الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
كثرة الإستغفار وتجديد العفو والتوبة

2016/06/12 | الکاتب : عمار كاظم


من المعاني الجميلة التي يربي الصائم عليها نفسه ويتعاهدها كثرة الاستغفار، وتجديد التوبة، قال تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور/ 31). فالتوبة فرض من فرائض الدين، فيعلّم الصائم نفسه الانكسار، والخضوع، والافتقار إلى الله تعالى في جميع أحواله وشؤونه، مدركاً أنه محتاج إلى رحمة الله تعالى، وراجياً أن يتقبل الله توبته، ولذلك لا تستغرب من هدي رسول الله (ص) في أنّه كان يستغفر في اليوم مائة مرة، وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فإذا أردت أن تكون عبداً شكوراً، أكثر من الاستغفار، وجدد التوبة مع الله تعالى في كل يوم لتفوز برضوان الله وجنته. أيضاً العفو من الصفات الحميدة التي يتحلى بها الإنسان لأنّها لا تصدر إلّا من نفس كبيرة راجحة العقل صبرت على اعتداء الغير وأذاه. إنّ اعتداء الغير علينا لا يكون إلّا من نفس مريضة حجب الشرّ صوابها فأجدر بنا أن نغفر لها. إنّنا كثيراً ما نخطئ فنفتقر إلى العفو والغفران، وإن لم نغفر لمن أساء إلينا فلا يُغفر لنا، وإن أردنا الانتقام من المعتدي فلننتقمن بالإحسان إليه بأنّ مقابلة الإساءة بالإحسان تنزع من المعتدي البغضاء وتتركه مندهشاً فيرتد غالباً عن غيه وتنقلب بغضاؤه إلى مودّة. ولهذا مدح الله العفو في كثير من المواضع في القرآن كقوله: (وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التغابن/ 14). ووصف الله المؤمنين الصادقين بقوله: (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) (الرعد/ 22). أي يدفعون بالعمل الصالح السيء من الأعمال. ودعا الله إلى مقابلة شرور النّاس بالإحسان إليهم لأنّ ذلك داعية إلى نزع العداوة من قلوبهم وإحلال المودة مكانها: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصّلت/ 34). ولما كانت بعض النفوس جبلت على الاعتداء، فقد وضع الإسلام علاجاً لها لمنعها من التمادي في غيّها، وهو مقابلتها بالمثل بدون إسراف أو ظلم، ولكن بالرغم من هذا لم يغفل من ترجيح العفو. قال الله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) (النحل/ 126). وقال سبحانه: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ* وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ* إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمُورِ) (الشورى/ 40-43). هذا هو مذهب الإسلام في العفو وانّ ما دعا إليه الإسلام هو ما تدعو إليه الفطرة السليمة ، وذُكر العفو في القرآن والقصاص أيضاً  ونذكر هذه المعادلة حيث لا شكّ انّ الإنسان إذا عفا وهو متمكن من القصاص كان عفوه فيه رحمة وعزّة أما إذا دعوناه إلى العفو من أوّل الأمر، ولم نجعل له حقاً في القصاص، فإنّ استجاب – وقلّ ما يستجيب – فعل ذلك وهو برم وساخط، لأنّه عفو الضعف لا عفو المقدرة والعزة كما دعا الإسلام. والعفو كما دعا إليه الإسلام يؤدي في كثير من الأحيان إلى صداقة قوية بين المتخاصمين، لأنّ المعتدي يؤلمه هذا العفو من قادر على القصاص فيعمل على إرضائه ومحو أثر الاعتداء من نفسه. إنّ هذا الشهر عظيم مبارك بكلّ ما تعني كلمة عظيم ومبارك من المعاني، ولهذا يجب أن نغتنم جميعاً هذه الفرصة الذهبية من العمر للعودة الصادقة المخلصة إلى الله ربّ العالمين، وإلى منهجه القويم لبناء أنفسنا وتغيير ما بها ليغير الله ما بنا وبواقعنا ويغير سوء حالنا بحسن حاله. انّ هذه "الامتيازات و"الخصوصيات" التي ذكرت والتي لم تذكر لهذا الشهر فرصة الإنسان المؤمن إن كان يريد أن يقتدم على طريق الخير والصلاح والهدى والاستقامة.. فرصة لاستنقاذ نفسه من ثقلة الأرض وجاذبية الضرورات، والتحرُّر من سيطرة الغرائز والشهوات، وإعطاء القيادة للعقل والدين، وإعلاء (نفخة الروح) على (قبضة الطين).

علينا أن نسارع إلى التوبة وطلب المغفرة من الله ونسأله أن يتوب علينا توبة نصوحاً، وأن يلحقنا بركب أصحاب الهمم المخلصين المعتدلين.. العاملين لدينه المحبين لأوليائه المتعاونين على البر والتقوى ونشر الخير للناس كافة، الشرفاء المخلصين لدينهم والمحبين لأوطانهم حباً هو في حقيقته أحب إليهم من أنفسهم.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 227
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 القيّم النبيلة في شخصية الحسين (عليه السلام)
 عاشوراء.. صرخة الحرية والعدالة
 صورة الحسين (عليه السلام) في وعينا الإسلامي
 مفهوم النصر الحقيقي
 الحسين (عليه السلام).. إشراقات لا تنتهي
 الأبعاد الرسالية لثورة الإمام الحسين (عليه السلام)
 مسلم بن عقيل.. سفير القيم الفاضلة
 الحسين (عليه السلام).. تجسيداً حيّاً للقيم الإسلامية
 ملحمة عاشوراء.. إرث للبشريّة جمعاء
 أبرز أهداف النهضة الحسينية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا