الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
المقصد التربوي للصيام في الجانب العقلي

2016/06/09 | الکاتب : عمار كاظم


العقل هو مناط التكليف في الإنسان، وبه كرّمه الله عن غيره من المخلوقات ولأجله تحمل الأمانة التي أبت السماوات والأرض الجبال أن يحملنها، والصيام ذو أثر مباشر في تقويم العقل وإذكائه ويبدو ذلك فيما يلي:

أوّلاً: إذا كان الهدف من الصيام هو تحصيل التقوى كما قال الله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) فإنّ هذه التقوى تفتح على المسلم آفاق العلم والخير لقوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) (البقرة/ 282)، وكما في قوله تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألْبَابِ) (البقرة/ 269).

ثانياً: الصيام يجعل عقل الإنسان أكثر نشاطاً وإدراكاً لأنّ البطن إذا امتلأت تذهب الفطنة كما جاء في الأثر "البطنة تذهب الفطنة"، ومن أكل كثيراً نام كثيراً وحُرم من خير كثير، فمن أراد أن يحصِّل من أسباب العلم ما يوسّع به مداركه فلا يشبع؛ لأنّ مَن ملأ بطنه بالطعام سرعان ما ترتخي أعضاؤه ويميل إلى الكسل ويخلد إلى النوم الطويل، لكن صيام رمضان بآدابه من الإقلال من الطعام والشراب وصيام النوافل يعوّد الإنسان على الاقتصاد في طعامه وشرابه بما يحفظ لعقله فاعليته ولنفسه القدرة على حدة التفكير، وطول السهر تحصيلاً للعلم.

ثالثاً: كثرة قراءة القرآن في هذا الشهر، مما يرسي أصول العلم لدى المسلم أو المسلمة، ففي القرآن أصول العلم التجريبي، وأصول العقيدة الصحيحة وقواعد التشريع الكاملة، وقصص السابقين من الطائعين والعاصين، وهذا من أكبر موارد النمو العقلي.

رابعاً: لا شك أنّ مفردات أحكام الصيام تؤثر تأثيراً قوياً في صياغة العقل الإسلامي صياغة مرنة ويبدو ذلك مما يلي:

أ) لابدّ للإنسان أن يزن الأمور بميزان العقل لا العواطف فقط، وفي هذا يقال: "ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول".

ب) نهى النبيّ (ص) عن الوصال، ويُروى أنّ النبي (ص) قال: "إياكم والوصال (مرتين) قيل: إنّك تواصل. قال: إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني.

فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون". والحقيقة أنّ الإنسان يجب أن يدرك طاقته ولا يكلف نفسه إلّا على قدر وسعة لقوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا) (البقرة/ 286).

وهذا يقتضي المرونة في التعامل مع المواقف بما يحقق الهدف دون أن يذل الإنسان نفسه بأن يحمّلها ما لا تطيق ثم يتضاعف عنده الشعور بعدم الثقة في النفس في نهاية الأمر، وروي عن النبيّ (ص): "لو تمادى لي الشهر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم". هؤلاء الغلاة يريد النبيّ (ص) أن يعودوا إلى الواقع وألا يبالغوا في تقدير طاقاتهم أو إمكاناتهم، وأن يتعاملوا مع دين الله تعالى بنفس درجات التيسير التي وردت به دون تعمق أو مغالاة.

جـ) إذا تحققت هذه المرونة لم يرَ واحد لنفسه فضلاً على غيره؛ لأنّ الله تعالى هو أعلم بمن اتقى.

د) لا شكّ أيضاً أنّ عقلية المسلم تكون في غاية المرونة وهو يقرأ من أحكام الصيام أنّ كلّ ما دخل الجوف مما يستحيل التحرز منه لا يفطر مثل رائحة الدخان أو الطيب أو الماء الذي يسبق إلى الجوف عند المضمضة مع عدم المبالغة، وما دخل عن طريق السمع عند العطس أو الاستحكام ومَن خرج منه منى بغير شهوة فصومه صحيح، ومن ذرعه القيء فلا شيء عليه ومن أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه، والقطر في العين لرمد لا يفطر الصائم والحقن للتداوي لا تفطر، هذه الأحكام وأمثالها تصوغ العقل المسلم صياغة رائعة مرنة قوية، يضع الحدود ويعرف الأعذار ويراعي الظروف والأحوال التي تخرج عن طاقة كلّ إنسان فيقدرها بمقدار.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 99
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 مفاهيم رمضانية
 التنافس في المودّة
 صحبتنا مع الشهر الكريم
 ليلة القدر.. ليلة المقادير السنوية
 الخوف والرجاء
 أُسس الإيمان الواعي
 الدعوة إلى الله في كل مجالات الحياة
 العتق من النار
 في وداع الشهر الفضيل
 التوبة إلى الله سبحانه وتعالى

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا