الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
ليلة القدر.. عظيمة الشرف والمنزلة

2016/06/23 | الکاتب : عمار كاظم


الله سبحانه نزّل القرآن في ليلة عظيمة الشرف والمنزلة، هي ليلة القدر، إنّها ليلة خير من ألف شهر، لأنّها ليلة يسطع فيها نور الهدى، وتكون فاتحة التشريع الجديد الذي أنزل الخير الكثير، ويكون فيها وضع الحجر الأساس لهذا الدين الذي هو آخر الأديان، والصالح في كلّ زمان ومكان. وأي ليلة هي أعظم من ليلة يبتدئ فيها نزول القرآن، وتشرق فيها شموس المعرف الإلهية على قلب رسول السماء وخاتم الأنبياء، فوجب على المسلمين أن يتخذوا هذه الليلة عيداً لهم وولادة جديدة لتصرفاتهم في حياتهم. يقول تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ* لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ* تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ* سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) (سورة القدر). وقد جاءت التّعاليم النبويّة المستمدّة من الوحي الإلهيّ الّذي أوحى به إلى نبيّه، أو ألهمه إيَّاه، بضرورة استعداده فيها للصَّلاة والابتهال والدّعاء والانقطاع إلى الله، والتقرّب إليه بالكلمة الخاشعة، والدَّمعة الخائفة، والخفقة الحائرة، والشَّهقة المبتهلة، ليحصل على رضاه، فيكون ذلك أساساً للتَّقدير الإلهيّ الّذي يمثِّل عناية الله به ورعايته له، وانفتاحه عليه بربوبيّته الحانية الرّحيمة. وذلك هو السرّ الّذي يرتبط به الإنسان بليلة القدر، في مواقع إنسانيّته، ليلتقي ـ فيها ـ بالسرّ الإلهيّ في رحاب ربوبيّته، لينطلق الإنسان إلى ربّه قائماً وقاعداً، وراكعاً وساجداً، في إخلاصه، وفي ابتهاله وفي خشوعه، لتكون هذه اللّيلة موعداً إلهيّاً يتميّز عن أيّ موعدٍ آخر. فبإمكان الإنسان أن يلتقي بالله في كلّ وقت، ولكنّ لقاءه به في ليلة القدر شيءٌ آخر، فهي (خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ)، فالرّحمة فيها تتضاعف، والعمل فيها يكبر، والخير فيها يكثر، وعطايا الله تتزايد، وهي ـ بعد ذلك ـ ليلة السّلام الّتي يعيش فيها الإنسان روحيّة السّلام مع نفسه ومع النّاس، لأنها تحوّلت إلى معنى السّلام المنفتح بكلّ معانيه على الله، ليكون برداً وسلاماً على قلب الإنسان وروحه، ليعود طفل الحياة الباحث عن الله. إذا كان الله قد فضّل شهر رمضان على غيره من الشهور لحكمةٍ يعلمها في تنظيمه لعلاقة الإنسان بالزمن، فقد فضَّل الله ليلةً من هذا الشهر على سائر لياليه، فجعل لها ميزةً كبيرةً تتصل بالنظام المنفتح على حياة الناس في التخطيط الإلهيّ لما يقضي لهم أو يقدّر لحركتهم في الحياة في أعمارهم وأرزاقهم وأوضاعهم العامة والخاصة، من حربٍ أو سلمٍ، أو خصبٍ أو جدبٍ، أو موتٍ أو حياةٍ، أو أمنٍ أو خوفٍ، أو فقرٍ أو غنى... وهكذا كانت هذه الليلة موضعاً لحركة التقدير الإلهي، مما يمكن لنا أن نصطلح عليه ببداية السنة الإلهية التي يتحرّك فيها البرنامج التنفيذي للنظام التقديريّ لحركة الحياة والإنسان. وقد أّريد للملائكة وللروح الذي اختلف الرأي في تحديد طبيعته، أن يكون لهم دورٌ في ذلك في ما أوكله الله إليهم من المهمّات المتنوّعة الخفيّة التي لم تُكشف لنا تفاصيلُها، كما أُريد التركيز على السلام الذي يحيط بأجواء هذه الليلة، في ما يُلقيه الملائكة والروح من السلام على من يشاء الله من عباده أو في ما يثيره من أجواء السلام الذي يخيّم على القلوب بالطمأنينة والصفاء، ليعيش الناس معها تجربة الروح الخالية من العناصر السلبية التي توحي بالعداوة والبغضاء عندما يتفرّغون لعبادة الله في دعائهم وابتهالهم وصلاتهم، فيتحوّل الإنسان من شخصٍ يعيش نوازع الأنانيّة في ذاته، إلى شخصٍ يعيش رحابة الإنسانية في حياته، كما يتطلع إلى آفاق الروح التي تنفتح به على كلِّ الناس من حوله عندما يتحسّس موقعه منهم في دائرة العبودية لله، ليطلع الفجر عليه، في يومٍ جديد، من أجل البدء بحياةٍ جديدةٍ خاليةٍ من التخطيط السلبيّ للعلاقات بين الناس، مليئةٍ بالتخطيط الإيجابي في تلك الدائرة، ولينطلق مع الله في قناعةٍ يقينيةٍ بقضاء الله و قدره، وفي رضى نفسى يُطمئِنُه بأنَ الله لا يريد له إلاَّ الخير في ما قَسمَه له من الرزق ومن الموقع في الحياة، فلا ينفذ إليه الشكُّ في كلِّ ذلك... وبهذا تتأكَّد علاقة المخلوق بخالقه في نطاق الإيمان المنفتح على الثقة المطلقة به، الأمر الذي يتحوّل إلى عنصر من عناصر الثبات الفكريّ والروحيّ البعيد عن أيّة حالة من حالات الاهتزاز... وهذه هى فائده الأجواء الروحيّة التي يستغرق فيها الإنسان المؤمن في ليلة القدر ليستفيد من مضمونها المنفتح على الكون والإنسان.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 251
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 قيمة الحمد والشكر لله تعالى
 انطلاقة جديدة في باب الاستغفار
 تسخير طاقة الشباب في خدمة المجتمع
 التوعية الصحية بالسلامة النفسية
 الإمام السجاد (عليه السلام).. مدرسة إسلامية متحركة
 الحسين (عليه السلام) وتلبية الأمر الإلهي
 الشباب.. الثروة الحقيقية للمجتمع
 الأمر بالعدل والإحسان
 اليوم العالمي للمعلم.. دعوة للشكر والعرفان
 الأهمية العالمية لمبدأ اللاعنف

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا