الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
مفهوم الاستقامة واستشعار معيّة الله

2016/06/13 | الکاتب : عمار كاظم


من المفاهيم التي أراد الله أن يؤكدها في وجدان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في خط الدعوة والحركة وفي وجدان كلّ المسلمين الذين اتبعوه، مفهوم الاستقامة، الذي أراد الله وله ولكلمة التوحيد أن يلخصا كلّ الإسلام وكلّ الدعوة، بحيث تكون الدعوة منطلقة من قاعدة التوحيد ثمّ الامتداد في خط الاستقامة، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) (فصّلت/ 30). والله سبحانه وتعالى جعل قاعدة الرسالات كلّها (رَبُّنَا اللَّهُ). فلقد جاء الأنبياء بهذه الكلمة وفرّعوا عليها مما أراد الله لهم أن يفرعوا، فإن تنطلق من أنّ الله ربّك وحده لابدّ أن تعيش معنى الربوبية في ذاته، وحركتها في ذاتك، فالربوبية في ذات معناها أنّه هو الذي أعطى كلّ شيء وجوده وحركته وكلّ عناصر الحيوية فيه وكلّ امتدادات الحياة له، وأنّه أعطاه ذلك ورعاه وربّاه وأراد له أن يعيش معه وأن يتحسس هذه المعيشة مع الله، أما في وعي العبد الربوبية لله، فإنّ ذلك يتمثل في إحساس العبد العبودية لله، والعبودية هنا ليست خطاً قانونياً كما تعارف الناس أن يضيفوا عبداً إلى سيده، ولكنها عبودية تنطلق من معنى الخلق في العبد، فنحن عبيد الله لأنّ ذاتنا هي ذات العبودية ولأنّ الله هو الخالق فهو المالك، فملكية الله لنا هي سرّ وجودنا، فنحن لا نملك الوجود المستقل بل نحن نملك الوجود الظل. ومن هنا فإنّ معنى أن يكون الله ربّك أن تكون أنت عبده، وأن تكون أنت عبده أن تسير في الخط الذي يجسد هذه العبودية، أن لا تتحسس من عبوديتك أمام الله، أن لا يخطر في بالك أن تعطي فكرك الحرّية التي ينفصل بها فكرك عن الله، وأن تعطي قلبك الحرّية التي تبتعد فيها عاطفتك عن الله، وأن تعطي حركتك الحرّية التي تذهب بعيداً طاعة الله فيما أمر وفيما نهى. أنت عبد في دائرة الله وعبوديتك هي سرّ حريتك أمام الكون وأمام الناس، فأنت توحّد الله لتوحيد عبوديتك له، ثمّ لتنطلق في كلّ الساحات لتشعر أنّك حرٌّ في فكرك أمام فكر الآخرين. عندما تكون القضية خصوصية فكرك وأنت حرّ أمام الآخرين، بحيث تقول ربّي الله، فلا معنى لأن تكون لك شريعةٌ غير شريعته، وأن تقول ربي الله فلا معنى لأن يكون لك أولياء غير أوليائه، أو يكون لك أعداء غير اعدائه، لأنّك لا تملك استقلالك في العاطفة أمام ما يريده الله لك في حركة العاطفة في وجدانك. وهكذا فإن تؤيد هنا أو ترفض شخصاً، خطاً، نهجاً، موقعاً هناك.. أن تَسْتَفتي رأيك قبل أن تعطي الموقف تأييداً، وأن يكون الذي تؤيده ممن يرضى الله عنه شخصاً، فكراً، نهجاً، موقفاً واقعاً وأن ترفض مثل ذلك إن كان ممن لا يرضى الله عنه. وإذا أردت أن تعرف نفسك فإنّ أهل البيت يقولون فيما يُروى عنهم (عليهم السلام) إذا أردت أن تعرف نفسك فانظر قلبك كان قلبك يُوالي أولياء الله ويعادي أعداء الله ففيك خير والله يحبّك لأنّك فتحت قلبك فجعلته بين يدي الله وإن كان قلبك يوالي أعداء الله ويعادي أولياءه فليس فيك خير والله يبغضك، والمرء مع مَن أحب فإذا أحببت الله أحببت مَن يُحب، وإذا أحببت الله أبغضت مَن يُبغض. تلك هي المعادلة العاطفية والحركية فيما هو الموقف والموقع. ربّنا الله ثمّ انطلق أمامك، ولا تلتفت يميناً ولا شمالاً ربّنا الله تحدد لك الطريق، وربّنا الله تحدد لك الهدف، وربّنا الله تصنع لك الجو، وربّنا الله تحرك لك الأسلوب، وربّنا الله هي كلّ حياتك (ثُمَّ اسْتَقَامُوا). والله سبحانه وتعالى يقول: (وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) (يس/ 61). هذا القرآن وهذا الإسلام هو الصراط المستقيم الذي تمتثلون فيه إلى الله قبل صلاتكم (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (الفاتحة/ 6). والله يقول لكم: إنّكم تطلبون هدايتي لكم إلى الصراط المستقيم (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ) (الأنعام/ 153). ولذلك قال الله لرسوله (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ) (الشورى/ 15). لدعوتك ولا يضلك الآخرون، لا يضغطوا عليك باغراءاتهم تارة وبترهيباتهم أخرى، لا يندفعوا إلى نقاط ضعفك ليثيروها حتى يسقطوا موقفك (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ) (الإسراء/ 73-74). بالعصمة والنبوّة والقوّة الروحية التي تملكها (لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا) (الإسراء/ 74). وهذه هي طبيعة الضعف البشري عندما يندفع إليه الآخرون ليضغطوا عليه، ولكن الأنبياء كانوا يملكون قوة الروح وقوة الفكر وقوة الموقف (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ) (التوبة/ 40).

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 112
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 فاطمة الزهراء «عليها السلام».. القدوة الشاملة
 رجب.. شهر استجابة الدعاء
 ملامح الهدوء النفسي في الأسرة
 القراءة الواعية للقرآن الكريم
 الإقبال على ساحة الله المقدسة بالدعاء
 وظائف الأسرة الصالحة
 طلب الرزق.. عبادة خالصة
 الزهراء (ع) قمة في العطاء والصبر
 سيدة نساء العالمين بفضائلها
 إدارة الوقت.. رضا ونجاح

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 فوائد زيت السمسم
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا