الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الورع.. أفضل الأعمال في الشهر الكريم

2016/06/22 | الکاتب : عمار كاظم


قال رسول الله (ص) في خطبة شهر رمضان: "أيّها النّاس: إنّ أبواب الجنة في هذا الشهر مفتحة فاسألوا ربكم: أن لا يغلقها عليكم وأبواب النيران مغلقة فاسألوا ربكم أن لا يفتحها عليكم، والشياطين مغلولة فاسألوا ربكم أن لا يسلطها عليكم، قال أمير المؤمنين (ع) فقمت وقلت يا رسول الله ما أفضل الأعمال في هذا الشهر؟ فقال رسول الله (ص): يا أبا الحسن أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله". محور أهداف الرسالة السماوية صناعة الإنسان الملتزم والمجتمع المنضبط ضمن ضوابط شرعية تحدد سلوكياته ليؤدي واجباته وينال حقوقه فيكون الفرد المسلم محدد السلوك مع نفسه وطموحاته ومع مجتمعه وبيئته ومع ربه وعقيدته وهذه الصناعة الالتزامية للمؤمن ليست سهلة وإنما هي عين الجهاد الأكبر ألم يكن جهاد النفس هو الجهاد الأكبر كما هو معروف في حديث النبي الأعظم (ص) وذلك لأنّ الإنسان يتألف من جانبي النفس كما يصف ذلك القرآن المجيد: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس/ 7-10). وعليه أنّ هنالك صراعاً دائماً بين الفجور والتقوى بين الشر والخير وإن شئت فقل إنّ الصراع مستمر بين القوتين دون هدنة أو توقف فالنفس الإمارة بالسوء تدفع باتجاه إشباع الغرائز وتدعم جانب الفجور (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي) (يوسف/ 53). والعقل يدفع باتجاه الالتزام ليقوي جانب الخير وينمي حالة التقوى أو على الأقل ينير الدرب للإنسان ليقرأ ختام الإطاعة للنفس فالطعام والشراب والحاجة الجنسية والطموح السياسي والعلمي لابدّ أن يدخل إلى تحقيقها الإنسان عبر القنوات المشروعة من دون التواءات سلوكية كما تأمر النفس الأمّارة بالسوء وبالنتيجة ترفع هذه الرؤية العقلية إلى الإرادة الحاسمة للموقف ومن المؤكد أنّ الشريعة الإسلامية فيها بيان ومعالجات تلائم الحالة النفسية للإنسان لإشباع غرائزه وطموحاته لصالح صناعة الإنسان وتهذيب تطلعاته. المهم إنّنا نلاحظ غالباً إنّ النفس غير المؤمنة تقحم الإنسان في طرق الآثام والانحراف بعد أن يتضاءل نداء العقل أمامها وشيئاً فشيئاً ينتهي اللوم والعتاب بمرور الزمن وتراكم الذنوب والجرائم (النفس اللوامة) ومن ثمّ تأتي عجلات الغرائز النفسية لتسحق العقل ونداءاته بل تهيأ الأجواء للعقول بصورة معينة ليستخدم من قبل هوى النفس فيخطط حينئذ العقل لتنفيذ مآرب النفس فيقع المكر والخداع. من هنا يأتي الإسلام لينقذ الإنسان من التخبط في صراعه الداخلي والندم حين انتصاره لشهواته فيأتي ليهذب الميول النفسية ويبعها بالطرق المشروعة فيقوي جانب العفاف والإيمان والالتزام في نفس الوقت يفتح القنوات المشروعة للغرائز والمتطلبات وحالة الصراع هذه تجعلك دائم الخوف والرجاء لأنك لا تدري أثر بعض الذنوب التافهة والصغيرة في ظاهرها لكنها تتراكم لتصل إلى مستوى معين يتجرأ فيها العبد على ارتكاب الكبائر فالطرق الصحيحة لقطع دابر هذه الحالة أن نمدد اللحظات الإيمانية التي نحصل عليها بالإشراقة النيرة في القلب إلى كلّ العمر في الحياة وهذا طموح ما بعده طموح لذلك (اللّهمّ أحسن عواقب أمورنا) من الشعارات الطموحة في الدعاء. وبالفعل لا نعرف العاقبة والمصير المنتظر فقد نرتكب ذنوب خفية لا ندرك آثارها حالياً بل قد تملي علينا بالمستقبل قراراً منحرفاً بذرتُه الأولى زرعتْ في القلب من زمن بعيد أيام الذنوب الصغيرة لذلك يقول القرآن الكريم: (وَذَرُوا ظَاهِرَ الإثْمِ وَبَاطِنَهُ) (الأنعام/ 120). وإنّ رسول الله (ص) نزل بأرض قرعاء فقال لأصحابه: "ائتونا بحطب؟" فقالوا: يا رسول الله نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب قال: "فليأت كلّ إنسان بماقدر عليه" فجاؤوا به حتى رموا بين يديه بعضه على بعض فقال رسول الله (ص): "هكذا تجتمع الذنوب" ثمّ قال: "إيّاكم والمحقرات من الذنوب...". وفي الحديث الصغائر من الذنوب طرق إلى الكبائر ومن لم يخف الله في القليل لم يخفه في الكثير. المهم أنّ الشريعة الإسلامية تعتني بهذه المسألة الجوهرية التي تحدد مصير الإنسان فتحاول وباختيار الإنسان (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة/ 256)، أن تظهر جانب العقل والهدى في الإنسان وتتوجه بالشريعة السمحاء لتتم صياغة الإنسان وتضبط سلوكه وتصرفه ولكي لا يصطدم الإنسان في هذه المعركة المستمرة وينهزم لابدّ من تطهير نفسه تماماً من بواطن الإثم وتزكية القلوب من أخطر حالة يتعرض لها الإنسان والمجتمع. ومن أبرز الوسائل التي يهدينا إليها القرآن الكريم والسنّة الشريفة للنبي (ص) وسيرة الأئمة الأطهار وسيلة الرقابة الذاتية والمحاسبة النفسية لكلّ التصرفات والسلوكيات التي يمارسها الإنسان في حياته هذه المحاسبة الوجدانية والشعورية تؤدي إلى عملية البناء الذاتي للإنسان والصياغة الدقيقة لشخصيته.. يقول القرآن المجيد: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) (الحشر/ 18). ويقول الرسول (ص): أكيس الكيسين مَن حاسب نفسه وعمل لما بعد الموت وأحمق الحمقاء مَن اتبع هواه وتمنى على الله الأماني، وفي الحديث: قيدوا أنفسكم بالمحاسبة ومالكوها بالمخالفة، حاسب نفسك لنفسك فإنّ غيرها من الأنفس لها حسيب غيرك. ليس منا مَن لم يحاسب نفسه في كلّ يوم فإن عمل خيراً استزاد لله منه وحمد الله عليه وإن عمل شراً استغفر الله منه وتاب إليه. من حاسب نفسه على العيوب وقف على عيوبه وأحاط بذنوبه واستقال الذنوب وأصلح العيوب، ثمرة المحاسبة صلاح النفس. وهكذا فإنّ الإنسان – ممّا لا شك فيه – يخضع لعوامل الترغيب والترهيب فهو معرض للخوف والحزن والفرح وهذه العوامل مناسبة لنزعات الإنسان الخاصة فهو حينما يشعر بمستقبل مجهول ينتظره في القبر أي البرزح ويوم القيامة أو أنّه مجهول المستقبل القريب في الدنيا أيضاً فهو معرض للمرض والنكبة والهجرة وسلب الحقوق وتبدل الصحة والأمان أليس كذلك؟ كلّ ذلك يدفع بالإنسان نحو التفكير الجدي بهذا المستقبل – تفكير ساعة خير من عبادة سبعين سنة وبما أنّ الظالم والمظلوم في الحياة، نتيجة طبيعية لنزعات الإنسان الداخلية فنلاحظ أنّ من العدل الإلهي إنّ الصراع الداخلي في ذات الإنسان وصراع الإنسان مع الإنسان في الدنيا هذا الصراع لا ينتهي فمن العدل الإلهي أيضاً أن يستمر أثر الصراع إلى عالم الآخرة ليتم الاقتصاص من الظالمين (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) (الطارق/ 9)، ويحدثنا القرآن العظيم: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (آل عمران/ 169). وحينما كان يمر الرسول الأعظم على أصحابه المعذبين تحت سياط الظالمين في بداية الدعوة في مكة يلتفت إليهم قائلاً – صبراً آل ياسر، موعدكم الجنّة – وهناك في الآخرة ستكون المشاهد أكثر إثارة من الدنيا ويوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم. فإذن حالة الابتعاد عن الآثام حتى الصغائر منها وكف الشبهات عن النفس من أبرز الوسائل المؤدية إلى تزكية القلب والترغيب بثواب الله وغفرانه من جهة والتهديد بوعيده وعقابه كلّ ذلك لغرض الصياغة السليمة لشخصية الإنسان المؤمن ولا يفهم من الكلام إنّ ذلك للتسلية النفسية بل إنّه أمر فعلي قائم وكلّ إنسان يؤدي دوره واليوم عمل بلا حساب وغداً حساب بلا عمل. فسلاحنا صناعة الإنسان المقاوم للشيطان والهوى والدنيا، صناعة الإنسان الملتزم والمطيع لقرارات الشريعة المباركة. فهو يشعر بإنسانيته ويحترم أبويه وجواره ورحمه والكبير والصغير ويرتبط بالبيئة والمجتمع والثقافة وتأريخه وعقيدته الارتباط الهادف. وهذا الهدف هو طموح الأنبياء والمصلحين. وبعد هذه المقدمة نعود إلى مفردات المقطع السادس من خطبة الرسول (ص) لشهر رمضان المبارك. "أيها النّاس: إنّ أبواب الجنّة في هذا الشهر مفتحة فاسألوا ربكم أن لا يغلقها عليكم وأبواب النيران مغلقة فاسألوا ربكم أن لا يفتحها عليكم والشياطين مغلولة فاسألوا ربكم أن لا يسلطها عليكم". هذا العطاء المتميز لهذا الشهر العظيم يوفر أجواءاً في غاية الرأفة والرحمة فهو شهر الله وشهر الطاعة وفيه تتم عملية البناء للإنسان وصناعة الوجدان الخيّر فالالتزام والطاعة والتقرب إلى الله لابدّ لهذه القيم المقدسة من أجواء مناسبة تخلص فيها النية وتصدق الأعمال وهذه الأجواء الإيجابية تساعد الإرادة الإنسانية لكبح جماح الشهوات النفسية والانتصار للعقل والخير والصلاح وفي هذا المقطع نشاهد الترغيب والترهيب بأسلوب رقيق يتناولهما النبي (ص)، فأذن شهر رمضان بمثابة الصفحة الجديدة في حياة الإنسان هذه الصفحة فيها مميزات خاصة وضيافة من نوع خاص فأداء العبادة والكف عن الطعام من جانب ولأنّ الإنسان في صراعه الداخلي قد يرتكب شعورياً أو لا شعورياً بعض الآثام فتترك آثارها في القلب والسوك من جانب آخر كان من لطف الله بعباده أن يجعل هذا الشهر كمصحة روحية تحترق فيه الذنوب وتنمو فيه الحسنات والملكات الإيجابية لمقاومة الشياطين والأهواء خلال الأشهر القادمة فإذن هذا هو الحظ الجميل والتجربة والخبرة لو استثمر الإنسان هذا الموسم المبارك فالله عزّ وجلّ ينظر برأفة وحنان ولطف هذه النظرة تختلف عن بقية أيام السنة وأهم ما يحيط بالإنسان التفكر بالمستقبل المجهول فتأتي كلمات النبيّ (ص) بلاسم الشفاء على جروح الإنسان المتطلع إلى رحمة ربه، فأبواب الجنة مفتحة وأبواب النيران مغلقة. ومن ثمّ ما يواكب الإنسان من وساوس الشياطين فإنّ الشياطين مغلولة في هذا الشهر العظيم ولابدّ من إتيان الطاعة والانقياد لتعاليم الله وأوامره كي تستمر حالة الرحمة هذه على الإنسان وإلّا فستفتح أبواب النيران وتغلق أبواب الجنان وتنطلق الشياطين لتوسوس للإنسان بالشر فهذه إذن عوامل مساعدة للإنسان لاتخاذ الموقف الإيماني والعوامل المساعدة هذه – أبواب الجنّة مفتحة وأبواب النيران مغلقة والشياطين مغلولة – خاصة لهذا الشهر الكريم ولابدّ من الدعاء والتوسل إلى الله وأن نسأله أن يتقبل أعمالنا لتبقى هذه العوامل المساعدة على استمراريتها لتوفر لنا نعمة الهداية بل لتساعدنا على الإيمان والإخلاص. من الأفضل أن ندرسه في الأحاديث والروايات لنتعرف عن قرب على معنى الورع وآثاره ومن هو الورع – يقول الرسول (ص): "جلساء الله غداً أهل الورع، والزهد في الدنيا، كف عن محارم الله تكن أورع الناس". فإذن الورع يعني الابتعاد عن الخطايا والآثام والمعاصي أي الخوف من الله عزّ وجلّ لا من غيره هكذا يلاحظ الإنسان المؤمن أنّ الرقابة الإلهية تلاحقه خطوة بخطوة للحساب والسؤال هذا الخوف الإيجابي الذي يدفع الإنسان للنمو الإيماني والالتزام بالمبدأ الإسلامي بينما نرى الذي لا يخاف الله فإنّه يفعل القبائح في البداية يمارس الصغائر ويصر عليها حتى يأتي بالكبائر. ومحارم الله تعني نواهيه فالله أمرنا بالصدق والإيمان والإخلاص ومحبة الآخرين ونهانا عن الأخلاق السيئة وسوء الظن والكبر والعجب والظلم ففي الأثر الشريف أنّ امرأة دخلت النار بسبب هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي أطلقتها تأكل من خشاش الأرض. من هنا نفهم أنّ الورع أفضل الأعمال لأنّه أساس التقوى وبه يصلح الدين فهو الخلفية الإيمانية التي تصدر عنها كلّ أفعال الصلاح والخير وفي هذا الشهر الكريم حيث الحالة الطارئة على الإنسان أكلاً وشرباً ونوماً وعلاقات وواجبات في هذا الشهر بالذات وعلى ضوء حالة الطوارىء هذه حينما يتورع المؤمن فإنّه ستتحول حالة الورع إلى ملكة ذاتية في نفس الإنسان المؤمن بإمكانه أن يجابه حالات الانحراف في النفس والمجتمع فمن هنا نفهم أنّ الورع أفضل الأعمال في هذا الشهر الكريم.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 165
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 مفاهيم رمضانية
 التنافس في المودّة
 صحبتنا مع الشهر الكريم
 ليلة القدر.. ليلة المقادير السنوية
 الخوف والرجاء
 أُسس الإيمان الواعي
 الدعوة إلى الله في كل مجالات الحياة
 العتق من النار
 في وداع الشهر الفضيل
 التوبة إلى الله سبحانه وتعالى

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا