الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الصوم ومجاهدة النفس

2016/06/07 | الکاتب : عمار كاظم


أشار القرآن الكريم إلى أنّه أُنزل في شهر الصيام، (هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة/ 185). أما كونه هدىً للبشر كافة، فيُشعر بأنّه من اليسر والوضوح، بحيث يسعهم أن يعقلوه، ويدركوا معانيه ومراميه، مصداقاً لقوله تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (القمر/ 17)، وقوله عزّ شأنه: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء/ 195)، فالهدى معنى قريب مشتركٌ فهمُهُ بين الناس كافة. أما البيِّنات فهي أدق وأخص معنى، لأنّها شواهد ودلائل اقناع تحمِلُ في طياتها أصول برهان قضاياها، وعناصر عقلية تنهض بحقّيتها، من دقيق المعاني الذي يتضمنه هذا الكَلِمُ الإلهي المقتدر البليغ المُعجز، وهذا يفتقر بلا ريب إلى طاقات عقلية، وفضل اجتهاد، وبحث يقوم على التفكير المتعمَّق من أهله، لتبيُّنها واستنباطها وتمثُّلها، وهذا هو أسلوب القرآن الكريم في الجَمْع بين العقل والوحي. هذا، والصوم بما هو مجاهدة نفسية، واقعية، تؤول إلى تجرُّدٍ روحي، وتفتُّحٍ عقلي، وإشراق نفسي قد اتخذه الله تعالى وسيلة فعّالة لتمكين العقل والنفس من اجتلاء وتمثُّل تلك البينات التي قوامها شواهد وأدلة إقناعية مفهوماً وغاية تنهض بالحقائق الكبرى في هذا الوجود، وعلى رأسها الإيمان بالخالق الباريء جلّ وعلا، وما يفيض عنها من القيم العليا، والمُثُل الخالدة: من الحقّ، والعدل، والحرّية، والمساواة في الاعتبار الإنساني، والرحمة، والإحسان، والفضل، والتضحية والجهاد، لتأصيلها وإعلائها، والإيثار وإنكار الذات، وغيرها مما يمثِّل في مجموعه، مُثُلاً عليا للكمال الإنساني، ويعتبر فرقاناً فاصلاً بين الحقّ والباطل، أو فيصلا حاسماً بين عهود وجهالات قد زالت وانقضت، وبين حياة إنسانية فُضلى قد ابتدأت بنزول هذه النعمة الكبرى على البشر كافة (وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة/ 185). هذا، ولا مِرْيةَ أنّ للظروف ولا سيّما الروحية الخالصة تأثيراً بالغاً على الملكات والقوى المعنوية في النفس الإنسانية، فالمشاعرُ تُرهف وتتَّقد، والنفس تصفو وتُشرق، والعقل يُشحَذُ ويتفتّح، فينبري للتفكير والإمعان والتأمل، إذ يغدو بصفاء النفس والروح، أقدر على اجتلاء أسرار هذا البيان الإلهي المعجز، وما كان يسهل عليه النفاذ إليها حقيقة وغاية لولا هذا الظرف المتجرِّد، بما ينطل فيه الروح من أغلال المادة وأوضارها، ليحلِّق في أُفُق رَحب من المعاني، والحقائق، والقيم، فيتقوى ويرقى إلى استشرافها، ليقتدر على أن يُوجِّه السعي لرغائب هذا الروح، بما اتخذ من الجسد مطية ذلولاً لتحقيقها بحكم سلطانه عليه، ولا ريب أنّ قوة الروح هي الكنز المعنوي للإنسان، به تتحقق إنسانيّتُهُ، أنّى كان، والصوم من أقوى روافده، بما يمده من القوى التي يعلو بها عن المشتهيات المادية، ومنازع الهوى، وَشِرّة الأنانية الرابضة في أعماق النفس البشرية، وليس هذا قولاً منا نزعمه، أو نتخيله، أو نبدعه، وإنما هو الواقع الحيوي الذي كان يحياه الرسول نفسه - (صلى الله عليه وسلم) - في شهر الصيام خاصة من كلّ عام، ليضرب للبشرية في أحقابها المتطاولة، مثلاً واقعياً حيّاً، فيما يدبر الصوم من أمر هذا الإنسان تدبيراً يؤثِّر على كيانه، جسداً وروحاً وعقلاً ونفساً وإرادةً، حيث كان - (صلى الله عليه وسلم) - في شهر رمضان، يَهْجُرُ النوم إلّا قليلاً، ويجتزِىءُ بما يقيم الأودَ من الطعام، ويرتقى جبل حراء ليستعين بالصوم والتجرد، على التفكير والتأمل، استجلاءً للحقيقة الإلهية العليا، في هذا الجو الروحي النقي الخالص. هذا، وكان - (صلى الله عليه وسلم) لا يني في هذا الشهر المعظم يرسل الفكر عميقاً أيضاً في ملكوت السماوات والأرض، بما يثير فيه (صلى الله عليه وسلم) وعياً كونياً، فضلاً عن وعيه الذاتي الاعتقادي تُجاه مقام الألوهية، حتى إذا أخذ منه (صلى الله عليه وسلم) التأمل والفكر كلّ مأخذ، انعطف على العبادة خشوعاً وتسبيحاً، بل فناءً في الوجود المطلق، إعداداً للنفس، وتهيئةً لها، لتبليغ الرسالة. تلك حقيقة ثابتة في حياة النبوة المحمدية في شهر الصيام خاصة من كلِّ عام، مما يقيم الدليل البيِّن على أنّ طبيعة الصوم بما هو تجرد نفسي، وعبادةٌ روحيةٌ خالصة ذات حكمة غائية بالغة تتصل بأصالة عقيدة التوحيد أوّلاً، وليست حكمةً مقصوراً تفسيرها على أساس من فلسفة الجوع والحرمان، إنّ اتصال حكمة الصوم بأصالة عقيدة التوحيد التي هي ركن أساسي في صرح الرسالة الإسلامية، بما تنأى بالإنسان عن مصادر الذِّلة وأسباب الهوان، مما يؤكد التقاء الحكمة الغائية للصوم بالهدف القرآني العام، إذ اقترنت فيه أعظم آيات الربوبية في هذه النعمة الكبرى التي أفاضها الله جلّ وعلا على البشر كافة (هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة/ 185)، اقترنت بأعظم آيات العبودية في فريضة الصوم، عبادةً روحية خالصة. هذا الاقتران في هذا الظرف، يوميء بالاقتران في الهدف، وإلّا لم يكن له وجه يسوِّغه، فيمكن تفسير السِّرّ فيما ورد في الحديث الشريف من جعله الصوم منسوباً إليه تعالى دون سائر العبادات، وترتيب الجزاء والمثوبة عليه بما لا يُقدَّر في حساب، من الحديث القدسي فيما يرويه (صلى الله عليه وسلم) عن ربِّه كلُّ عمل ابن آدم له، إلّا الصوم فإنّه لي، وأنا أجزي به كما أمكن تفسير تخصيص الله تعالى شهر الصوم بالذات دون سائر الشهور بنزول الهداية الإلهية وبيناتها فيه وحياً، بل والتنويه بشهر رمضان باسمه بالذات في القرآن الكريم (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) حيث لم يُنوّه فيه باسم أي شهر سواه!! البيِّنات من الهدى والفرقان، تستلزم تفكيراً عميقاً لاستجلائها بما هي شواهد ودلائل لتكوين القناعات بمعقوليتها، وليكون الارتقاء بها معراجاً إلى الكمال الإنساني عن اختيار ذاتي، مما يشير إلى أنّ بإطراحها، والانسلاخ منها، يكون الهبوط والتدني، وسيطرة الهوى، وهذا في اعتبار القرآن الكريم، وصريح آياته ما يفسد أمر تدبير الحياة الإنسانية، شراً وبغياً وعدواناً وظلماً. تجد هذا بينا صريحاً في مثل قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) (الأعراف/ 175-176). وليس رفع الإنسان بالآيات إلّا لكونها معراجاً للارتقاء به إلى المستوى الإنساني الفاضل، وما نظن أنّ غير الإسلام قد خَبَرَ أبعاد الطبيعة البشرية كملاً، وقَدَرَها قَدْرَها، ثم أقامها على ضوء من حقيقتها الكاملة في مثل هذا المقام الرفيع، نأياً بالإنسان على مصادر الذلة وأسباب الهوان، وهو ما عبّر عنه القرآن الكريم، بالإخلاد إلى الأرض، واتباع الهوى. على أنّ الارتقاء إلى هذا المستوى الإنساني الرفيع بما هو خليق بالبشرية أن تعمل جادة على بلوغه لن يتأتى على ما يوحي به البيان الإلهي إلّا بالأمور الآتية: أولها: بيِّنات الهُدى عقائد وعبادات ومبادئ وقيماً وهي عناصر مضمون التقوى عملاً وواقعاً. الثاني: العقل المتفهم المدرك لدقائق تلك البينات، ودلائلها، ومراميها. الثالث: التجرد الروحي الذي يستلزم التفتح العقلي، ضرورةً تهيئةً للنفس وإعداداً لها، لتقبل هذا الهدي السماوي وبيناته، ثم أدائه، وإنفاده رسالةً، عن قناعة واختيار ذاتي.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 114
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 حاجتنا إلى التسامح
 وصية الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)
 عاقبة الصبر
 حصانة الشباب بتقوى الله
 سموّ الإمام الصادق (ع) بعلمه ومعرفته
 مسـؤولياتنا اليوم كشبّان
 منهج الإمام الصادق (ع) التربوي
 الإمام جعفر الصادق (ع).. إمام العلماء وأستاذ الفقهاء
 الإجازة الصيفية.. متعة، فائدة وإنجاز
 مفهوم التسامح ودرجاته

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا