الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الدور الوحدوي للدعاء

2016/06/19 | الکاتب : عمار كاظم


الدعاء هو حلقة الوصل بين العبد وربّه متى افتقدها أو أغفلها فقد تاه في أزقة الضلال الملتوية، لا يمكنه الخروج منها إلّا باستعادتها بلطف من الله وإرادة وتصميم من العبد. يذكر أنّ للدعاء في اللغة معانٍ كثيرة منها: الدعاء هو (الرغبة إلى الله...)، وفي القرآن الكريم يحتمل معانٍ عديدة منها، (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (يونس/ 25). (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ* تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ) (غافر/ 41-42). (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة/ 186). لذلك فإنّ الدعاء طلب من العبد واستجابة من الربّ أو توجه من العبد نحو ربّه وإقبال من ربّ العزة نحو عبده. وضرورة الدعاء في الحياة تتجسد في بعدين، البعد المادي والبعد المعنوي: أما الجانب المادي فإنّ الإنسان فطرياً يلتجئ إلى الدعاء في احتياجاته الدنيوية: لرفع الفقر والمرض والخوف ولدفع التحديات التي يواجهها من الآخرين تمسكاً بالطرق العملية للدعاء. ولزرع الطمأنينة عنده والثقة بالنفس في مواطن اهتزازها. أما الجانب المعنوي: فهو أمير غير مادي، قد لا يستطيع الإنسان وصفه، كالحركة نحو الكمال والعشق القلبي الذي يجر الإنسان نحو مركز القوى والشوق إلى الاتصال بعالم يؤمن به كلّ الإيمان وهو غير قادر على توصيفه؛ لأنّ هذا الوجود يحيط به من كلّ جانب. وهذا ما يشير إليه القرآن الكريم: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (ق/ 16)، (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ) (الواقعة/ 85). إذاً للدعاء في حياة الإنسان معنى الانفتاح على الله والإقبال عليه في إحساس عميق بالحاجة إليه على أساس الفقر الذاتي المتمثل في عمق كيانه والعبودية التي توحي بانسحاق وجوده أمامه وذوبان إرادته أمام إرادته.. وهو في الوقت نفسه – عبادة حية متحركة لا تخضع لتقاليد العبادة فيما هو الزمان المحدود، والمكان المعين والكلمات الخاصة والأفعال المحدّدة.. بل يأخذ الإنسان حرّيته – معها – في الوقت الذي يختاره وفي الحالة التي يكون عليها وفي المكان الذي يقف فيه وفي الكلمات التي يختارها وفي اللغة التي يتحدث بها، وفي المضمون الذي يعبّر عنه... فيستطيع أن يدعو ربّه قائماً وقاعداً ومضطجعاً وسائراً وواقفاً و... في الصباح وفي المساء وفي الظهيرة، في قضاياه الصغيرة والكبيرة وفي أحاسيسه الذاتية، ومشاعر المتصلة بالآخرين. إنّ الدعاء هو روح الدين وبدونه لا معنى للدين في نفوس المؤمنين ولن تجد ديناً لا يشتمل على أدعية خاصة وعامة.

إنّ الإيمان بالله الواحد الأحد هو أساس الأديان السماوية، والدعاء هو الباب التي يأتي العبد منها ليناجي ربّه ويرتبط به ويدعوه كيف ما يحلو له، به يرتفع العبد من أدنى مراتب الوجود المادية إلى أعلى درجات السمو ليقترب إلى العرش الربوبي ويصل إلى قاب قوسين أو أدنى. الدعاء يحمل في طياته أروع المفاهيم التربوية والحكم العقلانية والصلابة الإيمانية. فيه يتحول الخطاب من محطة سفلية ودنية إلى جانب ربوبي، علوي يكشف الإنسان كلّ ما لديه من أسرار خفية على بني نوعه، ليتخلى عن رذائل الصفات المستورة ويتحلى بأفضل النعوت الموهوبة من ربّ رحيم لتجسيد الخلق والخلق العظيم في أضيق بقعة من كائنات ربّ العزة والعظمة. فالدعاء فعل الجميع بلسان وقلب، عالم وجاهل، أسود وأبيض لا ينحصر في مكان ولا زمان ولا مذهب وقومية مدرسة ودين، ولا بصغير وكبير (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الحشر/ 24)، هو صلة الوصل بين العبد والمعبود، هو شعار الحرّية والسيادة، والخلاص من كلّ قيد ما سوا الله وهو لب الإيمان وأساس التقوى ونهج العبادة. فكلّ ما يكتب عن الدعاء هو قطرة في بحر عطائه ولا يمكن لنا إلّا الغور في أعماق هذا البحر واستخلاص درة ثمينة من جوفة لنزيِّن قلوبنا وعقولنا بها، نجعلها مناراً لحياتنا في الدنيا ومزرعة لآخرتنا.

الوحدة، دعوة للتعاليم الإسلامية: إنّ المنطق القرآني في جميع أبوابه يدلنا على وحدة مترابطة بين بني البشر ويهدي الإنسان إلى الإيمان بوحدة نوعية إنسانية تقوم على السنن الإلهية الشاملة للجميع، لتكوين أسرة واحدة ألا وهي أسرة التوحيد، موصولة الحلقات ورائد هذه الأسرة وأبوها إبراهيم خليل الرحمن (ع) بقوله تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (الحج/ 78)، ورسول الله خاتم الأنبياء في هذه الأسرة وبه تختم رسالات الله وهذه الأسرة هي الشجرة الطيبة (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (إبراهيم/ 24-25)، الممتدة الجذور، المباركة الأغصان والفروع، طيبة الثمار، ممتدة في التاريخ واحد بنص القرآن: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء/ 92)، (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) (المؤمنون/ 52). وللقرآن اهتمام بالغ بإبراز وحدة هذه الأسرة وتماسكها وتمتين العلاقة بين شرائح وأجزاء هذه الأسرة الواحدة، وتعميق العلاقة داخلها ويدخل هذا الاهتمام بين شرائح وأجزاء هذه الأسرة الواحدة، وتعميق العلاقة داخلها ويدخل هذا الاهتمام في صلب منهج التربية الإسلامية في الإشعار بوحدة هذه الأسرة، وفي تعميق الإيحاء بالانتماء إليها قدوة وأسوة في حياة الناس. لذلك نشاهد تعاليم الإسلام في الأحكام والأخلاق والمعاملات تتجه نحو هذا المشروع الإلهي الوحدوي للتأكيد على نهج التوحيد في كلّ مجالات الحياة، وقد كان التشريع العبادي السماوي للصلاة والصيام والحج و... في كلّ تفاصيله يحمل روح الوحدة، ويبعد عن التفرد والانفراد والتفرق، وكذا في المعاملات من تشريع الزكاة والضرائب والحث على الصدقات يصب في المنهج ذاته وأيضاً هي الآداب الأخلاقية لا تنفصل عن هذا الاتجاه فكان من الأولى أن يكون الدعاء والذي هو روح الدين كما ذكرنا أن ينحو في هذا الاتجاه.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 191
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 تنمية الحوار عند الشباب
 الوعي بدور العاملين في المجال الإنساني ومساندتهم
 تجسيد معاني الوحدة في فريضة الحج
 دحو الأرض.. يوم مبارك وواقعة جليلة
 المروءة في شخصية الإمام الجواد (ع)
 اليوم العالمي للعمل الإنساني
 إضاءات من شخصية الإمام الجواد (ع)
 دعوة إلى التكاتف والتآلف والوحدة
 الزهد من كمالات الأخلاق
 البعد الروحي في فريضة الحج

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا