الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
بدر الكبرى.. مدرسة وموعظة وعبرة

2016/06/22 | الکاتب : عمار كاظم


شهر رمضان المبارك، حافل بالأحداث التاريخية الهامة، التي غيرت وجه التأريخ، وكان للمؤمنين الصابرين فيها أثر محمود، وجهاد مرير، حتى سجل التأريخ أسماءهم على مرّ الزمن بحروف من نور. حيث وقعت فيه أحداث عظيمة في تأريخ المسلمين وجهادهم ونضالهم في سبيل الحق ونصرة الدين. لقد كان فيه غزوة بدر الكبرى، وهي المعركة التي استبسل فيها المسلمون استبسالاً شديداً، وثبتوا فيها ثباتاً منقطع النظير، دفاعاً عن دينهم وعن رسولهم، وعن حريتهم، هي المعركة التي وقف فيها الإيمان والحقّ في جانب، والكفر والشرك والباطل في جانب، فتغلّب الإيمان والحقّ على الشرك والباطل، هي المعركة التي تغلّبت فيها الفئة القليلة المؤمنة على الفئة الكثيرة المشركة، هي المعركة التي ثبت فيها المسلمون، ووهبوا دماءهم وأموالهم لله ورسوله، فأيدهم الله بالنصر وأمدهم بالملائكة، وأغاثم بالسماء، فنالوا عز الدنيا، ورضاء الله. ففي السنة الثانية من الهجرة، وفي صبيحة السابع عشر من رمضان، وفي بدر التي تبعد عن المدينة من جهة مكّة مئة وستين كيلومتراً، في هذا المكان بالذات وعلى وجه التحديد، التقى جيش الإيمان بجيش الشرك، واشتبك جند الحقّ بجند الباطل، فما هي إلا جولة صادقة حتى انتصر الحقّ وأهله، واندحر الباطل وأهله «وقل جاء الحق وزهق الباطل، إنّ الباطل كان زهوقاً». لقد كان جيش المسلمين ضعيفاً في عدده وعدته وموقعه العسكري قوياً بتأييد الله ونصره، متماسكاً صلباً بوضعه النفسي والمعنوي.. ولقد تحدث القرآن الكريم والمؤرخون ومَن حضروا هذه المعركة عن النصر والإعداد الإلهي.. وعن الوضع النفسي والمعنوي المتفوق للمؤمنين على عدوهم في هذه المعركة الخالدة.. التي سماها القرآن الكريم بـ«يوم الفرقان» لأنّها كانت معركة الحسم والفصل والنصر. ذكر المؤرخون والمفسِّرون أنّ عدد جيش المسلمين في معركة بدر يزيد قليلاً عن ثلاثمائة مقاتل، وقيل هم ثلاثمائة وسبعة عشر رجلاً. بينما كان عدد المشركين يوازي الألف مقاتل، أو يقل قليلاً، وكان المشركون يملكون قوّة عسكرية مادية متفوّقة. فقد كان قوام جيش المشركين ألف مقاتل وفيه أبطال قريش وصناديدها وجلّ شجعانها ووجوه مكة وقادة الشرك والجاهلية.. فقد حشدت قريش معظم طاقتها المادية والمعنوية في هذا النفير العسكري الحاقد. مُظهِرةً خيلاءها وكبرياءها وغطرستها العسكرية. وقد استخدم الجيش في هذه المعركة مائة فرس وسعبمائة بعير، وترافقه الجوار الحسان وهن يضربن بالدفوف ويتغنين بأمجاد قريش وذم المسلمين، وقد مولت الحملة تمويلاً عسكرياً ضخماً.. فقد أنفق أغنياء مكة وأثرياؤها على هذه الحملة ما غطى حاجتها من الطعام والشراب والسلاح والخمور.. إلخ. في حين كان تسليح الجيش الإسلامي ضعيفاً، ولم يكن معهم من الخيل غير فرس واحد «كان الفرس لمقداد» أو فرسين وكان معهم من الأبل سبعين بعيراً. ومع كلّ هذا التفاوت بين المعسكرين فإنّ الله سبحانه قد وعد جنده بالنصر وخاطب رسوله الكريم بأن يحرّض المؤمنين على القتال، ويزرع فيهم روح الثقة والأمل.. وأن لا يتهيبوا من كثرة العدو.. فأنزل الله عليه قبل المعركة وهو في البيداء. (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) (الأنفال/ 65). وهكذا تتأكّد الروح المعنوية وتقوى عزيمة المجاهدين ويزداد شموخهم العسكري.. وتصبح مهمة المائة وقدرتها العسكري مقابلة الألف من المشركين.. ويتضح هذا التفوق النفسي رغم قلة العدد والعُدة، وسوء الموقع العسكري الذي كان فيه المسلمون في نتائج المعركة معركة الفرقان، بدر الخالدة.. وقد سجل القرآن الكريم هذه الموقعة العسكرية الفاصلة التي حسمت الموقف لصالح الدعوة الإسلاميّة وأوضحت الحقّ.. بقوله: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ* إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ* وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ* وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ* وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ* إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال/ 41 - 49). (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (آل عمران/ 123). إنّ الذي يدرس معركة بدر ومسيرة التأريخ الإسلامي الذي قاده الرسول (صلى الله عليه وسلم) الفاتح تتجلّى له عظمة الإسلام وقدرته على صنع التأريخ. ونصرة الإنسان المظلوم.. وهكذا كانت بدر المعركة الحاسمة.. والمحطة الفاصلة في تاريخ الأُمّة والبشرية. بدر الحدث الكبير الذي غيّر مجرى التأريخ.. وقلب ميزان القوى.. وأحدث النقلة الحضارية الكبرى.. بدر يوم الفرقان.. يوم التقى الجمعان. لقد كانت معركة بدر بداية فصل جديد.. ففيها حدثت المواجهة المسلحة بين معسكر الشرك والجاهلية من جهة وبين معسكر الهدى والإيمان من جهة أخرى. بين القائد الفذ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي أخرج من دياره متخفياً وحيداً مشرداً.. بعد أن لاقى الأذى والاستهانة والاستهزاء والتكذيب.. وبين مستكبري قريش وأصحاب القوّة والمال والنفوذ.. لقد كانت معركة بدر مدرسة وموعظة وعبرة للمستضعفين والمظلومين ودعاة هدى وإصلاح..

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 96
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 التوسّع في فعل الخير
 من وصايا الإمام الكاظم (ع)
 محمّد (ص) .. الأُمّي العالِم العابد
 المبعث النبوي .. حدث عظيم في تاريخ البشرية
 الإمام الكاظم (ع) رحابة الأفق في خُلقه
 رحلتا الإسراء والمعراج.. دروس وعبر
 الإمام علي (ع) وأوجُه العبادة
 زينب «عليها السلام».. نموذج رسالي رائد
 حاجتنا إلى التسامح في المجتمع
 كرامة الإنسان في القانون الإلهي

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا