الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
بين المعنى المادّي للصوم ‌و‌المعنى الروحي

2016/06/14 | الکاتب : عمار كاظم


‌‌هذا حديثٌ عن عمق الترابط بين الصوم بمعناه الماديّ الشرعيّ الذي يتمثّل ‌في‌ ترك بعض الأشياء الخاصّة ‌من‌ الطعام ‌و‌الشراب ‌و‌الجنس ‌و‌‌ما‌ أشبه ذلك، ‌و‌بين الصوم بمعناه الروحي الاخلاقىي الذي يمتد ليشمل كلّ المضمون المنفتح على مفهوم التقوى بكل سعته، مما يجعل الوسيلة ‌في‌ الصوم الفقهي مرتبطه بالهدف ‌في‌ الصوم الإسلامي بكل سعه التشريع ‌في‌ دائرته العملية. فالمطلوب أولاً- ‌من‌ وحي هذه الفقرات- ‌أن‌ يلهمنا الله معرفة فضله ‌و‌إجلال حرمته... ‌و‌لكن، هل هي المعرفه الفكرية ‌و‌الإجلال الاحتفالي، ‌أم‌ هي المعرفة بالخط العملي الذي يتحول إلى حركة ‌في‌ بناء الشخصية؟... لأن الزمن ليس شيئاً حياً ينفذ الإنسان إلى داخله ليتعرف خصائصه الذاتية، بل ‌هو‌ شيء ‌في‌ حركة الوجود التي يمنحها الإنسان معنى ‌في‌ الشكل ‌و‌المضمون ليعطيه بعض الملامح الجميلة ‌أو‌ الخبيثة ‌من‌ نشاطه السلبي ‌أو‌ الأيجابي، ‌في‌ ‌ما‌ ياخذ ‌به‌ ‌من‌ وحي الرسالات، ‌أو‌ ‌في‌ ‌ما‌ ينطلق ‌به‌ ‌في‌ وعي الفكرة ‌في‌ الذات، ‌ولذلك فلا معنى للمعرفة إلاّ ‌من‌ خلال المضمون الإنساني الحركي ‌في‌ الزمن الذي ‌لا‌ ‌بد‌ ‌أن‌ يتعرفه الإنسان ‌في‌ مسؤولية الزمن ‌في‌ ضرورة تجسيده ‌في‌ شيء ‌من‌ ذلك، ‌و‌على ضوء ذلك نفهم ‌إن‌ الإجلال ليس شيئاً يتحرك ‌في‌ الطقس التقليدي بل ‌هو‌ شءء يتحرك ‌في‌ عظمة الدور ‌في‌ داخل حركته... ‌و‌هكذا ينبغى للإنسان ‌أان‌ يعيش شهر رمضان ‌في‌ الدور، ‌و‌‌في‌ المسوولية، ‌و‌في‌ فترة العمر المسؤول ‌في‌ رحلته إلى الله ‌في‌ داخل هذا الشهر، ليكون دخوله اليه عن وعي يلهمه معناه، ليعرف كيف يحتويه ‌في‌ الدائرة الإسلامية الحية المتحركة ‌في‌ كلّ اتجاه للحياة ‌من‌ حوله. ‌و‌المطلوب ثانياً- ‌من‌ وحي هذا الدعاء- التحرز عن التعدي على حدود الله، ‌في‌ ‌ما‌ حرم الله على عباده تجأوزه، ‌من‌ الأمور التي ‌لا‌ مصلحه فيها للحياة ‌و‌للانسان، مما انذر الله عباده بالعقوبة على ممارستها، ‌و‌هذا ‌هو‌ الذي يلخص كلّ الخطوط التي يتحرك فيها الإنسان ‌في‌ هذا الشهر ‌في‌ جانبها السلبي الذي يتمثل ‌في‌ المحرمات، ‌و‌‌في‌ جانبها الإيجابي الذي يتمثل ‌في‌ الواجبات... ‌و‌هذا ‌هو‌ الذي نتابع عناوينه ‌في‌ الفقرات الآتية، التي يرتفع فيها النداء ‌من‌ اعماق القلب المومن الخاشع الذي يخشى ‌من‌ السقوط ‌في‌ التجربة تحت تاثير ضغط المادة ‌أو‌ الغريزة ‌أو‌ البيئة ‌أو‌ نحو ذلك مما قد ينحرف بالإنسان عن الخط المستقيم، فيبادر إلى طلب المعونة ‌من‌ الله، ليتوازن الإنسان ‌في‌ حركته، لتنطلق الارادة ‌من‌ جانب، ‌و‌تنزل عليه الألطاف الإلهية ‌من‌ جانب آخر. ‌و‌هذا ‌ما‌ تمثله هذه الفقرة: «واعنا على صيامه بكف الجوارح عن معاصيك ‌و‌استعمالها بما يرضيك»، فانها توحى بأن الصوم يأخذ مضمونه الحقيقي ‌في‌ حياه الناس الإيمانية العبادية المنفتحة على الله بالالتزام الحقيقي الذي ‌لا‌ يهتز ‌في‌ مواقع الاهتزاز الفكري ‌و‌العملي، فلا تنفذ معصيه الله إلى أعضاء الإنسان ‌في‌ قوله ‌و‌فعله، بل تقف مع طاعه الله التي يتحرك فيها الجسد بكل حركاته، ليكون الإنسان ‌في‌ ذلك إنسان الله، الذي ينتمي اليه ‌و‌‌لا‌ ينتمي إلى الشيطان، ‌و‌ليكون عبد الله الخاضع له ‌في‌ كلّ اموره...  ‌و‌هذا ‌ما‌ تعبر عنه الفقرات التالية: «حتى ‌لا‌ نصغي باسماعنا إلى لغو» ‌و‌ هو‌ الكلام الذي ‌لا‌ يعتد به، ‌و‌ هو‌ الذي ‌لا‌ يرد عن رويه ‌و‌فكر، فقد يشتمل على ‌ما‌ ‌لا‌ يرضى الله ‌و‌ما‌ ‌لا‌ ينفع الناس، ‌أو‌ على ‌ما‌ يفسد حياتهم، ‌أو‌ ‌ما‌ يبتعد بهم عن الخط المستقيم ‌في‌ الفكر ‌و‌المنهج ‌و‌العمل... ‌و‌هذا ‌هو‌ ‌ما‌ يريد الإسلام للإنسان ‌أن‌ يبتعد عنه ‌و‌يرتفع بشخصيته عن الأخذ به... ‌و‌ قد يكون الإصغاء إليه وسيلة ‌من‌ وسائل الانس ‌به‌ ‌و‌الانجذاب اليه، مما قد يترك تاثيراً عميقاً ‌في‌ شخصية الإنسان حيث يتحول إلى شخص يمارس اللغو ‌و‌ينطبع به. «و لا‌ نسرع بابصارنا إلى لهو» يجتذب العين فيسحرها، ‌و‌يأخذ القلب فيملكه، ‌و‌يطبع حياة الإنسان بطابعه ليكون الإنسان اللاهي البعيد عن الله الذي يستغرق ‌في‌ الصورة الحلوة هنا، ‌و‌اللمسة المغرية هناك، ‌و‌الأوضاع المثيرة ‌في‌ موقع آخر، فيخلد إلى الأرض ‌في‌ زخارفها ‌و‌مغرياتها ‌و‌شهواتها، فلا يرتفع إلى آفاق السمو الروحي الباحثة عن الله، ‌و‌لا‌ ينطلق إلى مواقع المسؤولية المنفتحة على مواقع رضاه، ‌و‌بذلك يفقد توازنه، ‌و‌يبتعد عن إنسانيته، ‌و‌يتحول إلى شخص عبثي ‌في‌ ‌ما‌ ‌هو‌ العبث اللاهي ‌في‌ الحياة. «وحتى ‌لا‌ نبسط أيدينا إلى محظور»، لأن الله جعل لليدين دوراً ‌في‌ تحريك حياة الإنسان نحو القضايا التي تمثل حاجاته ‌في‌ بناء جسده ‌في‌ ‌ما‌ يحتاجه ‌من‌ الغذاء ‌و‌الكساء ‌و‌نحو ذلك، ‌أو‌ التي تمثل حاجاته ‌في‌ بناء روحه، ‌أو‌ ‌في‌ رعاية حياة الناس ‌من‌ حوله ‌في‌ ‌ما‌ احله الله له ‌من‌ ذلك كله... ‌و‌لم يرخص له ‌أن‌ يستعملها ‌في‌ تنأول الحرام، ‌أو‌ ‌في‌ افساد حياه الناس ‌أو‌ حياته ‌و‌تهديدها ‌أو‌ ارباكها ‌في‌ ‌ما‌ ‌لا‌ يرضى له به... ‌و‌في‌ ضوء ذلك، ‌لا‌ ‌بد‌ للإنسان ‌من‌ ‌أن‌ يفكر بأن ‌لا‌يحرك يديه ‌في‌ الأمور المحظورة، على جميع المستويات، حتى ‌لا‌ تكونا اداتين لمعصيه الله، ‌و‌بالتالي لهلاك الإنسان ‌في‌ مصيره المحتوم ‌في‌ عذاب جهنم ‌من‌ خلال غضب الله... «و‌لا‌ نخطو باقدامنا إلى محجور»، فقد حجر الله علينا، ‌من‌ الوجهة الشرعية، ‌أن‌ نتحرك ‌في‌ الساحات التي تتجمع فيها الأوضاع المنفتحة على الفساد ‌و‌الإجرام ‌و‌الخيانة ‌و‌ غيرها ‌من‌ المعاصي، ‌أو‌ ‌أن‌ ناخذ بالوسائل التي تقودنا إلى ذلك، ‌أو‌ ننطلق إلى الاهداف التي ‌لا‌ يحبها الله لعباده، ‌و‌ لذلك ينبغي للإنسان ‌أن‌ يستغرق ‌في‌ التأمل ‌في‌ خطواته ‌في‌ حركة رجليه، ليحدد الطرق المحللة ‌أو‌ المحرمة، ‌وليعرف الغايات التي يبلغها ‌في‌ ‌ما‌ يبني له حياته ‌و‌مصيره، ‌أو‌ ‌في‌ ‌ما‌ يهدم وجوده ‌و‌نجاته. «وحتى ‌لا‌ تعي بطوننا إلا ‌ما‌ احللت» ‌من‌ الطعام ‌والشراب، فقد احل الله للإنسان بعض الطعام ‌و‌الشراب ‌و‌حرم بعضا آخر، ‌و‌أراد له ‌أن‌ ‌لا‌ يجعل بطنه ‌و‌عاء إلا للحلال منها مما يصلح أمر جسده ‌أو‌ توازن عقله ‌أو‌ صفاء روحه ‌في‌ ‌ما‌ يؤثر عليه ‌من‌ ذلك كله. «و‌لا‌ تنطق ألسنتنا إلا بما مثلت»، ‌أي‌ بما حدثت، ‌أو‌ بما أكدت ‌من‌ الحجة مما ينسجم مع الحق، ‌و‌يبتعد عن الباطل، ‌و‌يلتقي بالصدق، ‌و‌ينفصل عن الكذب، ‌و‌ينفع الناس ‌و‌‌لا‌ يضرهم، ‌و‌يرفع مستواهم، ‌و‌يقوي وجودهم، ‌و‌يفتح لهم أبواب الخير ‌و‌يغلق عنهم أبواب الشر، ‌و‌يدفع بهم إلى ساحة الحرية ‌و‌يبعدهم عن ساحة العبودية، ‌و‌يمنحهم العزة ‌و‌الكرام. فقد أراد الله للإنسان ‌أن‌ يحرك لسانه بالكلمات الطيبة المنفتحة على مواقع رضى الله ‌في‌ ‌ما‌ فيه مصلحة الإنسان الحقيقية ‌في‌ العمق، ‌و‌أن‌ يمسكه عن الكلمات الخبيثة المغلقة عن مواقع رضاه، ‌و‌لذلك، كان ‌لا‌ بد له ‌أن‌ يفكر بالمستوى العالي ‌من‌ الانضباط الدقيق ‌في‌ الخط الفاصل بين الحرام ‌و‌الحلال، ‌في‌ ‌ما‌ يربي نفسه عليه، ‌أو‌ ‌في‌ ‌ما‌ يسأل الله العون عليه. «و‌لا‌ نتكلف إلا ‌ما‌ يدني ‌من‌ ثوابك ‌و‌لا‌ نتعاطى إلا الذي يقي ‌من‌ عقابك»، لأن الله قد جعل للإنسان ‌أن‌ يبذل جهده ‌في‌ ‌ما‌ يملكه ‌من‌ الطاقه الحركيه التي تمثل المعاناه ‌و‌ المشقه ‌في‌ الاعمال التي يقوم بها ‌في‌ المجالات التي تودي ‌به‌ إلى السعادة التي ينال بها ثواب الله، ‌و‌تبتعد ‌به‌ عن الشقاء الذي ينال ‌به‌ عقابه، لان المفترض ‌في‌ الجهد الإنساني أن‌ يتحرك ‌في‌ النجاة ‌من‌ الهلاك، ‌و‌‌في‌ الوصول إلى مواقع السلامة. «ثم خلص ذلك كله ‌من‌ رياء المرائين ‌و‌سمعة المسمعين، ‌لا‌ نشرك فيه أحداً دونك، ‌و‌‌لا‌ نبتغي ‌به‌ مراداً سواك»، فقد أراد الله للإنسان ‌أن‌ يعيش ‌في‌ نطاق التوحيد الخالص الذي يوحي بصفاء العمل ‌في‌ عمق النية الدافعة له، فلا يكون مشوباً بالرياء الذي يمثل الاستغراق الذاتي ‌في‌ الحصول على مدح الناس له، ‌و‌ ثقتهم به، ‌و‌رضاهم عنه، ‌و‌‌لا‌ يكون مشدوداً إلى الحصول على السمعة الطيبة لديهم، لأن معنى ذلك ‌هو‌ إنفتاح العباده على الناس ‌لا‌ على الله، مما يعني الشرك الخفي ‌في‌ ‌ما‌ يراقب ‌به‌ الإنسان الناس إلى جانب الله... ‌في‌ مضمون العبادة الخاضعة لحركة القلب التي تحدد مسار حركه الجسد. ‌و‌هكذا نجد، إن‌ الصوم ليس مجرد حالة مادية سلبية ‌في‌ ‌ما‌ هي اللذة الغذائية ‌أو‌ الجنسية، بل ‌هو‌ حالة روحية ‌و‌عملية على مستوى الالتزام الاخلاقي الشرعي الذي يمثل صوم الجسد عن كلّ ‌ما‌ حرمه الله، ‌و‌قد جاء ‌في‌ الحديث الماثور عن الامام جعفر الصادق (ع): «اذا صمت فليصم سمعك ‌و‌بصرك ‌و‌شعرك ‌و‌جلدك، (وعدد أشياء غير هذا) ‌و‌قال: ‌لا‌ يكون يوم صومك كيوم فطرك». ‌و‌‌في‌ كلمة اخرى له: «اذا صمت فليصم سمعك ‌و‌بصرك ‌من‌ الحرام ‌و‌القبيح ودع المراء ‌و‌أذى الخادم ‌و‌ليكن عليك ‌و‌قار الصائم ‌و‌لا‌ تجعل يوم صومك كيوم فطرك».

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 205
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 مفاهيم رمضانية
 التنافس في المودّة
 صحبتنا مع الشهر الكريم
 ليلة القدر.. ليلة المقادير السنوية
 الخوف والرجاء
 أُسس الإيمان الواعي
 الدعوة إلى الله في كل مجالات الحياة
 العتق من النار
 في وداع الشهر الفضيل
 التوبة إلى الله سبحانه وتعالى

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا