الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
التوبة والإستغفار إلى الله عزّ وجلّ

2016/06/16 | الکاتب : عمار كاظم


التوبة تعني الأمل الكبير بالله عزّ وجلّ، إنّها تجعل العبد يشعر بالتفاؤل والراحة النفسية بعد عناء شديد من الإحساس بالذنب، تجعله يعود إلى ذاته فيتقبلها بعد أن كان رفضها وحقّرها. وطبيعي أن يكون ابن آدم خطّاء (وخير الخطّائين التوابون). إنّ التوبة تعني الاعتذار لله عزّ وجلّ ممّا بَدَرَ منا من الأخطاء والمعاصي، ولا شك أنّ الله تعالى يقبل أعذارنا، ولا يخيب آمالنا، ولا يردّنا عن بابه خاسرين.. كيف وقد أدّبنا وعلّمنا لا نردّ عذراً لمعتذر، وأن نقبل الإقالة، وأن نتخلّق بالإغضاء عن ذنوب الناس، والتغافل عن إساءاتهم تجاهنا. قال (ص): "مَن لم يقبل من متنصّلٍ صادقاً كان أو كاذباً، لم يرد عليّ الحوض". وعنه (ص): "تجافوا لذوي الهيآت عن زلّاتهم". وعنه أيضاً: "إنّ الله يحبُّ أن يعفى عن زلة السري". إنّ أصحاب النفوس الكبيرة، والأخلاق العالية، هم الذين يتصفون بهذه الصفة (الإغضاء عن الإساءة) والتنازل عن حقوقهم في الانتقام والردّ بالمثل. (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران/ 134). (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) (الشورى/ 37). وعن أمير المؤمنين عليّ (ع): "العفو زكاة الظفر". وإذا كان الله عزّ وجلّ أحبّ منا اغتفار الإساءات، والإعراض عن أخطاء الناس فهو أولى من عباده بهذا الخُلُقِ الرفيع، والصفة العالية، إنّ الإنسان خطّاء بفطرته، ميّال إلى الزيغ، متعثر، لا يمكن أن يسلم من كيد الشيطان، ولا من حبائل النفس الأمّارة بالسوء يتهاوى في كلّ آن، ولابدّ له من عون، ولا يستغني عمن يأخذ بيده إذا هوى.. وهو بحاجة إلى وسيلة تُنجده وتنقذه من المهالك والسقطات التي يتعرض لها في كلّ وقت لذا فتح الله له باب الاستغفار والتوبة على مصراعيه، وأذن له في الدعاء والإنابة، وأفهمه أن لا ييأس من رحمة الله ومغفرته، فالله عزّ وجلّ: (غَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) (طه/ 82). (وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (الأنعام/ 165). (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) (الشورى/ 25). وإنّه (يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة/ 222). وإنّه تعالى يريد إقناع المذنبين بقبول توبتهم بكلّ أسلوب، وبكلّ وسيلة، من خلال آي الذكر الحكيم. إنّ ملفَ التوبة والاستغفار في القرآن ملفٌ ضخم كبير، استخدم فيه الباري عزّ وجلّ أساليب مختلفة لطمأنة النفوس الزائغة المريضة، بتوفر العلاج الحاسم والدواء الناجع لأمراضهم النفسية التي تسببت الذنوب والمعاصي فيها، فتارة يوجهُ الخطاب المباشر للمؤمنين ويعرض عليهم التوبة، ويدعوهم إليها بأسلوب قرآني بديع، وبلغة متينة، لا تدع مجالاً للشك في قبول التوبة. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ...) (التحريم/ 8). وتارة أخرى يطمئن أولئك الذين بالغوا في الذنب، وأسرفوا في الخطيئة، بأنّه تعالى سيغفر لهم ويتوب عليهم، وأنّ عليهم أن لا يقنطوا من رحمة الله، ولا يقطعوا الأمل به سبحانه، ولا ييأسوا من برد عفوه وحلاوة غفرانه، فيخاطب العباد جميعاً على لسان نبيّه (ص) قائلاً: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر/ 53). والمتتبع لآي الذكر الحكيم، قد لا يجد صفحة في القرآن خاليةً من آيات المغفرة ووعود التوبة، حتى إنّ بعضهم أفرد كتاباً شاملاً لآيات الرحمة والغفران في القرآن، ناهيك عما ورد من ذلك في الأحاديث الشريفة والأخبار والروايات التي لا تحصى كثرة، ولا تُعَدُّ وفرةً، ففي حديث رسول الله (ص): "يدا الله مبسوطتان لمسيء الليل ليتوب بالنهار، ولمسيء النهار ليتوب بالليل حتى تطلع الشمس من مغربها". وقال رجل لرسول الله (ص): إني أذنبتُ ذنباً. قال (ص): "استغفر ربّك"، قال: وإني أتوب ثم أعود، قال: "كلما أذنبتَ فتُب واستغفر ربّك حتى يكون الشيطان هو الحسير". وعنه (ص): "التائب من الذنب كمن لا ذنب له". وعنه (ص): "المؤمن مثل السنبلة، يستقيم أحياناً ويميل أحياناً". وعنه (ص) أيضاً: "إنّ المؤمن ليذنب الذنبَ فيُدخِله الجنة!" فقالوا: يا نبي الله، كيف يدخله الجنة؟ قال (ص): "يكون نصبَ عينيه، تائباً عنه، مستغفراً منه حتى يدخل الجنة". وقال (ص): "التائب حبيب الرّحمن". وعن أبي عبد الله الصادق (ع)، قال: قال رسول الله (ص): "طوبى لمن وجد في صحيفة عمله يوم القيامة تحت كلِّ ذنبٍ، استغفر الله". وعن أمير المؤمنين عليّ (ع): "لا خير في الدنيا إلّا لأحد رجلين: محسنٌ يزداد كلّ يوم إحساناً، ومسيءٌ يتدارك بالتوبة". إنّ الله عزّ وجلّ أكرم مما تتصوره عقول البشر، وإنّه تعالى لا يمكن أن يرفض نادماً سعى إليه، وكُلُّهُ أملٌ ورجاء أن يتقبله ويعفو عنه. سمع جبرائيل (ع) إبراهيم الخليل على نبينا وآله وعليه الصلاة والسلام، يقول: "يا كريم العفو" فقال له: أو تدري يا إبراهيم ما كرَمُ عفوه؟ قال: لا يا جبرائيل: قال: إن عفا عن السيئة كتبها حسنة. إنّ الذنوب تُحدِثُ في النفس ضيقاً، وكثيراً ما تُسبب في حدوث الاضطراب والقلق، وتشويش البال، وقد يستولي الهمّ على قلب الإنسان، ويهجم عليه الحزن لما اقترفت يداه وما عمل من معاصٍ.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 148
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 دوافع العمل
 الآداب المعنوية للدعاء
 التجارة الرابحة مع الله تعالى
 شهر رمضان.. فرصة لتهذيب النفس
 رباط المودة والإخاء
 رمضان.. شهر العبودية والخشوع
 خير وسيلة لإصلاح المجتمع الدعاء
 الله تعالى.. منبع كل سعادة وطمأنينة
 العزة.. قوة وصلابة من الله تعالى
 الخشية الدائمة من الله

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا