الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ/ج19

2016/06/28 | الکاتب : نــزار حيدر


{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.

في فجرِ هذهِ اللّيلةِ الحزينةِ والأليمةِ من ليالي شهر الله الفضيل، شهر رمضان المبارك عام (٤٠) للهجرة، تخضَّبَ بدمائهِ الطّاهرة في محرابِ الصّلاة في مسجدِ الكوفةِ إِثْرَ ضربةٍ بسيفٍ مسمومٍ على يد ألعن خلقِ الله تعالى [الخارجي] المجرم ابْن مُلجم المرادي، أوّل وأعظم ضحايا القراءات الفاسدة والمنحرفة للقرآن الكريم، ألا وهو الإمام أَميرُ المؤمنين وقائد الغرّ المحجّلين وخليفة رسول الله (ص) وأخوه وابنُ عمّه عليّ بن أبي طالب (ع).

ولقد تجمّعت في هذه الضّربة اللّئيمة كلّ معاني الغدر والنّفاق والتّكفير والحسد والبغضاء واليأس من رحمةِ الله تعالى، لتغتالَ الدّين والكرامة والعدل والحريّة والإنسانية والشّجاعة والعلم والتّقوى والوفاء وكلّ القِيَم السّماوية العظيمة التي وصف بها ربّ الْعِزَّة رسولهُ العظيم (ص) بقولهِ في محكمِ كتابهِ الكريم: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} ثمّ اردفها رَسُولُ الإنسانيّة (ص) بقولهِ الشّريف: {إِنّما بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمِ الأَخْلاقِ}.

لقد مثَّل نهج الخوارج أَعظم فتنة مرّت على المسلمين لازالت آثارها قائمةً إلى اليومِ تدفعُ ثمنها الإنسانيّة جمعاء دِماءً ودموعاً وتدميراً! يجدّدها ويحرّض عليها فقهاء التّكفير قرناً بعد قرنٍ!.

فالخوارج منهجٌ يَعْتَمِدُ على قاعدة محاكم التفتيش، تفتيشُ عقائدِ النّاس ونواياهم، إنّهُ منهجٌ يحاكمُ النّاس على النوايا فيكفّر هذا ويفسّق ذاك ويزجّ في النار ثالث ويسوق رابعاً للجنّة، وهكذا، إنّهُ منهجٌ عيّن المؤمنون بهِ أنفسهم وكلاءَ عن الله تعالى، إذا بأوَّلِ القومِ إسلاماً وأقدمهُم إِيمانناً وافقههُم بدينِ الله تعالى كافرٌ بالله طبقاً لهذا المنهج، يستحقّ القتل أو أن يتوبَ عن كبيرتهِ ويعودَ يُسلم بدين الله من جديد!.

يَقُولُ أَميرُ المؤمنين (ع) يصفُ محنتهُ مع هذا المنهج: {أَصَابَكُمْ حَاصِبٌ، وَلاَ بَقِيَ مِنْكُمْ آبرٌ، أَبَعْدَ إِيمَاني بِاللهِ وَجِهَادِي مَعَ رَسُولِ اللهِ (ص) أَشْهَدُ عَلَى نَفْسِي بِالْكُفْرِ! لَقَدْ (ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)! فَأُوبُوا شَرَّ مَآب، وَارْجِعُوا عَلَى أَثَرِ الاْعْقَابِ، أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلاًّ شَامِلاً، وَسَيْفاً قَاطِعاً، وَأَثَرَةً يَتَّخِذُهَاالظَّالِمونَ فِيكُمْ سُنَّةً}.

إنّهُ منهجٌ يُحاكم النّاس على النّوايا، ويحتكر الجنّة لنفسهِ كما يصفهم القرآن الكريم بقوله: {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ* وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} إنّهم يحتكرون الحقيقة والإيمان فيكفّرون الآخرين ويفسّقونهم ويرمون بهم في النار [هكذا] {وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.

إمّا منهج الإمام (ع) منهج الإسلام الحنيف، الذي مرقَ الخوارجُ عَنْهُ، فكان على النَّقيضِ من ذلك جملةً وتفصيلاً، إنّهُ منهج: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ* لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ* وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ* وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ* وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ* لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} الذي أساسهُ ضدّ الإكراه {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} ولذلك لم يسجّل التّاريخ حتى حالةً واحدةً لسجين رأيٍ في فترة خلافتهِ (ع)، بل إنّهُ رفضَ أن يُقاتل الخوارج لفكرهِم أو نهجهِم، وأكثر من هذا فهو (ع) رفضَ أن يمنعهُم من المسجد أو أن يُسقط عطاءهم من ديوان بيتِ المالِ، فالمتتبّع لسيرتهِ ونهجهِ معهُم يتيقّن أنّ قرار الإمام بمقاتلتهِم صدرَ بعد أن قطعوا الطّريق وقتلوا البريء وبقروا بُطُون الحوامل، ما يعني أنّهُ لم يُقاتلهم كمعارضةٍ فكريَّةٍ أو سياسيَّةٍ أو عقديَّةٍ تتناقض أو تتعارض مع أفكار السّلطة وعقيدة الحاكم أَبداً، وإنّما لكونهِم مفسدون قطّاع طرق قتلة ومجرمون.

لم يُقاتل أَميرُ المؤمنين (ع) الحاكم والخليفة أحداً لفساد عقيدتهِ أبداً وإنّما لفسادِ فعلهِ، كما إنّهُ لم يحبسُ أو يقاتلُ أحداً لمعارضتهِ السّلطة أو لرأيٍ يقول بهِ أو يبلّغ لهُ، وإنّما قاتلهم لخروجهم عن القانون والدّولة بالسّلاح فقتلوا وأغاروا وانتهكوا الأعراض وهذا حقٌّ يقول بهِ العقل والمنطق كفلهُ القرآن الكريم والقانون الدولي كذلك، فلقد شدّد المشرّع على ردع الفاسدين في المجتمع بأشدّ انواع العقوبة لحمايةِ المجتمع والنّظام، فقال تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وكحمايةٍ لهم من المجتمع أضاف المشرّع بقولهِ: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فالأمن المجتمعي أولاً والسّلم الأهلي لا يتقدّم عليهِ شيءٌ.

في نهج الإمام (ع) النّظام أولاً، امّا في نهج الخوارج فالعقيدةُ أولاً، ولذلك حمى نهجهُ (ع) النّظام والعقيدة، فيما أَفسدَ نهجهُم كِلا الاثنَين!.

يَقُولُ (ع) متحدّثاً عن فلسفة النّظام وما أعظمها من فلسفةٍ، وقد سَمِع الخوارج يقولون [لا حُكِمَ الّا لله] لتضليل المغفّلين: {كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ! نَعَمْ إِنَّهُ لا حُكْمَ إِلاَّ للهِ، ولكِنَّ هؤُلاَءِ يَقُولُونَ: لاَ إِمْرَةَ، فَإِنَّهُ لاَبُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِير بَرّ أَوْ فَاجِر، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ، وَيُبَلِّغُ اللهُ فِيهَا الاْجَلَ، وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيءُ، وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ، حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ، وَيُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِر}. 

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 481
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ/ج25
 أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ/ج23
 أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ/ج21
 أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ/ج19
 أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ/ج18
 أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ/ج16
 أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ/ج15
 أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ/ج14
 أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ/ج13
 أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ/ج12

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا