الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الصوم تربية للإرادة وتعريف بالنعمة

2016/06/27 | الکاتب : عمار كاظم


في الصوم تقوية للإرادة، وتربية على الصبر، فالصائم يجوع وأمامه أشهى الغذاء، ويعطش وبين يديه بارد الماء، ويعف وبجانبه زوجته، لا رقيب عليه في ذلك إلّا ربه، ولا سلطان إلّا ضميره، ولا يسنده إلّا إرادته القوية الواعية، يتكرر ذلك نحو خمس عشرة ساعة أو أكثر في كلّ يوم، وتسعة وعشرين يوماً أو ثلاثين في كلّ عام. فأي مدرسة تقوم بتربية الإرادة الإنسانية وتعليم الصبر الجميل، كمدرسة الصيام التي يفتحها الإسلام إجبارياً للمسلمين في رمضان، وتطوعاً في غير رمضان؟! لقد كتب عالم نفساني ألماني بحثاً عن تقوية الإرادة أثبت فيه أنّ أعظم وسيلة لذلك هي الصوم. أما الإسلام فقد سبق علماء النفس كما سبق من قبل أطباء الجسم، وحسبك أن تسمع نداء الرسول للشباب: يا معشر الشباب.. من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنّه أغض للبصر وأحصن الفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنّه له وجاء. ولأنّ رمضان يُعلِّم الصبر نسبه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إليه فقال: صوم شهر الصبر، وثلاثة أيام من كلّ شهر، يذهبن وحر الصدر وروي عنه في حديث آخر: لكلّ شيء زكاة، وزكاة الجسد الصوم، والصوم نصف الصبر. وإنما كان الصوم نصف الصبر لأنّ في الإنسان قوى ثلاثاً: قوة شهوية كالتي في البهائم، وقوة غضبية كالتي في السباع، وقوة روحية كالتي في الملائكة، فإذا تغلبت قوته الروحية على إحداهما كان ذلك نصف الصبر، وفي الصوم يتغلب المسلم على قوته الشهوانية من بطن وفرج فكان الصوم حقاً نصف الصبر. إنّ الإسلام ليس دين استسلام وخمول، بل هو دين جهاد وكفاح متواصل، وأوّل عدة للجهاد هو الصبر والإرادة القوية، فإنّ مَن لم يجاهد نفسه هيهات أن يجاهد عدواً، ومَن لم ينتصر على نفسه وشهواتها هيهات أن ينتصر على عدوه، ومَن لم يصبر على جوع يوم هيهات أن يصبر على فراق أهل ووطن من أجل هدف كبير. والصوم بما فيه من صبر وفطام للنفوس من أبرز وسائل الإسلام في إعداد المؤمن الصابر المرابط المجاهد، الذي يتحمل الشظف والجوع والحرمان، ويرحب بالشدة والخشونة وقسوة العيش ما دام ذلك في سبيل الله. ومن حكم الصوم أنّه يعرّف المرء بمقدار نعم الله عليه، فالإنسان إذا تكررت عليه النعم، قلّ شعوره بها. النعم لا تُعرف إلّا بفقدانها، فالحلو لا تعرف قيمته إّلا إذا ذُقت المر، والنهار لا تعرف قيمته إلّا إذا جُنّ عليك الليل، وبضدها تتميز الأشياء. ففي الصوم معرفة لقيمة الطعام والشراب والشبع والري، ولا يُعرف ذلك إلّا إذا ذاق الجسم حرارة العطش، ومرارة الجوع. ومن أجل ذلك ورد أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: عرض عليّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً. قلت: لا يا رب، ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً.. فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك. وإذا شبعت شكرتك وحمدتك. ومن أسرار الصيام الاجتماعية أنّه تذكير عملي بجوع الجائعين، وبؤس البائسين، تذكير بغير خطبة بليغة ولا لسان فصيح، تذكير يسمعه الصائم من صوت المعدة، ونداء الأمعاء، فإنّ الذي نبت في أحضان النعمة ولم يعرف طعم الجوع، ولم يذق مرارة العطش، لعلّه يظن أنّ الناس كلّهم مثله. وأنّه مادام يجد فالناس يجدون، ومادام يُطعم لحم طير مما يشتهي وفاكهة مما يتخير، فلن يحرم الناس الخبز والبقول! فلا غرو، أن جعل الله من الصوم مظهراً للاشتراكية الصحيحة، والمساواة الكاملة، وجعل الجوع ضريبة إجبارية، يدفعها الموسر والمعسر، ويؤديها مَن يملك القناطير المقنطرة ومَن لا يملك قوت يومه، حتى يشعر الغني أنّ هناك معدات خاوية، وبطوناً خالية، وأحشاء لا تجد ما يسد الرمق، ويطفىء الحرق، فحري بإنسانية الإنسان، وإسلام المسلم، وإيمان المؤمن، أن يرق قلبه، وأن يعطي المحتاجين، وأن يمد يده إلى المساكين. فإنّ الله رحيم، وإنما يرحم من عباده الرحماء، وصدق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا مَن في الأرض يرحمكم مَن في السماء. وقد روي أنّ يوسف (ع) كان يكثر الصيام وهو على خزائن الأرض، بيده المالية والتموين، فسُئل في ذلك فقال: أخاف إذا شبعت أن أنسى جوع الفقير.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 169
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 تنمية الحوار عند الشباب
 الوعي بدور العاملين في المجال الإنساني ومساندتهم
 تجسيد معاني الوحدة في فريضة الحج
 دحو الأرض.. يوم مبارك وواقعة جليلة
 المروءة في شخصية الإمام الجواد (ع)
 اليوم العالمي للعمل الإنساني
 إضاءات من شخصية الإمام الجواد (ع)
 دعوة إلى التكاتف والتآلف والوحدة
 الزهد من كمالات الأخلاق
 البعد الروحي في فريضة الحج

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا