن العرب في جاهليتها تعرف هذا الاسم، وإنما سمّاه النبي به بوحي من السماء. ومضت الأيام ليظهر الحسين (ع) على مسرح الحياة وهو صبي يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة فقد رُوي أنّ الحسن والحسين (عليهما السلام) رأيا أعرابياً يتوضأ بشكل خاطئ، فتقدما وطلبا منه أن يشرف على وضوئيهما ليعرفا أي الوضوءين أحسن! فقال الحسين (ع) للأعرابي: «أيّنا يحسن الوضوء؟ فأجاب الأعرابي: كلاكما تحسنانه، روحي لكما الفداء، ولكن أنا الذي لا أحسنه». وترعرع الحسين (ع) في البيئة الطاهرة تحت رعاية الأنوار الثلاثة الأولى محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي (ع) وفاطمة (ع)، وشاء الله تعالى أن يُعرِّف الناس كرامته حينما بشّره بالجنة وهو طفل صغير، وذلك حين مرض الحسن (ع) والحسين (ع) فنذر أبوهما علي وأُمهما فاطمة إن عافاهما الله أن يصوما ثلاثة أيام، وكذا فعل الحسن والحسين (عليهما السلام) مع صغر سنهما، واقتدت بهم خادمتهم فضة. وحينما برئا، أصبحوا صياماً وليس عندهم طعام، فانطلق علي (ع) إلى يهودي وأخذ منه جزة من الصوف على أن تغزلها السيدة الزهراء (ع) مقابل ثلاثة أصواعٍ من الشعير، فغزلت (ع) ثلث الصوف ثم طحنت صاعاً من الشعير وعجنته، وخبزت منه خمسة أقراص، فلما جلسوا خمستهم ليتناولوا الطعام إذا مسكين على الباب يقول: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، أنا مسكين من مساكين المسلمين أطعموني مما تأكلون أطعمكم الله من موائد الجنة، فوضع علي (ع) اللقمة من يده وأعطى قرصه للمسكين، وكذا فعلت فاطمة (ع) وكذا فعل الحسنان (عليهما السلام)، فباتوا جياعاً وأصبحوا صياماً، ولم يذوقوا إلّا الماء، وفي اليوم الثاني غزلت السيدة فاطمة (ع) ثلث الصوف الآخر وطحنت صاعاً من الشعير وعجنته وخبزته خمسة أقراص، فلما جلسوا خمستهم ليتناولوا الطعام إذا يتيم على الباب يقول: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، أنا يتيم من يتامى المسلمين أطعموني مما تأكلون أطعمكم الله من موائد الجنة، فدفع جميعهم الطعام إلى هذا اليتيم وباتوا جياعاً وقاموا صياماً، وتكرّر المشهد في اليوم الثالث حينما وقف على الباب أسيرٌ من أسرى المشركين يقول: السلام عليكم يا أهل بيت محمّد، تأسروننا وتشدّوننا ولا تطعموننا، ففعلوا كما فعلوا بالأمس وقبله، وباتوا جياعاً واستيقظوا ليأتي إليهم نبيُّ الإسلام بالبشرى الكبرى وهو قوله تعالى: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا* وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا* إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا* إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا* فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا* وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا) (الإنسان/ 7-12). واستمرت العناية الربانية بالحسين (ع) الطفل حينما قدمت أُمّه الزهراء فاطمة (ع) إلى أبيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال لها (صلى الله عليه وآله وسلم): «أدعي زوجك وأبنيك» فجاءت بهما ليجلّلهم بكساء ويقول: اللهمّ هؤلاء أهل بيتي وخاصتي أذهب عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيراً». ويتلو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) آية العصمة التي أخبرت عن عصمة الحسين وأبيه وأمه وأخيه: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (الأحزاب/ 33). وأراد الله تعالى أن يعرِّف الناس كرامة الحسين (ع) وهو صغير حينما جاء وفدٌ من نصارى نجران ليناظروا النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعد حديث بينهم وبين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اتفقوا على الابتهال أمام الله ليجعل تعالى لعنته على الكاذبين وعيَّنوا لذلك وقتاً محدداً... وفي ذلك الوقت خرج السيد النصراني والعاقب بولديهما وعليهما الحلي والحلل ومعهم نصارى نجران، واحتشدت الجماهير لتنظر وفد المسلمين فإذا بهم يرون نبي الإسلام قد أقبل وهو يحتضن الحسين (ع)، ويمسك بيده الأخرى الحسن (ع) وخلفه الإمام علي (ع) والسيدة الزهراء (ع) وهو يقول لوفد النصارى: «أباهلكم بخير أهل الأرض، وأكرمهم إلى الله». فرجعوا إلى زعيمهم الأسقف يستشيرونه في الأمر، فقال لهم: «أرى وجوهاً لو سأل الله بها أحدٌ أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله». فأسرعوا إلى النبي قائلين: «يا أبا القاسم، أقِلنا أقال الله عثرتك». ووثّق القرآن هذه الحادثة العظيمة بقول الله تعالى: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) (آل عمران/ 61).

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 254
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 الأبعاد الرسالية لثورة الإمام الحسين (عليه السلام)
 مسلم بن عقيل.. سفير القيم الفاضلة
 الحسين (عليه السلام).. تجسيداً حيّاً للقيم الإسلامية
 ملحمة عاشوراء.. إرث للبشريّة جمعاء
 أبرز أهداف النهضة الحسينية
 إن العهد كان مسؤولا
 آثار ونتائج النهضة الحسينية
 الشمولية الإنسانية في الثورة الحسينية
 الحسين (عليه السلام).. رمزُ الإباء
 العِبرة في قضية الإمام الحسين (عليه السلام)

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا