الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
شهر رمضان منهاج تربوي

2016/06/14 | الکاتب : عمار كاظم


قال رسول الله (ص) في خطبة شهر رمضان: "... واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه، وتصدقوا على فقرائكم ومساكينكم ووقّروا كباركم وارحموا صغاركم وصِلُوا أرحامكم واحفظوا ألسنتكم وغضّوا عما لا يحل النظر إليه أبصاركم وعمّا لا يحل الاستماع إليه أسماعكم وتحننوا على أيتام الناس يتحنن على أيتامكم...". التربية الناجحة هي التي تضع برنامجاً شخصياً على مستوى (التربية الفردية) وتضع أيضاً برنامجاً اجتماعياً على مستوى (التربية الاجتماعية) وتجعل بين البرنامجين خطوط تماس ولقاء وتقاطع يصب بالمنفعة والخير أحدهما على الآخر أي أنّ الذي يطبق البرنامج التربوي الفردي في الإسلام إنّه يصب بالنفع والخير في البوتقة الاجتماعية وكذلك إنّ المجتمع الذي يطبق البرامج التربوية الاجتماعية في الإسلام إنّه سيحصل بالنفع والعطاء الفردي والشخصي فاجتماعيات الإسلام تلتقي البرنامج الفردي باللقاء الإيجابي والبرنامجان يسيران نحو تحقيق الصلاح للطرفين.. فمن سمات التربية الإسلامية إنها اعتنت بالتربية الفردية الشخصية للمسلم عبر أُسس تربوية واضحة واعتنت أيضاً بالتربية الاجتماعية لعموم المسلمين عبر أُسس تربوية معينة ويلاحظ المتتبع إنّ منافع التربية الفردية تدخل في الإطار الاجتماعي وكذلك العكس. لنأخذ مثلاً توضيحياً لذلك، إنّ الإسلام يربي أبناءه على العطاء والكرم قال عزّ وجلّ: (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (الذاريات/ 19). وفي سورة الضحى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) (الضحى/ 9-10). وفي سورة الليل: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى* وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) (الليل/ 5-10). وفي سورة التوبة: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) (التوبة/ 103). وقال رسول الله (ص): "إنّ الصدقة لتطفىء غضب الربّ، إنّ الصدقة لتطفىء على أهلها حرّ القبور وإنما يستظل المؤمن يوم القيامة في ظل صدقته، داووا مرضاكم بالصدقة، صدقة السر تطفىء غضب الربّ". ويقول الرسول الأعظم في صدد الضيافة: "مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه"، وفي حديث آخر: "الضيف ينزل برزقه ويرتحل بذنوب أهل البيت"، ويقول (ص) أيضاً: "كلّ بيت لا يدخل فيه ضيف لا تدخله الملائكة". وقال (ص): "أطعم طعامك مَن تحبه في الله وكُل طعام مَن يحبك في الله عزّ وجلّ". وكثيرة الأحاديث والقصص الدافعة للعطاء والسخاء فهذا العطاء الذي يقوم به الفرد استجابة للتربية الفردية ينتهي بالنتيجة إلى حالة والوداد كما ورد في الحديث "تهادوا تحابوا" وإلى حالة التكافل الاجتماعي فتسقط أنانية الإنسان وينطلق من قوقعته الذاتية إلى الشعور العام "مَن أصبح ولا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم". فهو إذن برنامج للفرد المتمكن مثلاً ولكن حصيلته للصالح العام ونفس المثل لو عكسناه، فالمجتمع المسلم بتكافله لا نستطيع أن نجد فيه فقيراً واحداً لأنّه ما من فقير أو مسكين إلّا وتمتد إليه سواعد المؤمنين لانقاذه من ورطته وبالنتيجة أثر تربية العطاء انتقل من المجتمع إلى الفرد وهذا ملموس على المستوى المادي. وحتى في المستويات المعنوية يمكن ملاحظة هذا التقاطع بين دوائر التربية الفردية والاجتماعية وهذا ما يمكن أن نفهمه من الأحاديث الشريفة التي تذهب إلى – لا رهبانية في الإسلام – فالصدق والوفاء بالعهد والاحترام المتبادل والعطف على الصغير وتوقير الكبير والالتزام بالوعود كلّ هذه الأخلاق الرفيعة لابدّ أن تعرف نظرياً ثمّ تمارس مع الناس فمعرفة القانون الإسلامي لا لمعرفته فقط بل معرفة القانون الإسلامي لتطبيقه في المجتمع. فلا خير في التعرف على الموقف الإسلامي من الصغار والكبار والمرأة دون تطبيق، وحينما يقول الإسلام. النجاة في الصدق – وإنّ الله يحب الصادقين – يقصد الصدق مع الناس وحينما نقرأ في الأثر – المؤمنون عند شروطهم – وفي الرواية – علامات المنافق ثلاث – إذا حدّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان – وقال رسول الله (ص): "لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم وكثرة الحج والمعروف وطنطنتهم بالليل ولكن انظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة". فيعلّمنا الإسلام ذلك السمو الخلقي لأجل الممارسة أي فوائد ذلك سيجني منها أوّلاً المجتمع وللفرد ثانياً فهي عملية (تبادل منفعه) هذا بالإضافة إلى الأجر والثواب الذي سيحصل عليهما المؤمن فالسجايا بعضها مربوط ببعض. ومسألة الأجر والثواب في الآخرة مسألة مهمة للفائدة الشخصية بالإضافة إلى الأثر الاجتماعي الساري المفعول، يقول الرسول الأكرم (ص): "مَن سنّ حسنة عمل بها من بعده كان له أجره ومثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً ومَن سن سنة سيئة فعمل بها بعده كان عليه وزره ومثل أوزارهم من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً". ذو جانبي المنفعة، ولو أخذنا مثال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فَهُما من فروع الدين وحينما نطبقهما سيجني المجتمع فوائد هذا التشريع التربوي ففي الحديث النبوي الشريف نقرأ على مستوى الدستور الفردي: "مَن رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" فهذا الأمر بالتغيير نحو الصلاح يفيد الإنسان الأمر أجراً وثواباً وتلقيناً لنفسه بالصلاح ويستفيد المجتمع حين صلاح المنكر والتخلص من شره. فلو ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ماذا نجني – نحن – كأفراد أو كمجتمعات "إذا تركتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يولى عليكم شراركم فتدعون فلا يستجاب لكم" "كيفما تكونوا يولّى عليكم" "إذا تحاسدتم ولي عليكم شراركم". إذن التربية الإسلامية تعتني بالتربية الفردية وترسم لها منهاجاً تربوياً يطبقه الفرد وكذلك تعتني بالتربية الاجتماعية والفوائد متبادلة بين الفرد والمجتمع والإنسان كما يقولون مدني بالطبع فالمؤمن يتفاعل مع الناس حتى مع غير المتلزمين سُئل أحد الملحدين لو أردت أن تترك أختك فترة وتسافر ولك صديقان ملحد مثلك ومؤمن نقيضك عند من تضعها أجاب عند المؤمن لأنّه لا يخون الأمانة – وهكذا يتحول المؤمن بفضل التربية الإسلامية إلى وردة تعطي عطرها وشذاها لكلّ إنسان مهما كانت اتجاهاته الفكرية. "واذكروا بجوعكم عطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه" تقوّى روحية الإنسان وتزداد معنويته فتتخفف أتعابه النفسية ومعاناته الخاصة من الجوع والعطش حينما يتذكر الألم الأقسى والتعب الأجهد في يوم القيامة هنالك الموقف الصعب والانتظار العسير وفعلاً – مصائب قوم عند قوم فوائد – فلما نتذكر أهوال يوم القيامة والمصير المجهول تسهل علينا أتعاب الصيام ومعاناته كما المريض حينما يتذكر وينظر إلى مريض أشد منه ألماً تتخفف عليه آلامه والمسألة نفسية بحتة يقول القرآن العظيم الانبعاث يوم القيامة (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ) (الأنعام/ 94). ويقول الرسول الأعظم (ص): "كلّ مَن ورد القيامة عطشان" وعطش يوم القيامة مصحوب بفزعٍ كبير لهول الأمر ولانتظار المصير ويقول الإمام عليّ (ع) يخاطب الغافل: "اسمع يا ذا الغفلة والتصريف من ذي الوعظ والتعريف... يوم تذوب من النفوس أحداق عيونها وتضع الحوامل ما في بطونها...". فإذن نتذكر في حالة الصيام أهوال يوم القيامة وما يجري فيها من حساب دقيق فيتعظ الإنسان الصائم عملياً حينما يلمس الجوع والعطش فعلاً وبالتالي يتخفف عليه ألم الجوع والعطش في الصيام لأنّ الصائم يشعر إنّه في طاعة الله يتحمل الآلام والله هو الغني والكريم فمن المؤكد إنّه سيرحمه الله يوم القيامة نتيجة صبره وتحمله لأداء العبادة في الدنيا. والآن لنأتي للقضية التربوية الاجتماعية فبما أنّ حالة الصيام هي صورة مصغرة من صور يوم القيامة والتذكير هذا بحد ذاته يدفع بالإنسان للتوسل بالطرق المشروعة لضمان النجاة هناك فيبدأ الرسول الأعظم (ص) ببيان الأعمال الكفيلة بالخلاص من أهوال القيامة كهدف استراتيجي على المدى البعيد وأيضاً هذه الأعمال كفيلة بإيجاد أجواء اجتماعية عادلة تسودها المحبة والتآخي والتعاون لتقليص الفوارق المادية بين أبناء المجتمع فيقول (ص): "وتصدقوا على فقرائكم ومساكينكم"... فمن أكبر الآفات القاتلة للتماسك الاجتماعي والتوادد والروح الإيجابية هي آفة الفقر.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 196
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 دعوة إلى التكاتف والتآلف والوحدة
 الزهد من كمالات الأخلاق
 البعد الروحي في فريضة الحج
 في اليوم العالمي للشباب...
 فضيلة الصدق وآثارها
 قضاء حاجة المؤمن.. ثقافة تربوية
 الحج.. عبادة وحركة وحياة
 توجيه الشباب نحو الاستقامة والصلاح
 الإهتمام بالأنشطة الشبابية في يومهم العالمي
 العفو والتسامح

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا