الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الإمام علي (ع).. قتيل العبرات

2016/06/26 | الکاتب : عمار كاظم


ليس الحديث عن الشهادة أو الشهيد بالأمر الهيّن، فالمسألة هنا لا تتعلق بكلام عن أمرٍ عادي يمكن التعبير عنه بجمل منمقة وعبارات مزخرفة، بل إنّ الأمر يستلزم نوعاً من المشاركة الروحية كيما يتم التواصل مع عظمة الموقف والانصهار في بوتقته القدسية. وإذا كان هذا هو حال الحديث عن الشهادة بالمطلق، فكيف يكون الأمر إذا ما كان الحديث عن شهادة أمير المؤمنين وسيد المتقين الإمام علي بن أبي طالب (ع). لقد قضى أمير المؤمنين (ع) شهيداً بالكوفة على يد شر خلق الله عبد الرحمن بن ملجم وهو من الخوارج وذلك في الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، وكان له من العمر يومئذ ثلاث وستون سنة قضاها في سبيل الله ومن أجل إحلال العدل وإقامة حكم الله في الأرض.

عليٌّ هذا، هو ابن عم الرسول (ص) وخليفته وزوج ابنته فاطمة سيدة نساء العالمين وأبو السبطين الشهيدين الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة وريحانتي الرسول (ص). وهو أول من آمن برسالة النبي ودعوته، وأول من صلى معه، كما أنه لم يسجد قط للأصنام، وهو الذي افتدى الرسول بروحه إذ بات على فراشه يوم تآمرت القبائل وتألبت لقتله. ولقد قال فيه الرسول (ص): "عليٌّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ يدور معه حيثما دار". وقال أيضاً: "يا عليّ أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ انه لا نبي من بعدي".

هذه المزايا الفريدة التي تُعدُّ غيضاً من فيض الخصائص المتميزة لهذا الإمام تكشف بعض جوانب شخصيته الفذة وبلوغه قمة الكمال الإنساني. ففي سكون الليل وهجعة الناس كان عليّ يقوم في جوف الليالي الحالكات يتعبد ويناجي ربه في بيت الله ، فيتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ويقول:  "إلهي إنك كما أحب فاجعلني كما تحب يا رب العالمين". يغشى عليه المرة تلو المرة من خشية الله وتجليات عظمته.

وفي إحدى ليالي شهر رمضان لعام أربعين للهجرة، وهي ليلة التاسع عشر منه جاءت ابنته أم كلثوم وقدمت إليه عند إفطاره طبقاً فيه قرصان من خبز الشعير وقصعة فيها لبن وملح خشن، فلما فرغ من صلاته أقبل على فطوره، فلما نظر إليه وتأمله حرّك رأسه وبكى بكاءً شديداً عالياً، وقال: "يا بنية ما ظننت أنّ بنتاً تسوء أباها كما قد أسأتِ أنت إليّ"، قالت: وماذا يا أباه؟ قال: "يا بنيّة أتقدمين إلى أبيك إدامين في طبقٍ واحدٍ؟ أتريدين أن يطول وقوفي غداً بين يدي الله عزّ وجلّ يوم القيامة أنا أريد أن أتّبع أخي وابن عمي رسول الله (ص) ما قدّم إليه إدامان في طبق واحد إلى أن قبضه الله ، يا بنية ما من رجل طاب مطعمه ومشربه وملبسه إلاّ طال وقوفه بين يدي الله عزّ وجلّ يوم القيامة ، يا بنية والله لا آكل شيئاً حتى ترفعي أحد الإدامين"، فلما رفعته تقدم إلى الطعام فأكل قرصاً واحداً بالملح الخشن، ثم حمد الله وأثنى عليه وقام إلى صلاته فصلى ولم يزل راكعاً وساجداً ومتضرعاً إلى الله سبحانه، ويكثر الدخول والخروج وهو ينظر إلى السماء وهو قلق يتململ، ثم قرأ سورة (يس) حتى ختمها، ثم رقد هنيئة وانتبه مرعوباً، ونهض قائماً وهو يقول: "اللهم بارك لنا في لقائك" ويكثر من قول: "لا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم" وكان (ع)  قد رأى في هذه الليلة رؤيا حدّثت بها ابنته أم كلثوم حيث قال لأولاده: "إني رأيت الساعة رسول الله (ص) في منامي وهو يقول لي: يا أبا الحسن إنك قادم إلينا عن قريب، يجيء إليك أشقاها فيخضب شيبتك من دم رأسك، وأنا والله مشتاق إليك وانك عندنا في العشر الآخر من شهر رمضان".

 قال فلما سمعوا كلامه ضجّوا بالبكاء فأقسم عليهم بالسكوت، ثم أقبل يوصيهم ويأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر ثم صلى حتى ذهب بعض الليل، ولم يزل تلك الليلة قائماً وقاعداً وراكعاً وساجداً، ثم يخرج ساعة بعد ساعة يقلب طرفه في السماء وهو يقول: "والله ما كذبت ولا كذبت، وإنها الليلة التي وعدت بها ".

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 105
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 التوسّع في فعل الخير
 من وصايا الإمام الكاظم (ع)
 محمّد (ص) .. الأُمّي العالِم العابد
 المبعث النبوي .. حدث عظيم في تاريخ البشرية
 الإمام الكاظم (ع) رحابة الأفق في خُلقه
 رحلتا الإسراء والمعراج.. دروس وعبر
 الإمام علي (ع) وأوجُه العبادة
 زينب «عليها السلام».. نموذج رسالي رائد
 حاجتنا إلى التسامح في المجتمع
 كرامة الإنسان في القانون الإلهي

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا