الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
التحوّلات الفكرية والنفسية والعملية للصوم

2016/06/17 | الکاتب : عمار كاظم


في مضمون الحديث: "لا يكنْ يومُ صومِك كيوم فِطْرِكَ"  لفتة حركية تغييرية جديرة بالتأمُّل، وكلمة (يوم) قد يُراد بها اليوم الواحد أو الأيام، أي لا تكن أيام صيامك كأيام فطرك في الاستسلام للعادات نفسها، ولأوقات الاسترخاء نفسها، وللتعاملات الروتينية نفسها، وللأخلاق المبرمجة الباردة نفسها.. ليكن يوم صومك وأيامه (انتقالة) عملية، و(منعطفاً) سلوكياً، وتغييراً في البرنامج الرتيب، لتحظى من عطاءات وبركات الصيام بأكثر من الجوع والعطش، أو تحقيق الامتثال لإرادة الله تعالى في الالتزام والوفاء بالفريضة، وإن كان هذا بحد ذاته ليس قليلاً، أو هو علامة فارقة لأيام الصوم عن غيرها، ولذلك قال تعالى كما في الحديث القدسي: "كلّ عمل ابن آدم له إلّا الصوم، فهو لي وأنا أجزي به" ، فلماذا كان الصوم له في حين إنّ كل أعمال الإنسان التقريبية أو العبادية المخلصة هي له؟ تتلخص الإجابة في الآتي:-

1- الصوم هو العبادة الوحيدة التي تخلو من (الرِّياء) لأنّ الصائم إذا لم يُخبر غيره أنّه صائم، فلا أحد يعرف بصومه إلّا الله، على خلاف كل العبادات الأخرى التي تتمظهر بمظاهر خارجية تكشف عنها أو تشير إليها.

2- الصوم هو العبادة الوحيدة التي لم تُقدَّم للأصنام والأوثان، فقد يُصلّى إليها، وقد يُحجّ إليها، وقد يُنذَر إليها، ويُنفَقُ من أجلها.. أما أن يصوم عبدُ صنمٍ لصنمه فهذا ما لم يحدِّثنا به تاريخ العبادات.. إنّها عبادة خاصة ومختصّة بالله الواحد الأحد.

3- الصوم متعدِّد الأبعاد، فهو ليس صوم (المعدة) فقط، بل صوم (اللسان) عن اللغو، حيث ورد عن الإمام علي (ع): "صوم القلب خير من صيام اللسان، وصيام اللسان خير من صيام البطن" ، ويقول (ع): "صيام القلب عن الفكر في الآثام، أفضل من صيام البطن عن الطعام" ، وصوم (الفكر) عن الأفكار الشيطانية المدمِّرة للإنسان والبذاءات والإفتراءات والتقوّلات، وصوم (النظر) عمّا لا يحلّ، وصوم (اليد) عن السرقة والعدوان، وصوم (التعامل) عن الغش والخداع والتمويه والإغراء والتغرير والتزييف والتزوير، وصوم (النفس) عن قبائح الأخلاق وسيِّئات التصرُّفات.. هو صوم حياتيّ شامل، وتبعاً لذلك فهو أقدر العبادات على بناء المناعة (التقوى): ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة/ 183).

تقول السيِّدة فاطمة الزهراء (ع): "ما يصنع الصائم بصيامه إذا لم يصن لسانه وسمعه وبصره وجوارحه".

4- آثار الصوم (ذاتية) داخلية في تقوية جهاز المناعة النفسي والروحي لدى الصائم، و(موضوعية) خارجية في الإحساس بآلام الجياع والبؤساء والضعفاء والمستضعفين، بل يمتد أثره ليس إلى الدنيا فقط، بل إلى الآخرة أيضاً: "واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع وعطش يوم القيامة" ، كما في الخبر عن رسول الله (ص).

5- الصوم أقدر العبادات عن الكفّ أو الإمساك أو الإمتناع عن الشهوات، ليس المحرَّمة فقط، بل تقنين المحلَّلة أيضاً بحيث تؤخَذ بحساب لا بإستغراق واستهلاك واسترسال. وبكلمة، فإنّ الصوم هو معيار من معايير الأخلاق. يقول الإمام علي (ع) في سبب فرض فريضة الصوم: "فرض الله الصيام ابتلاءً لإخلاص الخَلقْ".

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 135
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 حاجتنا إلى التسامح
 وصية الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)
 عاقبة الصبر
 حصانة الشباب بتقوى الله
 سموّ الإمام الصادق (ع) بعلمه ومعرفته
 مسـؤولياتنا اليوم كشبّان
 منهج الإمام الصادق (ع) التربوي
 الإمام جعفر الصادق (ع).. إمام العلماء وأستاذ الفقهاء
 الإجازة الصيفية.. متعة، فائدة وإنجاز
 مفهوم التسامح ودرجاته

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا