الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
العفو والمغفرة.. ميزة الشهر الفضيل

2016/06/21 | الکاتب : عمار كاظم


العفو من الصفات الحميدة التي يتحلى بها الإنسان لأنّها لا تصدر إلّا من نفس كبيرة راجحة العقل صبرت على اعتداء الغير وأذاه. إنّ اعتداء الغير علينا لا يكون إلّا من نفس مريضة حجب الشرّ صوابها فأجدر بنا أن نغفر لها. إنّنا كثيراً ما نخطئ فنفتقر إلى العفو والغفران، وإن لم نغفر لمن أساء إلينا فلا يُغفر لنا، وإن أردنا الانتقام من المعتدي فلننتقمن بالإحسان إليه بأنّ مقابلة الإساءة بالإحسان تنزع من المعتدي البغضاء وتتركه مندهشاً فيرتد غالباً عن غيه وتنقلب بغضاؤه إلى مودّة. ولهذا مدح الله العفو في كثير من المواضع في القرآن كقوله: (وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التغابن/ 14). ووصف الله المؤمنين الصادقين بقوله: (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) (الرعد/ 22). أي يدفعون بالعمل الصالح السيء من الأعمال. ودعا الله إلى مقابلة شرور النّاس بالإحسان إليهم لأنّ ذلك داعية إلى نزع العداوة من قلوبهم وإحلال المودة مكانها: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصّلت/ 34). ولما كانت بعض النفوس جبلت على الاعتداء، فقد وضع الإسلام علاجاً لها لمنعها من التمادي في غيّها، وهو مقابلتها بالمثل بدون إسراف أو ظلم، ولكن بالرغم من هذا لم يغفل من ترجيح العفو. قال الله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) (النحل/ 126).

وقال سبحانه: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ* وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ* إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمُورِ) (الشورى/ 40-43). هذا هو مذهب الإسلام في العفو وانّ ما دعا إليه الإسلام هو ما تدعو إليه الفطرة السليمة ، وذُكر العفو في القرآن والقصاص أيضاً  ونذكر هذه المعادلة حيث لا شكّ انّ الإنسان إذا عفا وهو متمكن من القصاص كان عفوه فيه رحمة وعزّة أما إذا دعوناه إلى العفو من أوّل الأمر، ولم نجعل له حقاً في القصاص، فإنّ استجاب – وقلّ ما يستجيب – فعل ذلك وهو برم وساخط، لأنّه عفو الضعف لا عفو المقدرة والعزة كما دعا الإسلام. والعفو كما دعا إليه الإسلام يؤدي في كثير من الأحيان إلى صداقة قوية بين المتخاصمين، لأنّ المعتدي يؤلمه هذا العفو من قادر على القصاص فيعمل على إرضائه ومحو أثر الاعتداء من نفسه. إنّ خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد (ص) إنما أرسله العليم الخبير رحمة للعالمين كافة بشيراً ونذيراً وقد كان الرسول الأعظم (ص) حريصاً أشد الحرص على أداء رسالته تجاه الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور في كلّ حقل من حقول الحياة المترامية الأطراف (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة/ 128).

ولقد قال صاحب الخلق العظيم والقلب الرحيم الكثير في شهر الله ولكن أشهر ما قاله (ص) هو الخطبة التأريخية الجامعة التي تشكل في حقيقتها برنامجاً كاملاً لتكامل الإنسان فرداً ومجتمعاً. ومن الخطبة التي يرويها علي بن موسى الرضا (ع) عن آباءه - عليهم السّلام - عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب حيث يبدأ الرسول الأعظم (ص) خطبته التي ألقاها قبيل حلول شهر رمضان بقوله: "أيّها الناس انّه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيّامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، وهو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجعلتم فيه من أهل كرامة الله.." أجل انّ الرسول الأكرم (ص) يؤكد امتياز شهر رمضان على سائر شهور السنة في كثير من مواقع هذه الخطبة الجامعة الرائعة، منها قوله فيها وبعد تلك البداية الكريمة المباشرة: "أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب...". ثمّ يقول في موقع آخر من هذه الخطبة التأريخية: "أيها الناس: من حسّن منكم في هذا الشهر خلقه كان له جوازاً على الصراط يوم تزل فيه الأقدام، ومَن كف فيه شره كف الله عنه غضبه يوم يلقاه، ومَن قطع فيه رحمه قطع الله عنه رحمته يوم يلقاه، ومن تطوع فيه بصلاة كتب الله براءة من النار، ومَن أدى فرضاً كان له ثواب مَن أدّى سبعين فريضة فيما سواه من الشهور، ومن أكثر فيه من الصلاة عليَّ ثَقَّل الله ميزانه يوم تخف الموازين ومن تلا فيه آية من القرآن كان له مثل أجر مَن ختم القرآن في غيره من الشهور..". وهكذا يمضي الرسول الرؤوف الرحيم لبيان ما يمتاز به هذا الشهر العظيم على سواه من الشهور في هذه الخطبة العظيمة التي ألقاها في أواخر شهر شعبان. وقد ذكر الرسول القائد (ص) امتيازات أخرى لهذا الشهر في غير هذه الخطبة، كما ذكر الأئمة الهداة كذلك. ومن هذه الامتيازات هي انّ شهر رمضان كان ظرفاً لنزول القرآن العظيم وكلّ الكتب السماوية الأخرى التي سبقته. مما يشير إلى ما ذكره الرسول في بداية الخطبة إلى جانب من جوانب البركة التي يعنيها. يقول صادق أهل البيت (ع): "نزلت التوراة في ست مضين من شهر رمضان، ونزل الإنجيل في أثنى عشر مضت من شهر رمضان، ونزل الزبور في ثماني عشر مضت من شهر رمضان، ونزل الفرقان في ليلة القدر". إنّ هذا الشهر عظيم مبارك بكلّ ما تعني كلمة عظيم ومبارك من المعاني، ولهذا يجب أن نغتنم جميعاً هذه الفرصة الذهبية من العمر للعودة الصادقة المخلصة إلى الله ربّ العالمين، وإلى منهجه القويم لبناء أنفسنا وتغيير ما بها ليغير الله ما بنا وبواقعنا ويغير سوء حالنا بحسن حاله. انّ هذه "الامتيازات و"الخصوصيات" التي ذكرت والتي لم تذكر لهذا الشهر فرصة الإنسان المؤمن إن كان يريد أن يقتدم على طريق الخير والصلاح والهدى والاستقامة... فرصة لاستنقاذ نفسه من ثقلة الأرض وجاذبية الضرورات، والتحرُّر من سيطرة الغرائز والشهوات، وإعطاء القيادة للعقل والدين، وإعلاء (نفخة الروح) على (قبضة الطين). إنّ الامتيازات والخصوصيات التي ذكرها الرسول الأعظم (ص) في خطبته المذكورة وفي غيرها من الكلمات والخطب له ولأهل بيته الكرام (ع) تعني: انّ الخالق سبحانه وتعالى رؤوف بالعباد رحيم يريد لهم الخير والسعادة والطهر والفلاح، وقد ورد في القرآن العظيم: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا) (الأنعام/ 160). وورد في الحديث الشريف: "مَن تقدم إليَّ شبراً تقدمت إليه ذراعاً، ومَن تقدّم إلي ذراعاً تقدمت إليه باعاً، ومَن جاءني مشياً جئته هرولة".

وهذه النصوص وغيرها تحث الإنسان الخطى ليغذِ السير على طريق الله اللاحب طريق الخير والهدى لبناء الذات وبناء الحياة. انّها فرصة إلهية و"إضاعة الفرصة غصة" كما يقول أمير المؤمنين (ع): "انّ الفرص تمر مرّ السحاب" وعلينا أن نغتنم "الفرصة الممتازة" (فرصة شهر رمضان) لنحقق "الشرط" الذي اشترطه رب العالمين علينا شرط (تغيير أنفسنا على ضوء هداه ليتحقق الجزاء).. تغيير واقعنا (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرّعد/ 11). انّ "امتياز" شهر رمضان على غيره من الشهور بكثير من "الامتيازات" ينبغي أن يكون دافعاً لنا وحافزاً على وضع برامج لتربية أنفسنا أفراداً ووضع خطط لتربية أبناء أُمّتنا الناهضة، (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) (التوبة/ 105).

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 141
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 الزهراء (ع) قمة في العطاء والصبر
 سيدة نساء العالمين بفضائلها
 إدارة الوقت.. رضا ونجاح
 أسباب نشوء التمييز العنصري
 الحث على عمل المرأة
 مكارم أخلاق فاطمة الزهراء (ع)
 الزهراء (ع).. مظهر حي للقيم الفاضلة
 الشباب.. عطاء وطموح
 شذى وأريج الصلاة
 النصف الجميل من المجتمع

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 فوائد زيت السمسم
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا